(كـــابـــولـــي والا” (يعني البائع المتجول من كابول”
بقلم: رابندرنات طاغور المترجم: د. محمود عالم الصديقي ________________________________________________________________________ لا تستطيع “ميني” ابنتي البالغة في السنة الخامسة من عمرها، أن تعيش بدون الثرثرة والبقبقة الصبيانية. بل في الواقع أني أعتقد أنها لم تضيع دقيقة ما في الصمت طول حياتها. وفي معظم الأحيان تتضايق أمها من هذه البقبقة وتحاول صدَّها عن تلك. ولكنني لا أتضايق… View Article
بقلم: رابندرنات طاغور
المترجم: د. محمود عالم الصديقي
________________________________________________________________________
لا تستطيع “ميني” ابنتي البالغة في السنة الخامسة من عمرها، أن تعيش بدون الثرثرة والبقبقة الصبيانية. بل في الواقع أني أعتقد أنها لم تضيع دقيقة ما في الصمت طول حياتها. وفي معظم الأحيان تتضايق أمها من هذه البقبقة وتحاول صدَّها عن تلك. ولكنني لا أتضايق منها، بل أعتبر صمت “ميني” والطفلات الأخريات لسن “ميني” غير الطبيعي. فلا أطيق التحمل أن تصمت لوقت طويل. ولذلك دائما أتحدث معها بحماس وحيوية.
ذات صباح، على سبيل المثال، كنت مشغولا في كتابة نصف الباب السابع عشر من روايتي الجديدة، تسربت “ميني” ابنتي الصغيرة إلى غرفتي، ووضعت يدها على يدي. وقالت لي: بابا: إن “رام ديال” البوَّاب يدعو “Crow” بـ”غراب”، وهو لايعرف شيئا. أليس كذلك؟ قبل أن أستطيع أن أبيِّنَ لها الاختلاف بين اللغات في هذا العالم، قد قفزت إلى موضوع آخر وسألت يا أبت: ما رأيك في هذا، أن “بهولا” الطباخ يقول: إن هناك فيلا يسكن في داخل السُحُب وهو يقذف الماء في داخلها من خرطومه مما يسبب للسحب أن تمطر. وبينما أجعل نفسي مستعدا لرد سؤالها الأخير، إنها انطلقتْ إلى سؤال جديد قائلة: يا أبت: ما العلاقة بينك وبين أمي؟ فتضايقتُ من سؤالها حتى لفَّقت القول لها بوجه قاتم: يا “ميني” أنا مشغول، اذهبي والعَبِيْ مع “بهولا”.
تطل نافذة غرفتي على الشارع. قد جلستْ ابنتي على قدميّ قريبا من طاولتي، وكانت تلعب بلعبة ضرب الطبل، ضاربة ركبتيها برفق. وكنت منهمكا في إنجاز الباب السابع عشر من روايتي التي بطلها “برتاب سنغ” قد طوَّق في هذا الباب السابع عشر بطلتَها “كنتشنلتا” بين ذراعيه. وكان على وشك التهرب معها عن طريق النافذة في الطابق الثالث من القصر. في ذلك الحين فجأة تركت “ميني” لعبها واندفعت إلى النافذة صائحة: يا “كابولي والا”، يا “كابولي والا”! وتحت النافذة تماما في الشارع كان هناك بالفعل “كابولي والا” (يعني بائع متجول من بلد كابل من بأفغانستان)، يسير وحيدا ببطء، مرتديا بلباس فضفاض قذر مع عمامة طويلة وفقا لملابس أناسهم الجبليين. وكان يحمل حقيبة على ظهره وتقبض يداه على علبة الأعناب والفواكه.
لا أستطيع القول عما يجول في خاطر ابنتي عند رؤية هذا الرجل. ولكنها بدأت تدعوه صائحة! يا “كابولي والا”. فتضايقت من خطوتها هذه، وقلت لنفسي آه ، إنه سيجيء في الداخل وبابي السابع عشر لروايتي لن يكتمل. وفي نفس اللحظة استدار “كابولي والا”، ونظر فوقه إلى البنت. وعندما لاحظتُ أن “كابولي والا” ينظر إليها ملكها الرعب وغلب عليها الخوف، ففرَّتْ هاربة للحماية إلى حضن أمها، واختفت. في الحقيقة أنها تعتقد بصورة عمياء أن الحقيبة التي يحملها على ظهره، لعل فيها اثنين أو ثلاثة من الأطفال الآخرين مثلها. بينما دخل البائع المتجول في بوَّابتي وحيّاني بوجه باسم.
