ظاهرة الحب في روايات سيد قطب رواية “أشواك” أنموذجا
الدكتور معراج أحمد معراج الندوي الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية ،كولكاتا – الهند merajjnu@gmail.com Abstract: Seyyed Qutub was a prolific Egyptian writer, His literary and ideological legacy was firmly established in various literary generous, from poetry to short stores and novel. He started his journey by composing romantic poetry meanwhile he used… View Article

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي
الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية ،كولكاتا – الهند
merajjnu@gmail.com
Abstract: Seyyed Qutub was a prolific Egyptian writer, His literary and ideological legacy was firmly established in various literary generous, from poetry to short stores and novel. He started his journey by composing romantic poetry meanwhile he used to write in some leading news papers. He presented his personal experiences of love by writing a novel named “Ashwak”. Later he moved to Islamic thoughts and advocated a strong socio-political role of Islam in Muslim world. He became one of the most significant political thinkers for contemporary Islamists who has greatly influenced entire Islamic world. The outstanding contribution made by Sayyed Qutub in Islamic theory and ideology finally overlapped to his literary works, hence he became a forgotten figure in the field of modern Arabic novel. Based on the novels written by him especially the novel “Ashwak” explores key ideas ingrained in his earlier writing, traced these ideas and socio- political context, although his novels made no great impression, but he earned a reputation as an astute literary critic. The present study aims to analysis the narrative arts of Sayyed Qutub focusing on the inner conflict of love and affection as the main actor in the novel“Ashwak”.
الملخص:ذاع صيت سيد قطب بإسهاماته الفكرية المتعددة فيما يخص الدراسات الإسلامية ومقترحاته التنظيرية بشأن العمل الحركي الإسلامي، ولكن تشهد مسيرته الفكرية والأدبية على
كونه واحداً من أهم الأدباء البارزين الذين ظهروا في مصر في النصف الأول من القرن العشرين. خاضسيد قطب في غمار العمل الروائي وأثبت حضوره روائيا. فقد كانت تجريته الروائية الأولى “طفل من القرية” التي ظهرت في عام 1925م والتي عدت باكورة أعمااله الروائية في هذا الميدان. كتب سيد قطب ثلاث روايات وتناول فيها القضايا الاجتماعية والسياسية. لقد أغنى سيد قطب المكتبة العربية بفنونه النثرية الروائية إلا أنها لم تنل حظا وافيا بالدرس والتحليل، إذ تغلبت الدراسات الدينية ومقترحاته التنظيرية على أدبه الروائ وقتله، وقد أصبح سيد قطب مجهولا في باب الرواية العربية. تتطرق هذه الدراسة إلى شخصية سيد قطب الأدبية وتلقي الضوءعلى تجربته الروائية لتكشف زا واية مجهولة من حياة هذا الأديب الكبير.
الكلمات الرئيسية: سيد قطب،الحركة الإسلامية، الأدب الروائ، أشواك، الحب، السياسة، القاضايا الاجتماعية
المدخل: يعد سيد قطب من أكثر الشخصيات تأثيرا في الحركات الإسلامية التي وجدت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. تعتمد شهرة سيد قطب على إسهاماته الفكرية المتعددة فيما يخص الدراسات الدينية ومقترحاته التنظيرية بشأن العمل الحركي الإسلامي. ولكن مع ذلك، فإن الدراسة تدل على كونه واحداً من أهم الأدباء البارزين والشعراء الموهوبين والنقاد الألمعيين الذين ظهروا في مصر في النصف الأول من القرن العشرين.
دخل سيد قطب في عالم القصة بخطة ثابتة وموهبة عالية وثقافية واسعة وألف بعض القصص والروايات، ففي الواقعية كتب قصته “طفل من القرية” وفي الرمزية كتب “المدينة المسحورة”، وفي الرومانسية كتب روايته “أشواك”. لقد أحدث هذه الرواية ” أشواك” أثرا كبيرا في عالم الأدب واستقبلها الأدباء والمفكرون واكتشفوا بها موهبة سيد قطب الجديد في عالم القصة وأضافوها إلى مواهبه الفنية الأخرى.
