دور العلماء المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال العصر المملوكي (648-923هـ/1250-1517م)
د. فوزي رمضاني جامعة عمار ثليجي- الاغواط-الجزائر __________________________________________________ ABSTRACT:This article sheds light on the role of Maghrebains scholars in serving the Maliki school of thought in Egypt and the Levant during the Mamluk era. With an effective Maghrebains footprint in Egypt and the Levant. They also created other channels… View Article
د. فوزي رمضاني
جامعة عمار ثليجي- الاغواط-الجزائر
ABSTRACT:This article sheds light on the role of Maghrebains scholars in serving the Maliki school of thought in Egypt and the Levant during the Mamluk era. With an effective Maghrebains footprint in Egypt and the Levant.
They also created other channels through which they were able to expand the circle of the spread of the Maliki sect and maintain its continuity, such as interacting with the Egyptian and Levantine society on some issues, and practicing the judiciary according to their sect, as well as forming scientific families whose members inherited the sect, which ensures its continuity in that country.
Keywords: Maghrebains, Egypt, the Levant, the Maliki school of thought, the Mamluk era.
الملخص: يُسلط هذا المقال الضوء على دور العلماء المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال العصر المملوكي، حيث ساهموا إلى حد كبير في تنشيط التعليم والعمل على إثبات حضور المذهب وتوسيع دائرة انتشاره من خلال تصدُّرهم المجالس العلمية، واشتغالهم بالتصنيف الفقهي الذي أثبت أن لهم مدرسة فقهية مالكية ذات بصمة مغربية فاعلة في مصر والشام.
كما أوجدوا قنوات أخرى استطاعوا من خلالها توسيع دائرة انتشار المذهب المالكي والمحافظة على استمراريته كالتفاعل مع المجتمع المصري والشامي في بعض القضايا، وممارسة القضاء وفق مذهبهم، فضلا عن تكوين أُسَر علمية مالكية توارث أفرادها المذهب مما يضمن الاستمرارية له بتلك البلاد.
الكلمات المفتاحية: المغاربة، مصر، بلاد الشام، المذهب المالكي، العصر المملوكي.
مقدمة:ذكرت كتب الطبقات والتراجم العديد من علماء المغرب الذين استقروا في المشرق الإسلامي لا سيما في بلاد مصر والشام خلال العصر المملوكي، حيث كان الحج إلى بيت الله الحرام والتعريج إلى زيارة بيت المقدس من أرض فلسطين يحتم عليهم المرور بتلك البلاد، بل في كثير من الأحيان ينتهي بهم المطاف بالاستقرار فيها مُطوَّلا أو لِرَدح من الزمن، فيبرُز نبوغهم وتفوّقهم في العلم، فضلا عن ترسيخ ثقافتهم الدينية بها ذات المرجعية المغربية، فكان لهم جهد واضح وأثر بيِّن في تثبيت دعائم المذهب المالكي بتلك الديار.
وقد كان وجود هؤلاء المغاربة بمصر والشام زمن المماليك ضمن محيط مذهبي متنوع، حيث شهدت تلك الفترة انفتاحا على المذاهب السُّنِّية، أمْلته سياسة المماليك الموروثة عن الأيوبيين، فراحوا يعملون جاهدين على إثبات وجودهم وترسيخ بصمتهم بما أُتيح لهم من قنوات ووسائل مختلفة، فكان أن امتلأت بطون المصادر التاريخية بأسماء أعلام منهم أثبتوا نبوغهم وتفوّقهم في شتى المجالات العلمية، ومن هنا جاءتني فكرة البحث في موضوع “دور العلماء المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال العصر المملوكي(648-923هـ/1250-1517م)”.
وتكمن أهمية الموضوع في أنه يعالج ويكشف مساهمة العلماء المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال فترة المماليك الشافعيين، وبيان أثرِهم وكذا التنقيب عن علمائهم ومصنفاتهم، والتعرف على مشهوريهم ومغموريهم بقدر ما تجود به المصادر.
وقد أردنا من خلال هذا الموضوع الإجابة عن الإشكالية المتمثلة في السؤال التالي: ما مدى فاعلية المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال العصر المملوكي؟، وما هي القنوات والوسائل التي اعتمدها المغاربة في سبيل ذلك؟.
وللإجابة على الإشكالية تتبعت منهجا يقوم على الاسترداد الذي يغلب عليه الوصف، وتقوم عليه الدراسات التاريخية لاسترجاع الحوادث المراد دراستها، كما اعتمدت على المنهج الإحصائي لإحصاء علماء المغرب بمصر والشام والوقوف على أعمالهم ومصنفاتهم، بحكم أن الدراسة تقوم على هذه الفئة، إضافة إلى ذلك وظّفنا المنهج النقدي التحليلي الذي يعتمد على جمع المادة ونقدها وتمحيصها، فهو مناسب لتحليل المعطيات والوصول إلى النتائج الصحيحة.
وبالنظر إلى طبيعة الموضوع والأهداف المرجوة منه، رأيت تتبع خطة عمل مكونة من ستّة محاور أساسية، المحور الأول جاء بعنوان: خدمة المغاربة للمذهب المالكي على مستوى المؤسسات العلمية، في حين جاء المحور الثاني موسوما ب: خدمة المذهب المالكي عن طريق المجالس العلمية ، أما الثالث فعن: خدمة المذهب على مستوى التأليف الفقهي المالكي، والمحور الرابع حمل عنوان: خدمة المذهب المالكي عن طريق الاُسَر العلمية: والخامس: خدمة المغاربة للمذهب المالكي على المستوى الاجتماعي، وأنهيت البحث بمحور سادس هو: خدمة المغاربة للمذهب المالكي على مستوى القضاء، ثم خاتمة ضمَّنتُها أهم النتائج المتوصل إليها.