كان وضع بطل وبطلة روايتي متزلزلًا وغير مستقر (هذا الوضع يتطلب عمق التفكير فيه ) ولذلك بأول دافعي أصدّ عن الكتابة، وأشتري شيئا من البائع المتجول لأنه دُعِيَ من قبل ابنتي. فاشتريت منه قليلا من الفواكه الجافة. ثم دارت المحادثة بيني وبين “كابولي والا” المسمى بـ”عبد الرحمن” حول “الروسيين” والإنجليز، والسياسة الخارجية.
عندما كان على وشك المغادرة، سأل قائلا: أين الطفلة الصغيرة، يا سيدي؟ فَجِئْتُ بها إلى الخارج متفكرا في أن تتحررن – “مينى”- من مخاوفها الزائفة التي تسيطرعليها برؤية هذا الرجل. فقامت قريبة من كرسيِّيْ ونظرت إلى “كابولي والا” وإلى حقيبته. وقدَّم إليها “كابولي والا” حفنة من الجوز والزبيب. ولكنها لم تغرها، بل استشعرت منه بمزيد من الخوف، والتصقت بي. هذا كان أول لقائهما.
وذات صباح بعد بضعة أيام لذلك اللقاء، وكنت على وشك مغادرة البيت فُوْجِئتُ بما شهدت أن “ميني” كانت جالسة على مقعد طويل قريب من الباب وتضحك بصوت عال وتتحدث مع “كابولي والا” الضخيم وهو جالس عند قدميها. وبدا لي أن ابنتي الصغيرة لم تجد سامعا متصبرا أكثر منه طول حياتها. ثم شهدت أن جانب ثوبها “ساري ” مملوء باللوز والفواكه التي أهداها إليها “كابولي والا” الزائر. فسألته قائلا: لماذا أعطيتَها هذه الفواكه. ثم أخرجت ثمانية فلوس من جيبي وسلَّمْتُها إليه. فقبلها الرجل بدون احتجاج ومقاومة ودسَّها في جيبه.
ولكن عندما رجعت بعد نحو ساعة، وجدت العملة التي أعطيتها “كابولي والا”، قد أحدثت مشكلة أكبر من قيمتها. فأعادها “كابولي والا” إلى “ميني” في صورة هدية” وعندما شاهدت أمُّها هذه العملةَ لطمت طفلتها بهذه العملة، وسألتها بنبرة توبيخية: أين وجدتِ هذه العملة؟ فأجابت ميني” بنبرة فرحة ” أعطانيها “كابولي والا”. فاستشاطت أمها المتحيرة غضبا وصاحت قائلة إن “كابولي والا” أعطاكِها وكيف يمكن لكِ يا بنت أن تأخذيها منه. ودخلتُ في نفس اللحظة وأنقذتُها من مصيبة كادت أن تحل عليها، فتقدمتُ إلى الأمام لأسأل بنفسي منها أسئلة متظاهرا.
هذا اللقاء لم يكن أول مرة أو ثاني مرة، بل وجدتُهما يلتقيان بصورة كثيرة منذ اللقاء الأول الذي فيه استشعرتْ “ميني” منه بالخوف. وقضى “كابولي والا” على مخاوفها من خلال تقديم إليها هدية حكيمية من اللوز والفواكه. ومنذ ذلك الحين صارا صديقين حميمين، يلتقيان، ويطلاقان نكاتٍ طريفةَ ويتسليان بها كثيرا. تتفجر بهذه النكات “ميني ” في الضحك جالسة أمام قدميه وناظرة إلى جسمه العملاقي. ثم تقول: يا “كابولي والا” ما في حقيبتك؟ وهو يجيب من الأنف في لهجة سكان الجبل: “فــيـــل!” لعل هذه المحادثات لا تتسبب لإفراح الآخرين، ولكنهما يتمتعان بهذه المحادثة الفكاهية ويبتهجان بها ابتهاجا كثيرا. وأما أنا فأسحر دائما بمحادثة طفلتي مع رجل ناضج السن بهذا الأسلوب البديع.