مولده ونشأته:
ولد سيد قطب إبراهيم في التاسع من أكتوبر عام 1906م في قرية “موشه” بمحافظة أسيوط في مصر، نشأ وترعرع في أسرة دينية. كان لأبويه أثر كبير في نشأته وتربيته حيث تركا لمستها على كثير من جوانب شخصيته، قاما بغرس فيه الإيمان والتقوى والطهر والعفاف، كان والده رجلا صالحا ملتزما، يرتاد المساجد للصلاة، وكانت أمه محافظة على الشريعة الإسلامية. أثرت هذه التربية في نفسه وفي تكوين شخصية دينية وفكرية وأدبية. وكان سيد قطب حريصا على أداء الصلوات في المساجد وهو طفل صغير. دخل على كُتاب القرية ولكنه تركه بعد فترة والتحق بمدرسة القرية الإلزامية، ولم تمض سنوات أربع حتى حفظ القرآن الكريم، وألمّ بالكثير من الآداب المتعلقة بالحديث. بعدما أتم دراسته الأولية انتقل إلى القاهرة ليقيم مع خاله وليواصل تعليمه هناك فالتحق بكلية دار العلوم التي كانت تعد وقتها من أهم الكليات التي تتعلق بها قلوب طالبي العلم والأدب. وبعد تخرجه في كلية دار العلوم سنة 1933م. عمل بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية وابتعثته الوزارة إلى أمريكا لمدة عامين وعاد في عام 1950م.
كانت بدايات سيد قطب السياسية مع حزب الوفد الذي انضم إليه في شبابه وظل به حتى عام 1942م عندما تركه لينضم إلى حزب السعديين. وفي عام 1945م حدث تغيّر كبير في أفكار قطب السياسية. فنجده ينشر مقالات في مجلة الرسالة، كان يهاجم فيه جميع الأحزاب السياسية في مصر، ويدعو قادتها إلى ضرورة تعديل برامجهم لتتلاقى مع طموحات الشعب المصري.
تعرّف سيد قطب بعد رجوعه من أمريكا، على حركة الضباط الأحرار، وكان من المقربين إلى جمال عبد الناصر. وبحسب ما يورده وزير الثقافة المصري الحالي حلمي النمنم في كتابه “سيد قطب وثورة يوليو”، فإن قطب كان مشاركاً في التحضير لانقلاب يوليو، وكان من الذين ساندوا الضباط الأحرار بكتاباتهم بعد قيامها. فهو أول من سمى الانقلاب بالثورة، وعارض ما أُشيع عن نية الضباط العودة إلى ثكناتهم، وكذلك طالب محمد نجيب في بعض مقالاته بالقضاء على الإقطاع وذيول الملكية والمُضي قدماً في عملية التطهير. وفي الوقت الذي كان فيه قطب مقرّباً من رجال الثورة، كانت ميوله الفكرية تقترب شيئاً فشيئاً من جماعة الإخوان المسلمين، حتى انضم إلى صفوفها بشكل رسمي عام 1953م وخاض معهم محنتهم التي بدأت منذ عام 1954م إلى عام 1966م وحوكم بتهمة التآمر على نظام الحكم وصدر الحكم بإعدامه وأعدم في عام 1966م.
كانت شخصية سيد قطب فريدة ذات خصائص نادرة، يندر أن يجود الزمان بمثله في مقام الفكر والكفاح معا، لقد كان له أثرٌ كبيرُ في حياته ولكنه لا يُقارَن بالأثر الذي أحدثه باستشهاده إعدامًا.
