المعركة الأدبية بين طه حسين وناصر الدين الأسد
د. فيصل نذير باحث هندي faisalnzr40@gmail.com Abstract: This research article deals with the famous literary battle between Taha Hussain, the dean of the Arabic language, and the Jordanian author, poet, critic, diplomat, and ambassador Nasir al-Din al-Asad. And the issue is that Taha Hussain says most of the poetry that reached us from the… View Article
د. فيصل نذير
باحث هندي
ملخص البحث:هذه المقالة البحثية تتعامل مع القضية المهمة، وهي قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، التي سببت العالم العربي عامة والمجتمع المصري خاصة بالنزاع العلمي الكبير في مسألة صحة الشعر الجاهلي، وهذا الخلاف معروف بـ”المعركة الأدبية الحديثة”. حينما صدر الكتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، وادعى العميد أن أكثر ما نسميه اليوم بالشعر الجاهلي؛ ليس هو من الجاهلية في شيء. فقام علماء مصر ضد هذا الأديب، ورموه بالكفر والفسق والضلال؛ كما جرت عليه المحاكمة؛ وتعرض محاولة الاغتيال أيضًا. وأما من عاصروه من الأدباء فقد هاجموا عليه هجمًا عنيفًا، فمنهم مصطفى صادق الرافعي وذكي مبارك وأنور الجندي وغيرهم. ومن بين جميع الردود التي كتبت في تأييد ومخالفة ما يعتبره العميد، كان رد ناصر الدين الأسد ردًا علميًا منطقيًا. فهذا البحث العلمي يكشف القناع عن هذه المعركة الأدبية والعلمية، وتتحدث عن المناقشات الكلامية والأدبية والتقاذف العلمي ما جرى بين هذين الأديبين.
كلمات مفتاحية: الشعر الجاهلي، المستشرق مرجليوث، المعارك الأدبية، رينيه ديكارت.
مقدمة: تعد قضية صحة الشعر الجاهلي قضية مهمة، لأن فهم القرآن أو بعض ألفاظ القرآن يبني عليها. ولكن بعض علماء المسلمين والمستشرقين قالوا إن الشعر الجاهلي ليس من العصر الجاهلي، وبعض الناس يقولون ما هي أمامنا من الأشعار المعلقة إنما هي مكتوبة في العصر الإسلامي والأموي، ليس لدينا أي شيء ما يقال الشعر الجاهلي بتاتا؛ كما قال المستشرق الشهير ديفيد صمويل مرجليوث[1] وغيره من المستشرقين. ولديهم دليل بأن الأشعار الجاهلية لا تمثل بيئة زمن الجاهلية ولا مجتمعها ولسانها ولهجاتها، لذلك نقول إن هذه الأشعار كتبت ما بعد الإسلام وانتسبت إلى الجاهلية. وكذلك الرواة مثل الحماد الراوية وجناد ومبرد وخلف الأحمر وغيرهم اعترفوا بأنهم يقولون الشعر ويضعونه ثم ينحلونه إلى كبار شعراء المعلقات. ويقول العميد طه حسين إن الشعر الجاهلي كان موجودا في الزمن الجاهلي، ولكن أكثر ما يقال الشعر الجاهلي هو منتحل. ويستخدم طه حسين في تحقيقه منهج المفكر الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650)، وحسب ديكارت في كل شيء أول مرحلة للتحقيق هو الشك، وبعد ذلك نصل إلى اليقين، يقال هذا “Method of Doubts”[2]. وحينما كتب العميد هذه الأشياء في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” فكانت في العالم الإسلامي ضجة كبيرة. حينما صدر لعميد الأدب العربي طه حسين كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” وواجه العميد عاصفة شديدة ووجوهًا عبوسة من أقرانه ومجتمعه، فأعاد طه حسين نشر كتابه سنة 1927 بعنوان “في الأدب الجاهلي”. وحافظ في هذا الكتاب الجديد على أفكاره الرئيسية، وأضاف فصولًا جديدة، وحذف بعض ما أخذه عليه العلماء من العبارات المتشككة في الدين. ويعتبر الأديب الأردني الدكتور ناصر الدين الأسد أن كتاب” في الشعر الجاهلي” حرّك الحياة الثقافية في ذلك الوقت بسبب تلك المقالات التي نشرت في الصحف: الأهرام والبلاغ والجزيرة وغيرها[3]. وقد طويت هذه المقالات وكذلك الكتب التي انتقدت كتاب العميد، ولكن كتاب الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد أصبح جسرًا بين العصور، وأوثق ثقة الجماهير في الشعر الجاهلي. في الحقيقة المعارك النقدية أو الصراع العلمي بين العميد وناصر الدين الأسد، هي من أهم وأشهر المعارك في الأدب العربي الحديث.