ونأتي الآن إلى بيان تفصيل ما ذكرناه في خطة المقال المذكورة آنفا، وذلك كالتالي:
2- خدمة المغاربة للمذهب المالكي على مستوى المؤسسات العلمية:
أفادتنا الكثير من المصادر التاريخية بمدى فعالية المغاربة المالكية وحضورهم على مستوى المؤسسات العلمية على تنوعها في مصر والشام خلال الفترة المحددة لدراستنا، فمارسوا مهنة التدريس التي فصّلوا في شروطها وبيّنوا أهدافها، كما ذكروا الآداب التي ينبغي أن يتجمّل بها المدرِّس في مصنفات خاصة، فهذا ابن الحاج العبدري المغربي المالكي (ت776هـ/1374م)الذي عاش في مصر زمن المماليك أفرد فصلا في كتابه”المدخل الشريف” سماه “فصل من شرع في أخذ الدرس يجب أن تكون عليه السكينة والوقار”(ابن الحاج، د.ت، ج01، ص114)، ولا شك أن الهدف من اهتمامهم بتلك الآداب والشروط، هو أن يكون المدرّس قدوة يُحتذى به.
وقد وُجد كثير من المالكية في مصر والشام خلال العصر المملوكي مارسوا التدريس، وتصدّروا المجالس والحلقات، لإفادة الناس، ولتأدية رسالتهم العلمية، سواء في المساجد أو المدارس أو غيرها، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ يحي بن أحمد بن عبد السلام، المعروف بالعُلمي القسنطيني (ت888هـ/1483م)، تصدى للتدريس بعدة مواضع، منها الجامع الأزهر، وانتفع به طلبة العلم، خاصة في الفقه وأصوله (السخاوي، د.ت، ج10، ص216)، وأيضا زين الدّين قاسم بن محمد بن إبراهيم المغربي (ت799هـ/1396م)، درّس الفقه لمدة بهذا الجامع، وكان مفتيا(المقريزي، 1997، ج05، ص404).
والشيخ زين الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد المراكشي (ت717هـ/1317م)، كان له نشاط بمسجد قدّاح في الإسكندرية، ونستنتج من خلال ترجمته الواردة في المصادر أن نشاطه تمَثّل في الإقراء لغلبة هذا التخصص عليه (البرزالي، 2005، ص441-442)، وهذا ما يؤهله ربما لإمامة الناس في الصلوات الخمس.
كما قام أحد المغاربة المالكية في هذا الجامع بنشاط آخر تمثّل في رئاسة المؤذِّنيـن، وهو أبو الطاهر محمد تقي الدين المغربي الأصل (ت772هـ/1370م)، كان بارعا ونابغة زمانه في علم الهيئة التي منها علم حساب النجوم وعلم المواقيت(ابن حجر، 1972، ج06، ص75)، ، وهذا ما جعله يتبوأ تلك المكانة وأن يكون قَيِّما على المؤذنين.
زد على ذلك فقد نشط المغاربة في إثبات حضورهم بالجامع الأموي بدمشق، وعملوا على توسيع دائرة انتشار المذهب المالكي من خلاله، وممّن أمّ الناس منهم في محراب المالكية بهذا الجامع نذكر الشيخ الإمام الفقيه محمد بن إبراهيم بن شمس الدين الصنهاجي (ت702هـ/1302م)، وكان فقيها فاضلا(الصفدي، 1998، ج04، ص225)، ودرّس به الشيخ شرف الدين عيسى بن مسعود الزواوي (ت744هـ/1343م)، حيث أقام بدمشق سنين، ودارت عليه الفتيا في مذهب الإمام مالك (ابن حجر، 1972، ج04، ص247).
ونذكر أيضا أحد مشايخ المالكية الذين أفادوا وانتفع الناس بهم في الجامع الأموي، الشيخ عماد الدين إسماعيل المغربي ثم الدمشقي(ت803هـ/1400م)، كانت له حلقة علم بهذا الجامع يُدرِّسُ ويُفتِي (شهبة، 1994، ج04، ص209-210).
بالإضافة إلى نشاط المالكية في الإمامة والتدريس بهذا الجامع، نذكر عملا آخر لهم، ألا وهو قراءة مراسيم تولية المالكية للقضاء في محرابهم بالجامع الأموي، فمثلا تذكر المصادر أن القاضي شمس الدين محمد بن يوسف المغربي تولّى القضاء سنة 902هـ/1496م (ابن الحمصي، 2000، ج02، ص392)، لبس تشريفا بقضاء المالكية وقُرِئَ توقيعه بالجامع الأموي عند محراب المالكية (البصروي، 1408هـ، ص214).
وتُتحفنا المصادر بخطوة هامة تُحسب للمغاربة في دعمهم للمذهب المالكي بالشام، حيث أقدموا على بناء مؤسسات علمية بأنفسهم، فهذا الشيخ موسى بن عبد العزيز الزواوي ثم الدمشقي المالكي (ت736هـ/1335م)، ذُكر بأن له مسجد يؤم به (ابن الجزري، 1998، ج02، ص896)، وبالتالي فهو خاص بالمالكية ومذهبهم دون غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى.
ومن المدارس التي شهدت نشاطا علميا للمغاربة المالكية بمصر نذكر المدرسة القمحية، وهي أول وأهمُّ مدرسة للمالكية بمصر منذ العصر الأيوبي، أنشأها السلطان صلاح الدين الأيوبي للفقهاء المالكية، وكان الشروع فيها للنصف من محرم سنة 566هـ/1170م(المقريزي، 1998، ج03، ص439).
وممن درّس بها جماعة من مالكية المغرب خلال العصر المملوكي منهم المؤرخ المالكي قاضي القضاة ابن خلدون المغربي (ت808هـ/1405م)(المقريزي، 1997، ج05، ص163)، وقاضي القضاة شمس الدين الركراكي(ت792هـ/1390م) (دقماق، د.ت، ق01، ص95)، كما تصدّر بها للتدريس أيضا الفقيه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي(ت781هـ/1380م) (ابن شاهين، 2002، ج02، ص153-154).
وقد أطلعتنا المصادر على أسماء مغاربة نشّطوا العملية التعليمية في المدرسة المنصورية بالقاهرة، نذكر منهم الفقيه يحي بن احمد بن عبد السلام، المعروف بالعُلَمي القسنطيني (ت888هـ/1483م)، وكان انتفاع الناس به كبيرا، خاصة في الفقه (السخاوي، د.ت، ج10، ص216).