مسيرته الأدبية والفكرية:
بدأ سيد قطب مسيرته الأدبية شاعرا، فقد نشر أول قصيدة له في عام 1925م. وكان يكتب في عدة مجلات أدبية وسياسية منها “الرسالة”، “اللواء الاشتراكية”. فقد ألقت علاقة قطب مع الأدب بظلالها على قطب المفكر، فسيد قطب الكاتب الإسلامي الباحث عن المجتمع النقي الأول، هو ذاته الشاعر الرومانتيكي الباحث عن التجربة الذاتية الكاشفة، فعلاقة قطب بالأدب مفسرة لكثير من خياراته وتوجهاته الفكرية.
تزامن كتابة قطب لسيرته الذاتية “طفل من القرية” مع كتابيه “التصوير الفني في القرآن” و”مشاهد القيامة في القرآن” يعكس الصراع الداخلي الذي خاضه قطب في هذه المرحلة، فقد كانت معركة قطب الرئيسة هي صراعه الدائم بين المثال والواقع، وهذا ما يتضح في مساره النقدي والأدبي ومشروعه الاجتماعي والفكري على السواء. تبرز هذه المعركة بين المثال والواقع في مسيرته كشاعر وناقد.
لقد مر سيد قطب بمراحل عديدة في حياته منذ الطفولة. المرحلة الأدبية البحتة التي كان فيها متأثرا بعباس العقاد. ثم مرحلة فكرية، وبالتالي توجه للأدب الإسلامي إلى أن صار رائد الفكر الحركي الإسلامي. إن سيد قطب في تلك المرحلة الواقعة ما بين عامي 1932م إلى 1948م لم يكن يكتفِ بالمقالات النقدية فحسب، بل دخل في العديد من المعارك الثقافية والأدبية مع بعض من كبار رموز الحياة الثقافية المصرية.
المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي فيها غلب عليه الجانب الفني والأدبي، نشر قطب كتابيه “التصوير الفني في القرآن” في عام 1945م و”مشاهد القيامة في القرآن” في عام 1947م وقد عمل قطب في كليهما على تبيان نماذج من الصور الفنية الرفيعة الواردة في القرآن الكريم.
المرحلة الثانية: في هذه المرحلة، كتب العديد من الكتابات الفكرية الإسلامية العامة، ومن أهمها “العدالة الاجتماعية في الإسلام” في عام 1949م و”معركة الإسلام والرأسمالية” في عام 1951م و”السلام العالمي والإسلام”. أما من أهم كتبه في هذه المرحلة، فكتابه “في ظلال القرآن” وهو تفسير موضوعي للقرآن الكريم الذي نشره في شكل حلقات متسلسلة وتم طرحه في شكل مجلدات مجمعة فيما بعد.
المرحلة الأخيرة: المرحلة الثالثة التي امتدت منذ لحظة انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين وحتى وفاته. وفي هذه المرحلة أعاد قطب نشر كتابه “في ظلال القرآن” بعد أن أجرى عليه بعض التعديلات والتنقيحات التي تتوافق مع ما استجد عليه من أفكاره وأرائه، ومن أهم المؤلفات التي أصدرها في هذه الفترة، “هذا الدين”، و”الإسلام” و”مشكلات الحضارة”، و”خصائص التصور الإسلامي”. قد وقف في هذه المرحلة مع عباس العقاد في عدد من المعارك ضد المفكرين والمثقفين المحسوبين على الخط الإسلامي من أمثال مصطفى صادق الرافعي ومحمود شاكر ومحمد سعيد العريان.