طه حسين بين المحافظة والتجديد:
لما صدر كتاب العميد “في الأدب الجاهلي” تسبب لضجة كبرى في العالم العربي، واتهمه الناس والجرائد والصحف بالتقليد الأعمى لمنهج رينيه ديكارت. كتب العلماء ردا عليه في عدة كتب وآلاف مقال، البعض في الرد والبعض في تأييده. الدكتور طه حسين حذا حذو المستشرق مرجليوث، حيث قال مرجليوث: ما وصل إلينا أي شيء كشعر الجاهلية، هو من صُنْع وعمل الشعراء المسلمين فيما بعد. ولكن العميد لا يعتمد على أكثر الشعر الجاهلي، ولا يثق بأن يقبل فيه كلامًا يدعى بأنه الشعر الجاهلي. وهو يشك في مصادر الشعر الجاهلي، ولا يثق به كليًا، ويظن أن الشعر الجاهلي كان بسبب قلة الثقة عرضة للوضع والانتحال والتحريف[4]. وأوضح طه حسين بأنه يتبع منهج الفيلسوف الفرنسي المعروف رينيه ديكارت 1596-1650م (René Descartes)[5] في بحثه وتحقيقه عن الشعر الجاهلي، وبيّن ديكارت منهجه في كتابه “المقال عن المنهج”، وأسس الفلسفة المشهورة وقال (I think, therefore I am) “أنا أفكر فأنا موجود”. صارت هذه العبارة قانونَ المبادئ الفلسفية، ففي هذه العبارة أثبت ديكارت وجوده بالشك والريب، وأثبت أن الشك هو أول مرحلة من مراحل التفكير، وبعد إثبات الوجود هو يقول فثبت أيضًا بأني أفكر. فإن ديكارت يضع أساس التحقيق؛ يلزم علينا أن نشك ونريب في أي شيء أولًا وبعد ذلك نجده، فلذا الشك هو الطريق إلى اليقين، والشك يفيد. ويقول الدكتور طه حسين دفاعًا عن كتابه في الشعر الجاهلي وعن نفسه: “وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألّا يرضى الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ. فالمستقبل لمنهج (ديكارت) لا مناهج القدماء”[6]. خطا طه حسين خطوة هذا المفكر الكبير واستنتج من موقف ديكارت مبادئ الفلسفة المذكورة أساسين:
(الأول) أن الشعر الجاهلي يوجد، وجحوده مطلقا لا يصح، كما ذهب إليه مرجليوث.
(والثاني) لإثبات أي شيء لازم علينا أن نشك فيه، لأن الشك يفضي ويدعو إلى التفكير الجديد والتحقيق المستجد، وبعد الشك؛ الإنسان يفتح باب اليقين، لذلك هو شك في بعض أشعار الجاهليين.