وتولّى الإعادة بالمدرسة الناصرية بالقاهرة الشيخ الإمام نجم الدين أبو العباس سعيد بن احمد الغماري (ت725هـ/1324م) (ابن حجر، 1972، ج02، ص269)، كما أعاد بها أيضا الشيخ شرف الدين عيسى بن مسعود بن منصور الزواوي(ت744هـ/1343م)، الذي انتهت إليه معرفة مذهب الإمام مالك بمصر، وانتفع به الناس (الصفدي، 1998، ج03، ص723-724) .
ونورد مثالا آخر للمدارس التي نشط بها مالكية المغرب، وهي المدرسة المقدّمية بحلب، فعلى الرغم من أنها خاصة بالمذهب الحنفي إلا أن ذلك لم يمنع مشاركة المالكية في نشاطها العلمي، حيث نزل بها أبو النور التونسي (ت926هـ/1519م) وعمل مؤدّبا للأطفال فضلا عن تولِّيه الإمامة بها (الغزي، 1997م، ج01، ص123).
ونضيف إلى ما تقدّم المدرسة الشرابيشية وهي إحدى مدارس المالكية بدمشق، درّس بها تاج الدين عبد الرحمن الزواوي (الصفدي، 1998، ج02، ص444)، كما درّس بها لمدة طويلة قاربت السبعة عشر سنة، الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن علي الصنهاجي(ت796هـ/1393م)، وكان رجلا فاضلا يلقي دروسا حسنة (شهبة، 1994، ج03، ص525)، وتصدّر للتدريس والإفادة بها أيضا، قاضي القضاة بدمشق، الشيخ سالم بن إبراهيم بن عيسى الزواوي (ت873هـ/1468م)، وكان محدّثا ومدرّسا ومفتيا (ابن الحمصي، 2000، ج01، ص116).
ولا ننسى أن نشير هنا إلى نقطة مهمة في هذا الجانب، وهي الألقاب العلمية التي تُطلق على العلماء في تلك الحقبة، فمن خلال ما قدمناه من تراجم سابقة، وما طالعناه في كتب الطبقات، نجد الكثير من هذه الألقاب التي وُصف بها علماء المالكية المغاربة، كالشيخ العالم، الإمام، الفقيه، المفتي، المحدّث، المسند، الحافظ، وغيرها، وهي ألقاب تشريفية، تصف حال العالِم، ولا تُطلق إلا على من كانت له الأهلية التامة، والكفاءة العالية، ومن هؤلاء العلماء مثلا الشيخ أبي الفضل محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن التلمساني (ت845هـ/1441م)، حلّاه المؤرخون ب”الإمام العالم العلامة الحجة، النظار المحقق”، وذكروا تزاحم الناس عليه بدمشق حين عرفوا علمه وفضله، فاستفاد من علمه الكثيرون (التنبكتي، 2000، ص521).
كما نشير هنا إلى أن العلماء آنذاك-ومنهم المالكية طبعا-كانوا حريصين على أن لا يتصدر المجالس العلمية والتدريس إلا من امتلك ناصية العلم، وكان أهلا له، فمنصب المدرّس ليس أمرا هيّنا يبلغه من هبّ ودب، وإنما يتقمص التدريس من زكاه مشايخه وأساتذته، وعرفوا كُنه نفسه، وسبَرُوا أغوار شخصيته، حتى يخرّجوا للأمة من يرفع رايتها في مجال العلم، ويواصل مسيرة بذله، ويُمتّنوا حلقاته، فلا ينقطع ولا ينخرم.
وختاما لهذه الجزئية فإننا نقول – بناء على الأمثلة السالفة- إن المغاربة خلال العصر المملوكي ساهموا إلى حد كبير في تنشيط التعليم والعمل على إثبات حضور المذهب المالكي وتوسيع دائرة انتشاره في مصر والشام، فقد لمسنا عند الكثير منهم نبوغا وتفوقا أثبتوه من خلال تصدُّرهم المجالس في كبريات المؤسسات العلمية، في ظل الالتزام بالآداب والصفات التي تكلّم عنها العلماء المالكية من المغاربة واشترطوها في المدرّس.
3- خدمة المذهب المالكي عن طريق المجالس العلمية:
ونقصد به الحضور المغربي في المجالس العلمية التي تصدَّروها على اختلاف مواضيعها وأمكنتها، وتمَّ من خلالها خدمة المذهب المالكي والعمل على تثبيته وتوسيع دائرته بين المصريين والشاميين، ومن أمثلة تلك المجالس العلمية نذكر:
3-1- مجالس القرآن الكريم وعلومه:
وهي تلك المجالس التي يجتمع فيها العلماء وطلبة العلم على مائدة القرآن الكريم، وجعلت عَرضه وسماعه وتلاوته وتفسيره أصلا لتلقّيه وإسناده وحفظه في الصدور، وقد اهتم بهذا الجانب فئة من علماء المالكية المغاربة المعنيين بدراستنا، لهم باع كبير فيه، جعلهم من أئمة الأداء، وصنّفهم أهل الاختصاص ضمن قائمة القراء الثقات، خاصة في رواية ورش التي اعتنى بها المغاربة وصارت القراءة الغالبة لديهم عكس المشارقة الذين كان اهتمامهم برواية حفص، ومن هؤلاء المغاربة نذكر الشيخ أبا محمد عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس الزواوي (ت681هـ/1282م)، تنقّل بين مصر والشام لتحصيل القراءات، واجتهد في ذلك حتى نبغ فيها، وهذا ما أهّله لمباشرة مشيخة الإقراء الكبرى بالتربة الصالحية في دمشق، وبذلك انتهت إليه رئاسة هذا الفن ببلاد الشام، وألّف فيه كتابا في “عدد الآي”، وكتاب “التنبيهات على معرفة ما يخفى من الوقوفات”(الجزري، 2006، ج01، ص386-387).
ومن أصحاب مجالس القرآن الكريم أيضا، الشيخ صدر الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكيم بن عمران الأوسي، الملقّب بسحنون (ت695هـ/1295م)، كان مقرئا فاضلا، فضلا عن معرفته بمذهب الإمام مالك، حرص على طلب القراءات، وحصّل ذلك، وجالسه الإمام المؤرخ المحدّث الذهبي، وقرأ عليه عرضا القرآن الكريم كاملا بروايتي ورش وحفص في مدة احد عشر يوما(الذهبي، 1987، ج52، ص260-261)، وهي مدة وجيزة جدا، وهذا يدلّنا على مدى تفرّغ الشيخ المذكور لتدريس العلم وبذْله، وحرصه على تبليغه ونشره.