وثم “كابولي والا”، وهو لا يتخلف عنها في توجيه الأسئلة الصبيانية إليها. فبدوره يقول مداعبا: حسن! يا صغيرتي: أين تذهبين إلى بيت حميك؟ يمكن للفتيات البنجاليات أن يسمعن كلمة “بيت الحمو” ويمكن لهم أن يفهمن مفهمومها. ولكننا وضعْنَا هذه الكلمة وأمثالها بعيدة عن طفلاتنا. لذلك تكون “ميني” متحيرة من هذا السؤال، ولكنها لا تفشيها، بل ترد عنها بلباقةٍ سائلةً: هل أنت تذهب إلى بيت حميك؟
غير، كان من المعروف بشكل جيد بين رجال طبقة “كابولي والا” أن الكلمة “بيت الحمو” لها معنيان. هذا اصطلاح للإشارة إلى السجن، وهو مكان حيث نُهْتَمُّ بعناية حسنة بدون إنفاق الأموال عليها من عندنا. في هذا المعني يأخذ البائع المتجول الحازم سؤال ابنتي. وهو يقول “يا ترى” مشيرا إلى شرطة غيرمرئية: أنا أضرب حمي. سماعا لهذه الإجابة تتفجر “ميني” في الضحك، ثم يشاركها صديقها العملاق في الضحك، فيتضاحكان معا بصوت عال.
كانت هذه الأيام أيام الربيع، وفي هذه الأيام كان الملوك في االزمان القديم يخرجون للغز ووالفتح. ولكنني لا أتحرك من زاويتي الصغيرة في مدينة كلكتا لأطلق العنان لعقلي في التفكير في العالم كله. وبمجرد سماع اسم لبلد آخر يبدأ قلبي بخفقان شديد، وبرؤية أجنبي على شارع من الشوارع أبدأ برؤية سلسة من الأحلام! فأرى فيها الجبال والأودية والغابات البعيدة من العمران، والكوخ في محيطها والحياة الحرة المستقلة البعيدة عن الوحوش فيها. لعل مناظر الرحلة تستحضر أمامي كل هذه الأشياء، ويتكرر مرورها في خيالي وتصوراتي بصورة واضحة، لأنني أعيش حياة نباتية لحد تسقط دعوة إلىَّ لرحلة إلى الصحراء تسقط عليَّ كرعد وتثير مخاوفي الكامنة.
بحضور “كابولي والا” أنا أصل إلى أعلى قمم الجبال القاحلة ذات الممرات الضيقة الملتوية والمنعطفة ربما في الداخل وربما في الخارج مع ذروتها الشامخة. وأري فيها جِمالا راحلة حاملة على ظهورها البضائع التجارية، وأرى فيها جماعة من أصحابه التجار المُعَمَّمِين الحاملين منهم البعض رماحهم والبعض أسلحتهم النارية الغريبة القديمة، الراحلين من الهبوط إلى الصحراء. أستطيع أن أرى —. ولكن عندما أكون مستغرقا في مثل نقطة مهمة في الحلم، تتدخل أم “ميني” طالبة مني: ” بأن أتحذر ذلك الرجل”.
بسوء الحظ، إن أم “ميني” امرأة مخلوعة الفؤاد، ومتخوفة جدا، وكلما تسمع جلبة في الطريق أو ترى أناسا يجيؤون إلى جانب البيت، أنها تثب دائما إلى نتيجة أنهم إما خطاطيف أو سكارى، إما حيات أو نمور، وصرصور أو يرقانة الفراشة. حتى بعد قضائها لهذه السنوات الجميعة لم تستطع كسب التجربة. فلذلك لم تتمكن من التغلب على مخاوفها، وارتابت في شأن “كابولي والا” وبدأت تلتمس مني أن أراقبه بعين حذرة. وأحاول ضاحكا في إزالة خوفها. لكنها تنقلب عليَّ بجدية وتسأل مني بعضا من الأسئلة: ألا تُخُتطَف الأطفال؟ إذَن، أليس هذا بصحيح كانت هناك تتواجد عبودية في كابول؟ أهذا مضحك أن هذا الرجل العملاق يمكن له أن يختطف طفلة صغيرة مثل “ميني”؟ أجيبها لو أن ذلك ممكن، ولكنه غير محتمل للغاية. ولكن هذا الرد لا يقنعها بل ظل خوفها يستمر ويقض مضجعها. وبدا لي غير صحيح أن أصد الرجل عن دخول البيت. فظلت تزداد الألفة بينهما بدون توقف وانقطاع.