إن وقوفه في هذه المرحلة بجوار كاتب محسوب كونه علمانياً مثل العقاد، ضد كتاب إسلاميين مثل الرافعي، قد جرّ عليه سخط الفصيل الإسلامي كلّه، والذي كانت جماعة الإخوان المسلمين تقف وقتها في الطليعة منه. ولذلك فإن هناك عدداً من الروايات المنتقدة لقطب في تلك المرحلة. ولعل واحدة من أهم تلك الروايات وأكثره انتشاراً وذيوعاً، هو المقال الذي نُسب إلى سيد قطب في جريدة الأهرام، وإن ما جرى في سيرة قطب هو نوع من التحول الحقيقي رسم مساره الفكري بحيث عمل بعض أنصاره فيما بعد إلى إخفاء ماضيه الأدبي باعتباره ينتمي إلى الفترة الجاهلية في حياته، بالإشارة إلى المعارك الأدبية التي خاضها سيد قطب وبعضها كان دفاعا عن موهبة الكاتب الشاب نجيب محفوظ الذي كتب بدوره مقالا في مديح سيد قطب نشرته مجلة الرسالة في أبريل عام 1946م. ولم يتوقَّف سيد قطب عن الكتابة بالصحف والمجلات إلا بدخوله السجن عام 1954م، وقد كان غزير الإنتاج نثرًا وشعرًا ونقدًا في المجالات الأدبية والسياسية والاجتماعية والتربوية، فكان يكتب في الصحافة اليومية والأسبوعية وغيرها، ويدخل في معارك أدبية مع آخرين فيهاجمونه في مقالاتهم ويكتسب معجبين يُثنون عليه ويُبدون إعجابهم بكتاباته.
آثاره القصصية:
تعتبر القصة من أكثر فنون الأدب شيوعا في العصر الحديث بحيث غلبت على الأنواع الأدبية واستحوذت على فكر كثير من الأدباء، وذلك لأن القصة من أقرب الفنون الأدبية إلى النفس البشرية، ولها قدرة ساحرة على إثارة العواطف وتغذيتها، ولذلك قلما نجد كاتبا مرموقا ولم يكن له اهتمام بالغ بنوع ما بفن القصة. لقد اهتم سيد قطب بفن اقصة وأبدع في هذا الفن الجميل وإن لم يكن زاده كثيرا في هذا النوع من الأدب، ولكن كل ما ترك لنا من آثاره في هذا الفن اقصصي يدل على براعته وابتكاره. كتب سيد قطب ثلاث قصص قصيرة.
• “الخريف” عام 1941م
• “أحياء وأموات” عام 1944م
• “وجه الظلام” عام 1948م
كتب سيد قطب بالإشتراك مع الروائ الشهير عبد الحميد جودة السحار سلسلة من القصص الدينية للأطفال في أربع حلقات، إذ تضمنت الحلقة الأولى معالجة فنية لقصص الأنبياء والحلقة الثانية تحتوي على قصص السيرة النبوية، والحلقة الثالثة حافلة بقصص الخلفاء الراشيدن، بينما الحلقة الرابعة والأخيرة تتضمن حياة العرب في أوربا حتى آخر أيامهم بالأندلس.
لقد نجح سيد قطب في عناصر تجربة القصصية من الأفكار والوجدان والصور التعبرية، والقصة عنده ليست مجرد سرد الحوادث أو الشخصيات، وإنما هي قبل ذلك الأسلوب الفني أو طريقة العرض التي ترتب الحوادث مواضيعها وترك الشخصيات في مجالها. وكان ينوي أن يصدر عددا من القصص مثل “من أعماق الوادي” و”القطط الضالة” بحثا عن القصة الحديثة ولكنه عدل عنها في النهاية ثم مال إلى كتابة الروايات وأخرج ثلاث روايات.
سيد قطب وإبداعه في مجال الرواية:
مال سيد قطب إلى الشعر والأدب منذ صغره وتعرف على أخبار العرب وحفظ نماذج من أشعارهم وهوكان طالبا في المدسة، وحينما انتقل إلى القاهرة والتحق بمدسة دار العلوم أرهف ذوقه الشعره بسبب ازدهار الحياة الثقافية والأدبية بحيث صار الحيث في الشعر والأدب حديثة الأوساط الثقافية والأدبية.