وكذلك الشيخ محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملـك السُّلمي المسلاتي (ت771هـ/1369م)، سمع بالإسكندرية (ابن حجر، 1972، ج05، ص258-259)، وطلب القراءات السبع، ثم انتقل إلى دمشق، وكانت له صحبة مع ابن الجزري صاحب كتاب “غاية النهاية في طبقات القراء”، وذكر انه اجتمع به في مجلس علمي ذاكره فيه القرآن الكريم وأثنى عليه(ابن الجزري، 2006، ج02، ص171).
وممن جلس لتدريس تفسير القرآن الكريم الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم التونسي (ت778هـ/1376م)، تنقّل بين دمشق والقاهرة، ودرّس التفسير في القبة المنصورية(ابن العراقي، 1989، ق01، ص445-446).
3-2- مجالس الحديث النبوي الشريف:
ونقصد بها المجالس التي يُتدارس فيها سنّة النبي صلى الله عليه وسلم ورواية أحاديثه، وقد اهتم بها علماء المالكية المغاربة خلال العصر المملوكي بمصر والشام، وكان لهم شغف كبير بها، دلّ عليه المجالس الحديثية التي عقدوها، ومن أمثلتها مجلس تمت فيه رواية أربعين حديثا، وضِمن سَندِها مالكِيَيْن مغربيين اثنين، وأورد هذا السند الشيخ أبو سعيد صلاح الدين، خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (ت761هـ/1359م) وضمّنه المغربيين وهُمَا أبي زكريا يحيى بن يحيى بن موسى الزواوي المالكي(كان حيا سنة 712هـ/1312م)(الذهبي، 1988، ج02، ص376)، الذي سمع عليه سنة 607هـ/1306م بدمشق وسفح قاسيون، والثاني قاضي القضاة أبي عبد الله مُحَمَّد بن سليمان بن سومر المالكي(ت717هـ1317م)” (كيكلدي، 2004، ج02، ص503-504).
وقد كان اهتمام المغاربة مُنْصَبًّا بدرجة كبيرة على رواية موطأ الإمام مالك صاحب مذهبهم، حيث نجد الشيخ جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن سومر الزواوي، قاضي المالكية بدمشق (ت717هـ/1317م)، حدّث بالموطأ برواية يحي بن يحي، و”الشفا” للقاضي عياض، بروايته عن مشايخه، فضلا عن تحديثه بـ”صحيح مسلم”، وغيره من الأجزاء الحديثية (ابن كثير، 1988، ج14، ص96-97).
وكذلك جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن علي السُّلمي، المعروف بالمسلاتي المالكي (ت771هـ/1369م)، سمع مصنّفات حديثية على مشايخ مالكية، مثل كتاب “موطأ الإمام مالك” برواية يحي بن يحي، سمعه بالإسكندرية على أبي محمد، عبد الواحد بن شرف الدين بن المنير (ت736هـ/1335م)، وتصدّر لرواية الحديث هو كذلك (ابن فرحون، د.ت، ج02، ص62).
زد على هؤلاء فإننا نذكر الشيخ أبا عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي ثم المصري، المعروف بابن الحاج (ت737هـ/1336م)، فإلى جانب تحديثه بكتابه الكبير “البدع والحوادث”، نجده قد حدّث بروايته لموطأ الإمام مالك، وكان أحد الشيوخ المشهورين بالصلاح(ابن رافع، 1402هـ، ج01، ص155).
3-3- مجالس الفقه والفتوى:
ويتم فيها تدريس الفقه وإجابة السائلين أو طالبي الفتوى، وتكون على المذهب المالكي، ولا بد أن يكون المتصدّي لها فقيها ضليعا في المذهب، وممن عقد هذه المجالس من علماء المالكية المغاربة بمصر والشام خلال العصر المملوكي نذكر كمثال فقط الفقيه أبي الروح عيسى بن مسعود الزواوي (ت743هـ/1342م)، قُصد بالفتوى، وكان يتنقّل بين مصر والشام، ويتصدّر لإفادة الناس وطلبة العلم في عدة مواضع، وصنّف، وشرح العديد من كتب الفقه، وكانت له اليد الطولى في هذا الفن، وانتهت إليه رياسة الفتوى في مذهب الإمام مالك بالديار المصرية والشامية (الزواوي، 2005، ص123).
ومن مجالس علماء مالكية المغرب بمصر والشام لقراءة كُتبهم الفقهية نذكر مجلسا لقراءة مصنَّف”فرائض الحوفي الكبير”، وهو كتاب نفيس، ليس للمالكية أفضل وأنفس منه في هذا الفن على حد قول المؤرخين، قرأه جميعا ابن الهائم المصري ثم المقدسي على شيخـه أبي الحسن علي بن عبد الصمد الجِلاوي المغربي المالكي (ت782هـ/1380م)(التنبكتي، 2000، ص328).
ويتبيّن مما تقدّم ذِكره عن مجالس العلم المالكية أنها كثيرة ومتنوعة، احتضنتها المؤسسات التعليمية من مساجد ومدارس وغيرها، وما ذكرناه يُعتبَر أمثلة عنها فقط، وقد شملت علوما متنوعة، وتميّزت في كثير من الأحيان بقراءة المصنفات على مؤلِّفيها أو سماعها منهم، أو روايتها عن غيرهم من أصحاب الاختصاص، وهذا النشاط من المؤكد أنه أثبت فاعلية المغاربة في خدمة المذهب المالكي الذي رفرفت رايته – بفعل تلك المجالس- في سماء المذاهب المنتشرة في مصر والشام خلال العصر المملوكي .