كما نعلم أن الدكتور طه حسين كتب كتابه المثير للجدل “في الشعر الجاهلي” بعد سنة كاملة من ظهور كتاب مرجليوث، وادعى بأن معظم أشعار الجاهليين تمت كتابتها بعد الإسلام أو في عهد الأمويين والعباسيين، حيث يقول: “إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين”[7]. ويكتب طه حسين في كتابه “في الأدب الجاهلي” بعنوان “أسباب انتحال الشعر”[8]: تاريخ الانتحال قديم، ليس الانتحال مقصورًا على العرب فحسب، قد اعترف العلماء وجود الانتحال في كل عصر ومصر. وكذلك قال أبو عمرو بن العلاء: “ما بقي من شعر الجاهلية إلّا أقله، ولو جاءكم وافرًا جاءكم علم وشعر كثير“[9]. فقول هذا التابعي يثبت إن الشعر الجاهلي قد ضيّع وهلك وتغلل فيه الكذب والافتراء. وقد زاد الانتحال حتى أن المنتحلين يضعون الشعر وينسبونه إلى الجن، والمجتمع العربي كان يتخذ هذه الأشعار ويرويها من دون أدنى تحقيق، لأن في زمن النبي ﷺ اشتُهِر أن الجن يذهبون إلى السماء ويستمعون بعض الأشياء وبعد تعديل وإضافة يقولون للناس ويتكهنون إنها من أخبار الغيب، وفي بعض الأحيان يكون ذلك الخبر صادقا، استفادة منه مازال المنتحلون يضعون الشعر من عند أنفسهم وينسبونه إلى الجن.
وأما في أيام العباسيين اجتهد القصاص والرواة في إثبات ما كان لبني هاشم من المجد والشرف في الجاهلية. واشتدت الخصومة بين هذين الحزبين السياسيين، فكثرت الرواة والأخبار والأشعار متزاحمة. يقول طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” الشعر منحول ولديه أدلة. والسؤال هنا لماذا يشك العميد في الأشعار الجاهلية؟ ولماذا هو غير مقنع عن الرواة ولماذا هو لا يثق بالشعر الجاهلي؟ فدوافع الشك لديه كثيرة.
الاعتراضات والردود عن صحة الشعر الجاهلي:
يعترض طه حسين على صحة الشعر الجاهلي ويقول نجد في القرآن ذكر المجتمع العربي وكذلك نجد ذكر كيف كان الكفار يعبدون الأصنام واللات والعزى ومناة، ومع أن المسيحية كانت ديانة راقية وقتئذ وقائمة ضد الإسلام والمسلمين، لماذا لا نجد ذكر الإله والمعبود مطلقًا؟ فهذا يثير الشك أن هذه الأشعار قرضت بعد ظهور الإسلام، لماذا لا نجد ذكر الوثنية واليهودية والمسيحية في أي مكان؟
الدكتور ناصر الدين يجيب ويرد على جميع الأسئلة طه حسين، فأولًا قوله، الشعر يفترض بأنه انعكاس للبيئة، والشعر العربي هذا لا يمثل الحياة الدينية للعرب قبل الإسلام. ويقول العميد ألم يكن العرب يعبدون الأصنام؟ إذا أين عبادة الأصنام في أشعارهم؟ يقول الدكتور الأسد أنا أظن أن طه حسين صادقٌ في قوله، لا بد أن تمثل الأشعار معارف وعادات وتقاليد العصر نظمت فيها، ولكن أنا اختلف في القول بأن الشعر لا يمثل الحياة الدينية. يا طه حسين! عبادة الأصنام في الشعر نريك إياها، ألم تقرأ قول امرئ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه عذاري دوارٍ في مُلاء مذيّل[10]
حينما وصف رحلة الصيد وكيف اصطاد البقر الوحشي في دواره، شبه البقر الوحشي في سرعته بـ “الصنم الدوار” وحالة الدوار حوله، ففي هذا البيت وجدنا ذكر الصنم والمعبود. ثم نجد كتابًا يسمى “كتاب الأصنام” لابن السائب الكلبي[11]، فيه توجد كل هذه الأشعار بالتفصيل.