لقد كتب سيد قطب ثلاث روايات وتناول مادته الأولية في رواياته مثل الأدباء الآخرين من التاريخ وأومن الحياة الاجتماعية المعاصرة، مثل روايته الغرامية “أشواك”، ولم يطالعوا سيرته الذاتية “طفل من القرية” التي شاركنا فيها عالمه القروي الخيالي. تميز قلم قطب في كل مراحله بالصرامة والجديّة والنظرة المثالية، وقد ظهرت مثاليته جليّة فيما شملته نصوصه الأدبية كما نجد في روايته الغرامية “أشواك” التي كتب عن حبيبته أحبّت غيره، فسعى لتزويجهما وأزاح لهما الطريق، وهو ما يعكس نُبلا ومثالية أخلاقية قلما يتحلى بها رمز نخبوي.
• “طفل من القرية”: كتب سيد قطب هذه السيرة الذاتية في منتصف عمره، ومنتصف طريق خاضه، فقد فيه الكثير، فقد مات والده ثم والدته في 1940، فازداد شعوره بالغربة، وحينما تفرقت به السبل، ارتد للماضي يبحث عن أصالته، وينظر في خطوات حبوه الأولى في الحياة، في قصة “طفل من القرية” يستعيد قطب الشاب ذاكرته لاستعادة ذاته، بقلب يحن إلى هذه الحياة مجسدا إياها في صورة البراءة الأولى. كتب إهداءها إلى طه حسين صاحب “الأيام”، قائلا: “إنها يا سيدي أيام كأيامك، عاشها طفل في القرية، في بعضها من أيامك مشابه، وفي سائرها عنها اختلاف، اختلاف بمقدار ما يكون بين جيل وجيل وقرية وقرية، بمقدار ما يكون بين طبيعة وطبيعة واتجاه واتجاه، ولكنها بعد ذلك كله أيام من الأيام”. أنهى قطب سيرته بحوار لم يشهده بين أبيه وأمه: “سافر؟ قال الوالد بسلامة الله، وانفجر يبكي كالأطفال، والأم تتناسى آلامها وتعزيه ثم تخلو لنفسها لتنفجر بالبكاء”. أتى قطب إلى القاهرة حاملا معه عبء إنقاذ مأمول للأسرة مقترنا بحلم العظمة، لتُكسِب هذه الحياة شخصيته نوعا من التصلب، فقد فارق تدليل الطفولة باكرا، وخاض غمار الحياة مكافحا بجدية ومثابرة، معتادا ألا يفصح عن احتياجاته النفسية لأحد. قسّم حياته إلى عالمين: عالم الطفولة، وعالم الشقاء، ومن ثم فقد ظل الريف في شعوره دار النعيم والرضوان، العهد الصبوح الأغر، وخلفه عهد ظلوم قتر. تتمثل أهمية “طفل من القرية” في كونها معبرة عن شخصية قطب، فهو الطفل الذي غادر القرية حاملا معه بضاعة الأدب، وهو الأديب الذي عافر الدنيا فبحث في حياته عن البراءة الأولى في طفولته وقريته. يصور سيد قطب في هذه الرواية فترة طفولته ونشأته في القرية، ولكن يرسم إلى جانب حياته حياة صورة دقيقة للأسرة الريفية والمجتمع القروي تجعل من الرواية وثيققة تاريخية، يمكن التعرف منها على الحياة الاجتماعية والثاقفية والاقتصادية والسياسية في مصر في تلك الفترة من التاريخ.