4- خدمة المذهب على مستوى التأليف الفقهي المالكي:
اهتم علماء المالكية بالتصنيف والتدوين خلال العصر المملوكي، لمِا لهما من دور كبير في نشر العلم وحِفظه، وكذا خدمة مذهبهم وتوسيع دائرة انتشاره، وجمع شتات الفقه وتهذيبه وترتيبه، وبالتالي ترسيخه بين الناس ونقله إلى من بعدهم من أجيال، وقد وقفنا على نماذج كثيرة منهم خدموا المذهب المالكي بمصر والشام من خلال التآليف الفقهية، نذكر أمثلة مقتضبة منهم، أولهم الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس الصنهاجي المصري، المعروف بالقرافي(ت684هـ/1285م)، انتهت إليه رياسة المالكية في عصره، وألَّف التصانيف المشهورة التي قال عنها المؤرخون بأنها:”سارت مصنفاته مسير الشمس…”(ابن فرحون، د.ت، ج01، ص236-237)، وتتمثّل هذه المؤلفات في: أولا: “الذخيرة” في الفقه المالكي، وهو أجلّ كتب المالكية(السيوطي، 1967، ج01، ص316)، قام بتحقيقه الباحث محمد حجـي، وطبعته دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1414هـ/1994م في أربعة عشر جزءا، وقال عنه محقِّقه في مقدمته: “كتاب الذخيرة مبتَكر في الفقه المالكي، فروعه وأصوله بدع من مؤلفات عصره التي هي في الأعم اختصارات أو شروح وتعليقات، وربما كانت الذخيرة أهم المصنفات في الفقه المالكي خلال القرن السابع الهجري، وآخر الأمهات في هذا المذهب”(القرافي، 1994، ج01، ص05)، والثاني:”الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام”(ابن فرحون، د.ت، ج01، ص237)، وطُبع بعنوان”الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام”من قِبل مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب في طبعة أولى سنة 1387هـ/1967م، كما طُبع لثاني مرة من طرف دار الستائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت سنة 1416هـ/1995م، وكِلتا الطبعتين بتحقيق الباحث عبد الفتاح أبو غدة، وتضمّن هذا الكتاب أجوبة على أربعين سؤالا، والثالث: شرح”تهذيب المدونة” لأبي سعيد البراذعي (ت372هـ/1332م) (ابن فرحون، د.ت، ج01، ص237)، والرابع:”شرح الجلاب” لأبي القاسم بن الجلاب(مخلوف، 2003، ج01، ص270)، والخامس: “العقد المنظوم في الخصوص والعموم” في أصول الفقه حققه الباحث أحمد الختم عبد الله في جزأين، وقدمهما كأطروحة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه بجامعة أم القرى في السعودية، وتم طبعها من قِبل دار الكتبي في طبعة أولى سنة 1420هـ/1999م، والسابع:”العموم ورفعه” (ابن فرحون، د.ت، ج01، ص238)، والثامن: “الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق”، وذكر هو بنفسه هذه التسمية وتسميات أخرى له قائلا:”… وسميته لذلك أنوار البروق في أنواء الفروق، ولك أن تسمِّيه الأنوار والأنواء، أو كتاب الأنوار، والقواعد السنية في الأسرار الفقهية”(القرافي، 1998م، ج01، ص11).
وممن أثرى المكتبة الفقهية المالكية من المغاربة آنذاك بمصر والشام، الشيخ أبو زكريا يحي بن أحمد بن عبد السلام المعروف بالعُلمي، القسنطيني نزيل القاهرة (ت808هـ/1405م)، حيث قام بشرح بعض أمهات الكتب المعتمدة عند المالكية، منها شرحه للمدوَّنة، ومختصر خليل، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني، وذكر البدر القرافي بأنه وقف على هذه الشروح بخط مصنِّفها ناقصة الأوائل، سلك فيها طريق الاختصار، ومع ذلك لا تخلو من الفوائد، كما أشار إلى أنها بيعت بثمن بخس لتعرُّضها للتلف(التنبكتي، 2000، ص636-637)، وهذا ما يجعلنا نقول أنها في عداد التراث المفقود .
ومن أصحاب الشروح خلال الفترة المعنية بدراستنا في مصر والشام الشيخ أبي الفضل قاسم بن سعيد بن محمد العقباني التلمساني المغربي المالكي(ت854هـ/1450م)، نبغ في الفقه وأصوله، كما اشتغل بالتفسير والنحو، قدم القاهرة وأجاز لجماعة من طلبة العلم، له مصنفات عديدة في فنون مختلفة، منها شرح “منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب”في أصول الفقه، وشرح “العقيدة البرهانية” في أصول الدين (السخاوي، د.ت، ج06، ص181).
ونستطيع القول في هذا الجانب أن المغاربة من خلال اهتمامهم بالتصنيف في المذهب المالكي أثبتوا أن لهم مدرسة فقهية مالكية ذات بصمة مغربية بمصر والشام خلال العصر المملوكي، والتي مكّنت للمذهب التوسع والانتشار طيلة ذلك العصر وبعده.
5- خدمة المذهب المالكي عن طريق الاُسَر العلمية: ونعني بها وجود أكثر من عالم في الأسرة الواحدة، وكان اهتمام علماء المالكية المغاربة بتوريث أبنائهم العلم الشرعي عامة، والمذهب المالكي خاصة، واضحا وجليا، دلّ على ذلك ما سنورده من الأسَر المالكية المغربية التي أحصيناها في مصر والشام خلال العصر المملوكي، منها أسرة ابن حريز المتكونة من أخوين هما: الحسام بن حريز محمد بن أبي بكر المغربي الأصل، المنفلوطي (ت873هـ/1468م)، طلَب العلم ودرَس الفقه والتفسير والحديث وغيره من العلوم، تولّى التدريس بالشيخونية وجامع ابن طولون، كما تولى القضاء في بلده منفلوط ثم القاهرة (السخاوي، د.ت، ص258-259).
والآخر هو سراج الدين بن حريز عمر بن أبي بكر (ت892هـ/1486م)، اشتغل بالعلم وتميّز فيه، استقر في القضاء بعد أخيه، ثم في التدريس بالجامع الطولوني، وكان محمود السيرة(السخاوي، د.ت، ج06، ص76-77)، يُضاف لهما في أسرتهما ابن أخيهِما فرج بن احمد بن أبي بكر بن محمد بن محرز، كان حيا سنة 899هـ/1493م(السخاوي، د.ت، ج06، ص168).