حينما نطالع الشعر الجاهلي فنجد فيه أن الشعر يتصف العرب بالعداوة والحماسة العمياء والكبرياء المفرط والغلظة والخشونة والجهالة والغباوة، ولكن حينما نحن نتلو القرآن فنجده يمدح العرب بالسخاوة، والكرامة، والعواطف، واللين. فالحياة العقلية تختلف فيما بين الشعر والقرآن[12] ويصف طه حسين أن الشعر الجاهلي لا يتكلم عن حياة العرب الاقتصادية تمامًا، والقرآن يذكر جليًا “رحلة الشتاء والصيف” والقرآن يذكر طائفتين، طائفة الأغنياء وطائفة البائس والمضطر، وكذلك مسكينًا ذا متربة، والقرآن أيضًا يهدد البخلاء والمطففين. يبين التنزيل الحكيم كلا الطائفتين من المجتمع، ولكن الشعر العربي مملوء فقط بقصة الجود، والكرم، وكثرة الخيل، والغنم. وادعى طه حسين أيضًا أن الشعر لا يمثل الحياة الاقتصادية، حتى القرآن الكريم حينما تحدث عن الحياة الاقتصادية ذكر رحلة الشتاء والصيف قبل الإسلام، أين هو في الشعر؟
يجيبه الدكتور نبيل خالد: الحق أننا حينما نخوض في الأشعار العربية نرى رحلة الشتاء والصيف واضحة جدا، منها ما نراه في معلقة امرئ القيس حينما تحدث عن أطلال المحبوبة قال:
ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حَب فلفل[13]
هل كان في شبه الجزيرة العربية الفلفل الأسود؟ لا، بل كان يجلب من الهند، وذكر الفلفل بسبب الرحلة، والحرير يأتون به العرب من الشام. فهذا يدل صريحًا على علاقاتهم بالبلدان الأخرى.
أن الشعر الجاهلي يسدي صورة أن العرب كانوا ساكنين في الصحراء والعراء وعلى الجبل والغبراء، لا يعلمون ما يجري في جيرانهم وحولهم، فأنهم فقط يبالون الخمر والخيل والحرب والحمية، ولكن القرآن في سورة الروم يعطي إشارة أن للعرب كانت صلة مع البلدان المجاورة وكانت لهم أصدقاء وأعداء. في القرآن نجد ذكر البحر والبحار مرات وكرات، ولكن لماذا لا نجد ذكر البحر في الأشعار الجاهلية مع أن الشعراء كانوا مولَعين بالمناظر الطبيعية؟
مع أنه يعترف بأن العميد طه حسين هو ليس الوحيد في ادعاء هذا وقول الشعر الجاهلي منحول وموضوع، الرافعي يقول: “لم ينفرد الأستاذ طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه؛ فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلف، وقال فيه بالرأي الأحمق وأداره على الوهم البعيد”[14]. الرافعي ينتقد الجامعات والمعاهد العلمية انتقادًا قاسيًا على عدم مؤاخذة طه حسين. ويظهر لنا هو كيف انتقد وقذف على العميد في أرجوزته، حيث يقول:
يا عجبًا طه أديب العصر
أصبح مثل إنجلترا في مصر
أسطوله يراعة في شبر
وملكه متر بنصف متر
في مجلس للدرس بل للهتر
وهبطوا الدنيا لأمر نكر[15]
أظن، مثل هذه الكلمات لا تليق لأي عالم وأديب مهما كان مبرراته. مازال إعجابي يكثر ويزيد حينما قرأت ما قال الدكتور زكي مبارك[16] “لو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه”، خلاصة هذا الكلام القاسي، كان بين زكي مبارك وبين طه حسين مخاصمة قديمة قبل صدور الكتاب “في الشعر الجاهلي”، وكان زكي مبارك يقول عن العميد “أعمى البصر والبصيرة[17]” ويقول أحيانا “إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب[18]“. دارت الحرب الكلامية بينهما نحو عشر سنين، ولكن لما شاهد زكي مبارك أن الريح تهب ضد العميد من كل جانب، فانتهز بهذه الفرصة وكتب “النثر الفني في القرن الرابع[19]” وهاجم فيه المستشرقين وطه حسين.