مرة في كل سنة في منتصف شهر يناير كان عبد الرحمن ” كابولي والا” يعود عادة إلى بيته. وعندما يحين وقت العودة إلى بيته يكون مشغولا جدا، لأنه يذهب من بيت إلى بيت ليجمع ديونه. ولكن في هذه السنة، دائما يجد وقتا للمجيء إلي منزلي ورؤية “ميني”. حتى يبدو لدخيل أن هناك بعض المؤامرات بينهما. وعندما لا يستطيع أن يجيء في الصباح فيحضر في المساء.
وكان مجيئه إلى منزلى في وقت غير متوقع مدهشا للغاية لي أيضا: فوجود هذا الرجل الطويل ذي اللباس الفضفاض وصاحب الحقائب، في زاوية الغرفة المظلمة يفاجئني. ولكن عندما تعدو إليه “ميني” بوجهها الباسم صائحة: يا “كابولي والا” يا “كابولي والا” وعندما يغور الصديقان المختلفا العمر في ضحكهما القديم، وعندما يطلقان ضحكاتِهما القديمة المعتادة، فأحس بالطمأنينة والراحة..
ذات صباح، قبل أيام قليلة لعقد عزمه على رجوعه إلى البيت، وكنت مشغولا في تصحيح ورقاتي المبيضة في دراستي. وكان هذا موسم الشتاء، وأشعة الشمس تدخل من خلال النافذة وتمس قدميّ وتبعث في داخلي قليلا من الدافئة التي تبهجني. فإن هذه الدافئة القليلة ترحَّب جدا في مثل هذا الموسم. وكان الوقت حوالي الساعة الثامنة صباحا، ويرجع المُشاة سارحين إلى بيوتهم مغطين وجوههم. فجأة سمعتُ ضجة من الأصوات في الشارع. فنظرت إلى الخارج فرأيت عبد الرحمن يجره شرطيان وهو مقيد ويتبعهم زحام من الأولاد الفضليين. وكانت هناك لطخة الدم على أثواب “عبد الرحمن المعروف بـ كابولي والا”. وكان يحمل شرطي سكينا ملطخا بالدم. فأسرعت في الخروج إليهم وأوقفتهم وسألتهم عما حدث. فاستجمعت شيئا من أحد وشيئا من آخر، حتى وصلت إلى نتيجة أن واحدا من الجار قد اشترى من البائع المتجول رداءً رامفوريا بالدَّين. ولكنه رفض بكذب بأنه اشتراها منه. فجراء ذلك وقعت المشاجرة بينهما، وخلال المشاجرة قد هاجم “كالولي والا” عليه بالسكين. والآن تحت حدة الغضب والاحتياج يسب عدوه ويطعنه بشتى الألقاب القبيحة. وسماعا بصوت “كابولي والا” خرجتْ فجأة ” صغيرتي “ميني” إلى دار الصحن، وصاحت في ارتياحها العادي: يا “كابولي والا” يا “كابولي والا”. ولكن اليوم لم يحمل عبد الرحمن “كابولي والا” حقيبة تحت ذراعيه. ولذلك لم تتمكن من المناقشة معه على “الفيل” ففجأة تقدمتْ إليه بالسؤال الآخر: هل أنت ذاهب إلى بيت حميك؟ ضحك عبد الرحمن من سماع هذا السؤال. وأجاب: نعم: أنا ذاهب إليه! يا صغيرتي. وعندما رأى أن إجابته لم تبهج الطفلة رفع يديه المقيدتين. وقال: يا ترى! يدانا مقيدتان إلا لأضربن حمي المُسِنّ.
بتهمة محاولة القتل سُجِن “عبد الرحمن” لعدة سنوات. وانقضى الزمن ولم يُذكَر. وانهمكنا في أعمالنا العادية، ولم يخطر ببالنا حتى مرة عن الجبلِيِّ الحر الذي يقضي حياته في السجن. وأشعر بالخجل في القول إن “ميني” أيضا أنست صديقها القديم وأحلت محله صديقات جديدات ملأن حياتها. وعندما بلغت الشباب وكبرت، بدأت تمضي أوقاتها مع زميلاتها. وفي الحقيقة إنها تمضي معظم أوقاتها مع زميلاتها حتى قلَلت من مجيئها الكثير إلى غرفة أبيها بالنسبة لمجيئها إليه في أيام طفولتها. ولا أجد فرصة محادثتها إلا بصعوبة.