كما عثرنا ببيت المقدس على أُسرتين، الأولى أسرة الخلوف، تتكوّن من أب مالكي وابنه وحفيده، أما الأب فهو الشيخ أبو القاسم محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحميري الفاسي الأصل، القسنطيني ثم التونسي ثم المقدسي (ت859هـ/1454م)، استقر به المقام ببيت المقدس، وكان بارعا في الفقه متقدما فيه(السخاوي، د.ت، ج08، ص36)، وابنه الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، وُلد سنة 829هـ/1425م، واستقر مع أبيه ببيت المقدس، طلب العلم واجتهد فيه، اشتغل بالأدب فبرع فيه نظما ونثرا (السخاوي، د.ت، ج02، ص122)، ووُلد له ولدٌ نجيب ذكي قوي الحافظة، تخلّف عن أمه بالقاهرة، وعرض على السخاوي المؤرخ محفوظاته من الكتب، ولم يورد هذا الأخير اسمه، وذكر أنه توفي سنة 897هـ/1491م (السخاوي، د.ت، ج11، ص171).
والأسرة الثانية ببيت المقدس هي أسرة خليفة ذات الأصل المغربي، استقرت ببيت المقدس، وأثْرت الحياة العلمية ودعّمت المذهب المالكي بها، ومن أفرادها الشيخ خليفة بن مسعود بن موسى المغربي الجابري، نزيل بيت المقدس، ويسمَّى عبد الرحمن، وهو مشهور بخليفة (833هـ/1429م)، أقام ببيت المقدس، وولي فيها مشيخة المغاربة وإمامة المالكية بالمسجد الأقصى، وصارت له مكانة كبيرة عند الناس (العليمي، 1999، ج02، ص246)، وقد تتلمذ عليه ولده شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن، المعروف بابن خليفة (889هـ/1483م)، وُلد ببيت المقدس ونشأ فيه، تلقَّى العلم على يد أبيه وغيره من علماء زمانه، وتولّى مشيخة المدرسة السلامية، استطاع أن يتبوّأ مكانة كبيرة في بيت المقدس، وممَّن أخذ عنه العِلم المؤرخ السخاوي (السخاوي، د.ت، ج08، ص44)، وتتلمذ عليه هو الآخر ولده كمال الدين أبو البركات محمد، المعروف بابن خليفة كذلك، وُلد سنة 851هـ/1447م ببيت المقدس، واشتغل بطلب العلم فحفظ القرآن الكريم وجوّده على أبيه وغيره من مقرئي بيت المقدس، كما درَّس الفقه والنحو، واستقر في مشيخة المدرسة السلامية بعد وفاة والده، فضلا عن توليه إمامة جامع المغاربة بالمسجد الأقصى، بالإضافة إلى تقريره في منصب قضاء المالكية (العليمي، 1999، ج02، ص363).
مخطط يبين أسرة خليفة :
| خليفة بن مسعود بن موسى المغربي الجابري (ت833هـ/1429م) |
| محمد (ت889هـ/1429م) |
| محمد المولود سنة 851 هـ/1447م) |
ونشير هنا إلى ثلاث نقاط مهمة، أوّلا: أن هذه الأسَر تبادل أبناؤها العلم والمعرفة فيما بينهم خصوصا في المذهب، حيث درّس بعض علمائها أبناءهم الذين صاروا علماء من بعدِهم وحملةً للمذهب المالكي، وفي هذا ضمان لاستمراريته، وامتداده ورسوخه في مصر والشام خلال العصر المملوكي وبعدَه، ثانيا: أن الكثير من أفراد تلك الأسر لم يظلّوا حبيسي مدُنهم، بل ساحوا في إقليم مصر والشام، وتنقّلوا بين مدُنه ومارَسوا التدريس في مؤسسات مختلفة، وبالتالي توسيع دائرة انتشار المذهب المالكي، ثالثا: تكوين أُسَر علمية مالكية دليل على النشاط العلمي الكبير للمغاربة، كما أنه دليل على حضورهم واستقرارهم بالمنطقة مما يُعطى دفعا قويا، ونفَسًا جديدا للمذهب المالكي في تلك الديار.
6- خدمة المغاربة للمذهب المالكي على المستوى الاجتماعي:
ونقصد بذلك حضور المالكية المغاربة وتأثيرهم الاجتماعي في مصر والشام خلال العصر المملوكي من خلال محاربة الآفات الاجتماعية، حيث يذكر المؤرخون بخصوص هذه النقطة تفشي بعض الآفات الاجتماعية التي تصدّى لها العلماء على اختلاف مذاهبهم، فأنكروها وعملوا على إزالتها وتطهير المجتمع المصري والشامي منها، نذكر على سبيل المثال التصوف الذي أخرَجه بعضهم من معناه الحقيقي المتمثل في الزهد والتقشف والإعراض عن الدنيا إلى الغناء والرقص، ما جعل علماء المالكية المغاربة يتلَقّونه بالنكير، وأعلنوا عليه النفير، فيذكر ابن الحاج العبدري المالكي (ت737هـ/1336م) أنه لم يثبت عن الإمام مالك ولا من تبعه من أئمة المذهب مَن استحسن هذه الظاهرة، بل تبرؤوا منها وعدّوها بدعة واستهجنوها واستقبحوها (ابن الحاج، د.ت، ج03، ص93).
كما ظهر خلال العصر المملوكي بمِصر والشام من ادّعى الحلول ووحدة الوجود في وقت ظهَر فيه كبار الاتحاديين، وصار لهم أتباع كمحي الدين ابن عربي(ت638هـ/1240م)، وعمر ابن الفارض الذي عاش بمصر (ت632هـ/1234م)، وهو أشهر شعراء الاتحاد ووحدة الوجود، فانبرى بعض المالكية من المغاربة للإنكار عليهما وتكفيرهما، وأدركوا خطر هذه العقيدة على الإسلام فتصدّوا لها بالنقد والتحذير منها، فهذا الشيخ شرف الدين عيسى بن مسعود الزواوي المغربي(ت743هـ/1342م)، انتهت إليه رياسة المذهب المالكي بمصر والشام، قال عن مصنَّف ابن عربي”فصوص الحكم” بأنه هذيان، وكفر وبهتان، وأنّ مَن صدّق بذلك أو اعتقد صحته كان كافرا ملحدا يُقتل متى ظهر عليه، ولا تُقبل توبته إن تاب (البقاعي، د.ت، ج01، ص157-158).