• “المدينة المسحورة” وفي عام 1946، صدرت له رواية “المدينة المسحورة”، وهي قصة خيالية، استلهم أجواءها من قصص ألف ليلة وليلة. واستمد في هذه الرواية من التراث القديم على غرار توفيق الحكيم في مسرحية ” شهرزاد” وطه حسين في أحلام شهرزاد”. اتبع سيد قطب في هذه الرواية الطريقة التقليدية كما توجد في قصص ألف ليلة وليلة، فنرى أحداثها على لسان “شهر زاد” بعد أن مهد لها مقدمة تبين أن شهرزاد تعب من القصص الأسطورية التي تصفها ” شهرزاد” مما دعا إلى انسجام ولكن شهر يار لم يستطيع أن يعيش في عالم الواقع كثيرا ورغب في العودة إلى عالم شهرزاد المسحور، فعادت تقص على مسامعه حكاية ” المدينة المسحورة” على مدي عشر لي لي.تمثل كل جزء من أجزائها. ونرى في الرواية شهريار وقد سئم الفراغ بعدما أمضى ألف ليلة مع حكايات شهرزاد، وضاق بالعالم المحسوس ويسعى للتحليق في الخيال ليواجه شعوره بالاغتراب. تخبرنا الرواية أن الحياة بلا خيال نوع من التحجر والعيش بلا أحلام حيوانية بليدة. إن رواية “المدينة المسحورة” مع الرغم رقة أسلوبها فإنها ضعيفة في البناء الدرامي ورسم الشخصيات، فقد بدأ الخيط الدرامي بحاجة الإنسان الدائمة إلى الخيال، فلم يتم قطب هذه الفكرة، وتحول إلى فكرة سطوة القدر المسطور، وهيمنته على البشر ملوكا ورعاة.
• “الأشواك” ورواية”أشواك” صدرت في العام 1947 عن دار سعد، ولم تنشر مرة أخرى وتعكس قصة حب فاشلة عاشها كاتب الرواية وكتب البعض انها كتبت على غرار رواية سارة لعباس العقاد الذي كان مثلا أعلى لسيد قطب خلال تلك الفترة. وهي رواية رومانسية عاطفية الطابع، تتناول قصة رجل افترق عن حبيبته. وفى هذه الرواية نقرأ التجربة الذاتية لسيد قطب، وقصة حبه الحقيقية، وأطلق سيد قطب على بطل الرواية اسم “سامى” وأطلق على البطلة اسم “سميرة”، والجدير بالذكر، أن سمات البطل “سامى” هى ذاتها نفس سمات سيد قطب. والرواية في أصلها تسجيل لقصة حب حقيقية شخصية عاشها سيد قطب مع خطيبته التي خطبها، ثم تركها بعد أن عرف أنها كانت تحب شحصا قبله، وأهدى الرواية لتلك الفتاة وقال في الإهداء: “إلى التي خاضعت معي في الأشواك، فدميت ودميت، وشقيت وشقيت، ثم سارت في طريق، وسرت في طريق، جريحين بعد المعركة، لا نفسها إلى قرارن ولا نفسي إلى استتقرار”. إن أساس الرواية واقعي، ولكنه أضاف إليها ما أوحاه به خياله من تفصيلات، وقدمها في أسلوب تصويري رفيع. يبدو أن أحداث هذه الرواية الواقعية بين سيدقطب وحبيبته، قد وقعت في مطلع الأربعينات أثناء الحرب العالمية الثانية.
تبدأ أحداث الرواية ليلة خطوبة الشاب الأديب “سامي” لفتاة سميرة، وهي بطلة الرواية، حيث أمسك بيدها ليلبسها خاتم الخطوبة، في حفل من الأهل والأصدقاء، وفي ضوء الأنوار الساطعة، وعلى أنغام الموسيقى في الحجرة المجاورة، أحس بيدها ترتعش متقلّصة في يده، ونظر فإذا دمعة تندّ من عينيها، شعرَ بشوكةٍ حادة تنغرز في فؤاده، وغامت الدنيا في عينيه، فيشعر أن شوكة تعرز في قلبه ويسئلها عن سبب ذلك، فأخبرته بأنها كانت تحب قبله برجل يسمى “ضياء” وأن علاقتها مع “ضياء” قد انتهت، والأن هي له بكل وجودها، لكن يعزم “سامي” في هذه اللحظة على فراقها، وبعد معاناة شديدة يفترقان على الافتراق، ثم يفترقان ولكنه لا يهدأ ولا يرتاح، ويبقي في صراع وحيرة وشك.