انقضت الأيام والشهور والسنوات حتى في أحد مواسم الربيع قد أعددنا إعدادا لزواج ابنتنا “ميني” وكان من المقررأن حفلة زواجها ستنعقد خلال عطلة “عبادة درغا”. وبعودة “درغا الأم” إلى ” كيلاس” يغادر ضوء بيتنا “ميني” إلى بيت زوجها أيضا تاركة بيتنا مظلما.
قد طلع الفجر وانتشر ضوء النهار وساد الشعور في مثل هذا الفجر بأن الهواء بعد المطر اغتسلت. وبدأت أشعة الشمس تلتمع كالذهب المتلألئ. فما أبهج المناظر وأسطعها، وكل ذلك أعطى أَدَيمَ شوارع كلكتا ذات الآجرة الباهتة أجمل لمعان. ومنذ الفجر لذلك اليوم لا يزال يطلق ناي الزواج صوتا موسيقيا، ومع كل نفخة في الناي يهفو قلبي بشدة بدا لي أن صوت الموسيقي المسمى بـ” بهيراوي” يزيد ألمي ويشير إلى اقتراب ساعة الانفصال. سيتم زواج ابنتي “ميني” في هذه الليلة.
قد ملأ الصخبُ البيتَ وسادت فيه موجة الفرح والنشاط منذ الصباح الباكر. وستُنصب الخيمة على الأعمدة القصبية وتُنوَّر كل غرفة من الغرف بالشمَّاعات الكهربائية المضيئة مع صوت رنين. فلم يكن هناك حد للسرعة والتشويق. وكنت جالسا في حجرة دراستي أراجع قائمة النفقات. وذلك الحين دخل عليَّ رجل وحيّاني باحترام، ووقف أمامي. كان هو عبد الرحمن “كابولي والا”. وفي أول الأمر لم أستطع معرفته. فلم يحمل حقيبة ولا كان في رأسه شعر طويل ولايتمتع بنفس الحماس والحيوية اللتين كان يتمتع بهما في الأيام القديمة. ولكنه ابتسم فعرفته من جديد. فسألته: متى جئت؟ يا عبد الرحمن!
فأجاب: مساء البارحة. فأُطلِقَ سراحي من السجن.
وقعت كلمة السجن ثقيلة على أذني كالرعد. في الحقيقة ما كنت تحدثت مع أحد قام بجرح صاحبه قبل. فانكمش قلبي في داخلي مدركا بهذا. وشعرت بأن اليوم لمضى خيرا لولم يجيء هذا الرجل. وقلت له: إن هناك حفلة تجري في البيت، وأنا مشغول جدا. هل يمكن لك أن تأتيَ يوما آخر؟ في نفس اللحظة استدار للرجوع. ولكن توقفت قدماه بعد وصوله إلى الباب. وقال لي: هل يمكن لي أن أرى “الصغيرة” لحظة؟ يا سيدي!
وكان في اعتقاده أن “ميني” لا تزال صغيرة. وقد صوَّرها في ذهنه أنها تعدو إليه، كما كانت تعدو إليه في أيام طفولتها صائحة: يا “كابولي والا” يا “كابولي والا”، وقد خيَّل أيضا أنهما يضحكان ويتحادثان معا، كما كانا يفعلان في الأيام القديمة. في الحقيقة في ذِكْرِ الأيام الماضية أنه أتى بقليل من اللوزوالزبيب والأعناب طويا بالعناية في ورقة.وقد حصل علي هذه الفواكه الجافة القليلة بصعوبة من ريفيٍّ، لأن أمواله القليلة قد نفدت.