ومن المنكرين على دعاة الحلول والاتحاد من مالكية المغرب في مصر والشام خلال العصر المملوكي الشيخ ابن خلدون (ت808هـ/1405م)، فحين تحدّث عن أصناف التصوف ذكر هذه الطائفة ضمن المبتدعة، وأن أصحابها لهم مصنفات مشحونة بكفر بواح، ثم بيّن رأي الشرع في تلك الكتب مثل”الفصوص” و”الفتوحات المكية” لابن عربي، وقصيدة ابن الفارض وغيرها من المصنفات التي تدخل في نفس السياق أن حكمها الحرق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثرها نهائيا، لما في ذلك من جلب للمصلحة العامة في الدين ودرء للمفسدة (الشوكاني، 1990، ص67-68).
نستنتج أن المالكية المغاربة تفاعلوا مع بعض القضايا الفكرية المُثارة آنذاك في مصر والشام، فأدْلَوا بدَلْوِهم وبينوا أراءهم فيها، فكان أن ندَبوا أنفسهم لمحاربة التصوف المنحرف والإنكار عليه والتحذير منه، وتبيين فساده وانحراف معتقِدِه، والإفتاء بضلاله وكُفرِه.
7- خدمة المغاربة للمذهب المالكي على مستوى القضاء:
لا يخفى على الباحث في تاريخ مصر والشام خلال العصر المملوكي أن خِطة القضاء كانت محصورة في المذهب الشافعي الذي تبناه سلاطين المماليك ومِن قبلهم الأيوبيين، ومع ذلك فقد شهد تغيرا ملحوظا في زمنهم، وبالضبط أثناء حكم الظاهر بيبرس(حَكم بين 658-676هـ/1260-1277م)، حيث قام سنة (663هـ/1265م) بجعل قضاء القضاة على أربعة مذاهب، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي(القلقشندي، 1987، ج04، 35).
ومن المؤكد أن العمل في الجهاز القضائي جعل المغاربة من المالكية يتغلغلون في المجتمع المصري والشامي، ويُؤثرون فيه بصفة مباشرة نظرا لممارستهم خطة القضاء التي لها علاقة وطيدة ومباشِرة بأفراد المجتمع، ومن ثم إثبات حضور المذهب المالكي وتوسيع دائرة انتشاره بينهم.
وقد حفظت لنا كتب التاريخ أسماء كثيرة لمغاربة مارَسوا هذه الخطة نذكر منهم أمثلة كالقاضي جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن سومر الزواوي (ت717هـ/1317م)، وُلد بالمغرب سنة (629هـ/1232م)، قدِم مصر واشتغل في طلب العلم على عدد من علمائها ثم انتقل إلى الشام، وأقام شعار مذهب الإمام مالك بها، تولى منصب قاض قضاة المالكية بدمشق لثلاثين سنة، أثبت من خلاله صرامة وَقُوّة في الأَحكام وَشدَّة فِي إِراقة دماء الملحدِين والزنادقة والمخالفين (المقريزي، 1997، ج02، ص529).
وكذلك الشيخ حسام الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن حريز المغربي الأصل ثم المنفلوطي المصري (ت873هـ/1468م)، لازم العِلم واشتغل فيه كثيرا حتى ارتقى لقضاء المالكية بالديار المصرية، فباشره بعفة ونزاهة وشهامة (السخاوي، د.ت، ج07، ص192)، كما تولى أخوه عمر بن أبي بكر (ت892هـ/1487م) هذا المنصب، وكان متصلِّبا في أمر دينه، محمود السيرة (السخاوي، د.ت، ج06، ص77).
زد على هؤلاء أيضا نذكر الشيخ علي بن محمد التنسي (ت875هـ/1470م)، ففضلا عن تدريسه الفقه المالكي بمدارس ومساجد مختلفة في مِصر فإنّه تولى منصب قضاء المالكية بالشام، وتحسّر الناس على فقدِه من الديار المصرية وتألّمُوا لذلك (التنبكتي، 2000، ص337).
من خلال النماذج التي أوردناها عن قضاة المالكية المغاربة بمصر والشام خلال العصر المملوكي نلتمس مدى تصلُّبهم في أمور دينهم، وعفتهم ونزاهتهم أثناء مباشرتهم لمهامهم، فلا يخضعون لسلطان أو غيره، بل تورد المصادر أخبارا عن هؤلاء ممن تفاعل مع الضعفاء من أبناء مجتمعهم، فانتصروا لهم في كثير من المواقف ضد من تُسَوِّل له نفسه المساس بحقوق الغير ولو كان من عليَّة القوم، وممن وقف ناصحا ومرشدا إلى الحق في وجه الحكام خلال الفترة المعنية بدراستنا نذكر الشيخ شرف الدين أبي الروح عيسى بن شمس الدين محمد (ت854هـ/1450م)، كان قاضي قضاة المالكية ببيت المقدس، وهو مثال للقاضي العادل إذ سعى دوما بكل صلابة ورباطة جأش إلى استقلالية القضاء والنّأي به عن إرادة وأهواء الحكام، فكانت له هيبة في قلوب الناس بل والحكام أيضا، حدثت له واقعة معروفة مبثوثة في المصادر التاريخية مع نائب بيت المقدس مبارك شاه، الذي قبض على مجموعة من الفلاحين اتهمهم باللصوصية، وأراد قتلهم دون محاكمة، فوقف في وجهه الشيخ عيسى ومنعه، بل وأغلظ له في القول قائلا: “والله لو قتلتهم بحضوري لكُنت أقتلك بيَدي وأُعَلِّقك إلى جانبهم كما أنت بخلعة السلطان، فلم يقْدِر النَّائب على مراجعته لهيبته، ودخل إلى المدينة ولم يستطع قتلهم” (العليمي، 1999، ج02، ص248)، فنلمس من خلال موقفه هذا حرصه على تطبيق الشريعة الإسلامية وانتصاره للضعيف ولا يخاف في ذلك لومة لائم، وهذا هو الأصل في علماء الأمَّة.