وفي نهاية الرواية تزوج “سميرة” من رجل آخر، وذات يوم يراها “سامي” في الطريق وهي تسير مع طفلها الذي أسمته “سمير”، فبدأ يتصور كأن هو والده للطفل، ثم يأتي الترام فتركبه سميرة مع طفلها وتفارق “سامي” إلى الأبد، هكذا تنتهي هذه الرواية الشخصية.
إن رواية “أشواك” من الروايات التي يبرز فيها العنصر التحليلي النفسي بروزًا واضحًا، لقد كان سيد قطب يغوص في نفسية بطليه ويأخذنا معه في رحلة الغوص ويطلعنا على كل ما يدور في الأعماق حيث التيارات التحتية المتلاطمة التي لا يلحظها عين الواقف على شاطئ البحر، وهو يفعل ذلك في براعةٍ يحسد عليها، وفي خفةٍ ورشاقةٍ فنيةٍ ومقدرة على النظر إلى الأمر من كل وجوهه رغم ما يبدو من أنه هو بطل الرواية، ومن ثم كانت الخشية من أن ينسى نفسه ويأخذ جانب البطل ويدين الفتاة على طول الخط.
الفكرة الرئيسية في رواية “أشواك”:
إن هذه الرواية التاريخية التى مثلت المرحلة الاولى فى الكتابة الروائية لدى محفوظ كانت بمثابة العتبة الاولى للرواية الواقعية التى صار عميداً لها واظن انه رغم وجود بعض الهنات السردية بها كانت بمثابة لحظة لاختبار الماضى ليكون رمزاً للحظة الراهنة، بمعنى ان هذه الروايات الثلاث كتبت فى مرحلة تاريخية مهمة، فى فترة الحرب العالمية الثانية، حيث كانت كثير من دول العالم التى اثقل كاهلها الاستعمار والاستبداد السياسى بدأت تسعى جاهدة لنيل حريتها، ومنها بالتأكيد مصر، فكانت ضرورة فنية للبحث عن لحظات مضنية من النضال والمقاومة فى خضم التاريخ المصرى العظيم.
تدور القصة من بدايتها إلى النهاية حول موقف واحد وحلقة مفرغة تتكرر على موضوع حب جارف تقرب العاشقَيْن وشكوك ومخاوف وهواجس تبعدهما، وكل ما عدا ذلك تفاصيل لا تزيد ولا تنقص بل تعزز الموقف الواحد بما يبعث على الملل. إن هذه الرواية على ما فيها من براعة في العرض، ومن قوة في التصوير تصوير النماذج وتصوير المجتمع وتصوير المشاعر والانفعالات هي أصغر من قيمتها الإنسانية والفنية.
ظاهرة الحب في رواية “أشواك”:
الحب من المضامين الرئيسية في الرواية العربية الحديثة كما يسود هذا الموضوع الشعور الإنساني منذ أقدم العصور. الحب عند سيد قطب عامل من العوامل التي تحجب الملكات الروحية للإنسان وتضع حدودا وعوائق. فكان سيد قطب يعتبر نفسه كأنه يفوق كثيرا هذه ىالأمور التي تنعكس في رأيه سلبا على المزايا الروحية السامية للإنسان. وتوجد هذه الفكرة جليا في روايته ” أشواك”.
إن سيد قطب هو سامي بطل الرواية كان يتعاطف مع خطيبته رغم كل تلك الشكوك التي كانت تنتاشه بين الحين والحين كما يبرّأها أمام أهلها أكثر من مرة ملقيا باللوم على نفسه، إلا أنه كان يريدها وردة لم تنفتح أوراقها لأحد قبله ولم يطَّلع على ما في قلبها أحد قبله، وهو في هذا يشبه كثيرًا من الشبان والرجال في عصره. كان سيد قطب يخشى أن يكون قلب خطيبته ما زال ينبض بالحب للشاب الذي كان يريد خِطْبتها قبله، كذلك فخطيبة سامي هي التي أنبأته بما كان بينها وبين ذلك الشاب، وطلبت منه أن يساعدها على تجاوز ذلك الماضي معترفة له بأنه يفوق خطيبها السابق كثيرا وأنه ليس إلى المقارنة بينهما لهذا السبب من معنى. والعامل الحاسم في الافتراق في “أشواك” يرجع إلى الفتاة، التي شعرت أن الريح التي ستسيّر قارب حياتها مع سامي لن تكون رخاءً في ظل شخصيته المتشككة التي لا تريد أن تجنح إلى السلام.