وقلت له مرة أخرى إن هناك حفلة تجري في البيت، ولا تستطيع أن ترى اليوم أحدا من أهل بيتي. فشحب وجهه بالحزن، ونظر إليَّ بحسرة لحظة، ثم قال: صباح الخير. وخرج. وأشفقت عليه قليلا، وأوشكت أن أطلب منه أن يرجع. ولكن رأيته يرجع بنفسه. فاقترب مني، وقال لي ممسكا بتُحَفِه: “جئت بهذه الأشياء لصغيرتي، ياسيدي!هل يمكن لك أن تعطيها هذه الأشياء؟”
فأخذت منه هذه الأشياء وجعلت أدفع إليه قيمتها. ولكنه أمسك بيدي. وقال: أنت مشفق للغاية، يا سيدي! اذكرْنِيْ في دعائك، ولا تعطني شيئا من الفلوس. عندك طفلة صغيرة، وعندي أيضا واحدة مثلها في بيتي.وأنا دائما أتفكر فيها وآتي بالفواكه لطفلتك لتسلية لقلبي ولا لكسب المنفعة لذات نفسي. قائلا هذا، أدخل يده في داخل حُلَّة فضفاضة، وأخرج منها قطعة وسخة من الورق. وبغاية الاحتياط فتحها، ثم بسطها على طاولتي من كلتا يديه. وإنها تحمل بصمةً لِيدٍ صغيرةٍ، ولا صورة ولا رسما. البصمة ليد متلطخة بالحبر، تم وضعها مسطحة على الورقة . وإنها بصمة يد ابنته الصغيرة، وكان يلازمه بقرب قلبه. كما كان يعتاد إلى مدينة كلكتا سنة بعد سنة لبيع سلعها في شوارعها.
سالت الدموع من عيوني، ونسيت أنه فقير بائع متجول للفواكه من بلد كابل. فما أنا أكبر منه. فأنا أب، وهو أب أيضا، وبصمة يد ابنته الصغيرة المقيمة في بيته الواقع بالجبل، ذكَّرتني ابنتي “ميني” الصغيرة.
على الفور أرسلت إلى طلبها من داخل منزل الحفلة، وواجهت في ذلك انتقادات، ولكن ما سمعتُ لأحد، بل أصررت على استدعائها. فجاءت مرتدية بلباس الزفاف الحريري الأحمر مع لصوق متلون على جبينها، ومتزينة كما ينبغي لعروس شابة أن تتزين. ووقفت أمامي باستحياء. وساد شيء من الدهشة والحيرة في وجه ” كابولي والا” برؤيتها. فلم يستطع أن يجدد صداقتهما القديمة. وبالأخير قد ابتسم وقال: يا صغيرتي! هل أنتِ ذاهبة إلى بيت حميكِ؟
ولكن “ميني” الآن تستطيع أن تفهم معنى كلمة “حمو البيت” ففهمتْها كل الفهم، فلم تجبه كما كانت تجيبه في أيام طفولتها على هذا السوال. فخجلت من هذا السؤال، وقامت منحنية الرأس باستحياء كالعروس. تذكرتُ اليوم الذي لقيتْ فيه “ميني” كابولي والا” أول مرة. فأشفقتُ عليه .
وعندما غادرت “ميني” تنفس “عبد الرحمن كابولي والا” صعداء، وجلس على الفرش. وفجأة خطرت بخاطره خاطرة أن ابنته أيضا لبلغت سِنَّ الشباب خلال هذا الزمان الطويل، وهو يحتاج من جديد إلى تطوير الصداقة معها. وبالتأكيد أنه لا يجدها كما كان تركها وعرفها. وعلاوة على ذلك: يا ترى! ألا يحدث عليها شيء مكروه خلال هذه السنوات الثمان.
بدأ ناي الزواج يطلق صوتا موسيقيا ، وبدأت أشعة الشمس المعتدلة تتدفق حولنا في موسم الربيع. ولكن عبد الرحمن جلس على شارع صغير من شوارع كلكتا ورأى أمامه أجدب جبال أفغانستان.
أخرجتُ صُرَّةً من الفلوس وسلَّمتُها إلى “كابولي والا” قائلا: إرجع إلى ابنتك في بلادك! يا عبد الرحمن، عسى سعادة لقائك ابنتك الحبيبة تُسبِّبُ إلي جلب يُمْنٍ ويُسْرٍ لابنتي.
بعد تقديم هذا العطاء، اضطررت إلى تقليِص بعض النشاطات الاحتفالية. فلم أزين المنزل بالمصابيح الكهربائية التي كنت عزمت على التزيين بها، ولا استأجرت جماعة الموسيقين. فقنطت نساء المنزل من خطوتي هذه. ولكن حفلة الزواج لديَّ كانت أسطع وأبهج وأحسن احتفالا للفكرة التي تدور في رأسي أن هناك في أرض نائية أبا غائبا منذ زمن طويل لَيتمكن من لقاء ابنته الوحيدة مرة ثانية.