الخاتـمة: يتضح لنا من كل ما سبق ذِكره عن دور العلماء المغاربة في خدمة المذهب المالكي بمصر والشام خلال العصر المملوكي أنهم ساهموا إلى حد كبير في تنشيط التعليم والعمل على إثبات حضور المذهب المالكي وتوسيع دائرة انتشاره من خلال تصدُّرهم المجالس في كبريات المؤسسات العلمية بتلك الديار.
كما أن اهتمامهم بعقد مجالس العلم في المؤسسات التعليمية من مساجد ومدارس وغيرها، واشتغالهم بالتصنيف في الفقه أثبت أن لهم مدرسة فقهية مالكية ذات بصمة مغربية بمصر والشام خلال العصر المملوكي، والتي مكّنت للمذهب التوسع والانتشار طيلة ذلك العصر وبعده.
ونخلص أيضا إلى أن مِن آثار نشاطهم العلمي في خدمة المذهب المالكي تكوينهم أُسَرًا مالكية توارَثَ أفرادها المذهب بمصر والشام خلال تلك الفترة، ما جعلهم يمثلون حلقات مترابطة عملت على ضمان استمرارية المذهب وانتشاره.
وقد أثبت البحث أن المالكية المغاربة تفاعلوا مع بعض القضايا الفكرية المُثارة آنذاك في مصر والشام، فأدْلَوا بدَلْوِهم وبينوا أراءهم فيها، فكان أن ندَبوا أنفسهم لمحاربة التصوف المنحرف والإنكار عليه والتحذير منه، وتبيين فساده وانحراف معتقِدِه، والإفتاء بضلاله وكُفرِه.
كما أكّد البحث أن العمل في الجهاز القضائي جعل المغاربة من المالكية يتغلغلون في المجتمع المصري والشامي، ويُؤثِّرون فيه بصفة مباشرة نظرا لممارستهم خطة القضاء التي لها علاقة وطيدة ومباشِرة بأفراد المجتمع، ومن ثم إثبات حضور المذهب المالكي وتوسيع دائرة انتشاره بينهم.
قائمة المصادر والمراجع:
- ابن الجزري، أبو الخير محمد الدمشقي، (2006)، غاية النهاية في طبقات القراء، ط01، دار الكتب العلمية، بيروت.
- ابن الجزري، شمس الدين أبو عبد الله محمد القرشي، (1998)، تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه، ط01، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.
- ابن الحاج، محمد العبدري الفاسي المالكي، (د.ت)، المدخل، مكتبة دار التراث، القاهرة.
- ابن الحمصي، أحمد بن محمد الأنصاري، (2000)، حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران، ط01، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
- ابن العراقي، ولي الدين أبو زُرعة، (1989)، الذيل على العبر في خبر من غبر، ط01، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، (1972)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند.
- ابن دقماق، إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي، (د.ت.ط)، الانتصار لواسطة عقـد الأمصار، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.
- ابن رافع، تقي الدين محمد بن هجرس السلامي، (1402هـ)، الوفيات، ط01، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402هـ.
- ابن شاهين، زين الدين عبد الباسط الحنفيّ، (2002)، نيل الأمل في ذيل الدول، ط01، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت.
- ابن فرحون، إبراهيم بن علي اليعمري، )د.ت)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة.
- ابن قاضي شهبة، تقي الدين أبو بكر الأسدي، (1994(، تاريخ ابن قاضي شهبة، طباعة مشتركة بين المعهد الفرنسي للدراسات العربية والجفان والجابي للطباعة والنشر، دمشق وقبرص.
- ابن كثير، أبو الفداء القرشي الدمشقي، (1988)، البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- ابن كيكلدي، خليل صلاح الدين الدمشقي، (2004)، إثارة الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة، ط01، مكتبة العلوم والحكم للنشر والتوزيع، المدينة المنورة.
- البرزالي، علم الدين القاسم بن محمد، (2005)، الوفـيات، ط01، غراس للنشر والتوزيع، الكويت.
- البصروي، علي بن يوسف، (1408هـ)، تاريخ البصروي، ط01، دار المأمون للتراث، دمشق.
- البقاعي، إبراهيم بن حسن، (د.ت)، مصرع التصوف، الناشر عباس أحمد الباز، مكة المكرمة.
- التنبكتي، أحمد بابا بن احمد، (2000)، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، دار الكاتب، ليبيا.
- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، )1987(، تاريخ الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، (1988)، معجم الشيوخ الكبير، ط01، مكتبة الصديق الطائف، المملكة العربية السعودية.
- الزواوي، أبو يعلى، (2005)، تاريخ الزواوة، ط01، منشورات وزارة الثقافة، الجزائر.
- السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، (د.ت)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
- السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، (د.ت)، الذيل على رفع الإصر أو بغية العلماء والرواة، تحقيق: د. جودة هلال وآخرون.
- السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، )1967)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، ط01، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.
- الشوكاني، محمد بن علي، (1990)، الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، دار الهجرة للطباعة والنشر والتوزيع، اليمن.
- الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، (1998)، أعيان العصر وأعوان النصر، ط01، دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق.
- العليمي، مجير الدين عبد الرحمن بن محمد، (1999)، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مكتبة دنديس، الأردن.
- الغزي، نجم الدين محمد بن محمد، (1997)، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، ط01 ، دار الكتب العلمية، بيروت.
- القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس، (1994)، الذخيرة، ط01، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
- القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس، (1998)، الفروق أو انوار البروق في أنوار الفروق، ط01، منشورات علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت.
- القلقشندي، أحمد بن علي، )1987(، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، دار الفكر، دمشق.
- مخلوف، محمد بن محمد التونسي، (2003)، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الكتب العلمية، لبنان
- المقريزي، أبو العباس تقي الدين، (1997)، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت.
- المقريزي، أبو العباس تقي الدين، (1998)، المواعظ والاعتبار بذِكر الخطط والآثار، مكتبة مدبولي، القاهرة.