تثير الرواية التعاطف مع بطل القصة وحبيبته حتى من قبل معرفتها بشخصية سيد قطب كما أوضحت من قبل. وفي النهاية أترك القارئ مع هذه الفقرات من الرواية يقرؤها على مهل: “وفي المساء كان يقصد إلى الدار، وليس في خياله إلا صورتها المرحة الوثابة، وإلا صوتها الشجي الطروب. واستقبلته متهللة، وقبل أن يجتاز الممر وراء الباب، وكانت يدها لا تزال في يده، قالت: كنت الليلة خائفة. ولكم تمنيت لو تجيء في الظلام”.
لقد خاض قطب هذه التجربة بآلامها فحفرت فيه كثيرا وتركت بصماتها عليه، فصور ذلك في أشعاره ومقالاته، هذه النفس التي أصبحت بالحب أكثر سموا وطهرا بوجود الحبيبة ووحدة وعزلة بضياعها، كتب قطب مقالا نُشر في مجلة الرسالة عدد 29 مايو/أيار 1944 عبّر فيه عن توقه للعودة إلى روحه المستلبة بهذا الحب الضائع، ومما جاء فيه: “لست أنتِ التي أريد يا فتاة… إنما أريد ذلك الفتى الخالي الذي كان يحيل حقيقتك المجسمة إلى رؤيا مجنحة”. لقد أرّخ سيد قطب في هذه الرواية تحديداً لجزء من سيرته الذاتية،عقب تعرضه للفشل في الارتباط بالفتاة الوحيدة التي أحبها في ريعان شبابه.
استنتاج البحث:
كان سيد قطب أديبا قبل أن يكون مفكرا إسلاميا، ويرجع جزء كبير من تأثيره كتائب ومنظر إسلامي إلى قدرته الأدبية والفكرية وسحره في التعبير. يحافظ سيد قطب على امتلاكه خيوط السرد والنقل ويجري الحوار بين شخصية وأخرى في العمل الروائي، ويرى سيد قطب أن للحوار أهمية كبيرة لا تقل عن أهمية السرد، فهو يكشف عما يختلج في نفس كل شخصية من مشاعر وأحاسيس، فاستطاع أن يوازن بين لغتي السرد والحوار في أعماله الروائية. اتسمت لغة سيد قطب في روايته ” أشواك” بالسهولة والسلاسة التي لجأ في لغته إلى الأسلوب المسجع والمنمق. تتجلى في كتاباته على رؤيته للحياة وتصوراته وأفكاره، إذ وجد الحب ورآه الطهر والمثال، فحجبته تصوراته المثالية عن إكمال طريق الحب الحقيقي، فتوقف على الأشواك متطلعا للسمو الروحي. إن روح قطب الأديب لم تفارقه مفكرا وكاتبا لأن رواية “أشواك” ليست فقط عنواناً لرواية سيد قطب، بل هي عنوان لحياته ومسيرته. لقد مر سيد قطب بتجارب مهمة وجدانية وفكرية وعبر تحولات تراجيدية كما عاش لحظات زمنية فارقة هكذا تظهر في روايته “أشواك” زاوية من حياته الأدبية والفنية والإنسانية. إن هذه الرواية تدل براعة الكاتب في العرض كما تدل على قوة في التصوير تصوير النماذج وتصوير المجتمع وتصوير مشاعر الحب والانفعالات من قيمتها الإنسانية والفنية.
تحميل وقراءة المقالة الكاملة