وكان العميد وقتئذٍ في فرنسا، ولما رجع إلى مصر فرده طه حسين ولم يذكر اسمه، بدلا قال “كتاب من الكتب ألفه كاتب من الكتاب[20]“. أشعل هذا اللفظ نار المعركة إشعالًا، وقال زكي مبارك هذه الجملة العنيفة الكريهة التي لا تليق بأي عالم أو أديب أن يستخدم مثل هذه الكلمات حتى للعدو اللدود. ولكن دب الخلاف بينه وبين العميد واشتدت حدة العداوة وقال زكي مبارك في ديوانه “ألحان الخلود”[21] هذا البيت:
لو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه
إن جاز أن أقــــدم إلى أطـــفالي لـحوم الكلاب
لطبيعة زكي مبارك المتمردة ومخاصمته مع أقطاب اللغة العربية، لقبه الناس “الثائر المظلوم”[22].
أثار كثير من العلماء والأدباء هذه القضية قبل مصطفى صادق الرافعي، ولكن الرافعي أثارها بكل قوة وبأس وكتب كتابه المهم في هذا الموضوع، يقول إبراهيم عوض في كتابه المهم “معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين بحث موضوعي مفصل”: ليس الرافعي إذن أول من انتقـد ما قاله طه حسين عن الشـعر الجاهلي، ولكنه فيما أعرف هو أول من تناول آراء طه حسين المكتوبة في هذا الموضوع تناولًا مستفيضًا مفصلًا، لا في مقالة واحدة بل في عدة مقالات قلب فيها كتاب «في الشعر الجاهلي» تقليبًا، وأول من نبه إلى ما في الكتاب من آراء تتناقض من الإيمان بالإسلام وكتابه ونبيه. ولا شك أن من تناولوا آراء طه حسين بعد ذلك قد استفادوا من هذه المقالات العميقة”[23].
ناصر الدين الأسد:
إن ناصر الدين الأسد يعترف في كتابه الشهير “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” بأن الانتحال يوجد في كل زمان ومكان، وإمكانية الوضع والنحل لا يجحد ولا ينكر كما يقول في الفصل الثاني من كتابه بعنوان “وضع الشعر الجاهلي ونحله عند الأقدمين”: “الوضع والنحل والانتحال كلها ظواهر أدبية عامة، لا تقتصر على أمة دون غيرها من الأمم، ولا يختص بها جيل من الناس دون غيره من الأجيال”[24].
يتحدث ناصر الدين الأسد عن الانتحال في الأصناف الأدبية كلها ويقول إن الوضع والانتحال لم يكن مقصورا على أصناف الشعر وحده، بل لقد شمِل كل ما يسمى الأدب العام مثل الأقوال والقصص القصيرة والنقد والنسب والأخبار من عهد الجاهلية. ولقد بدأ الكذب والوضع في الحديث النبوي في نفس حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ويزيد ناصر الدين الأسد أن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ الناس الوضع والكذب والانتحال مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدًا من النار”[25] وحديث آخر قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إني أخاف أن أحدّثكم واحدًا فتزيدوا عليه المئة”[26]. وهذا الوضع والانتحال بدأ في الأحاديث النبوية الشريفة؛ فكان الشعر الجاهلي عرضة أكثر منه.
ردُ ناصر الدين الأسد على العميد:
شاهدتُ بعد قراءة عميقة لكتاب “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” أن ناصر الدين الأسد بدلًا عن الرد المباشر على العميد هو دائمًا يفضل أن ينقل ما قاله في نفس القضية الأدباء الآخرون، وفي بعض الأحيان هو يزيد قوله وآراؤه. يجيب ناصر الدين عما قال العميد عن منهج رينيه ديكارت: قال طه حسين إن المنهج الجديد للتحقيق هو الشك في أول مرحلة، الذي يعرف في لغة ديكارت “منهج الشك” (Methods of Doubts)، وديكارت لا يدعو للشك في كل ما هب ودب وفي كل غال ورخيص وفي كل شيء نجده. بل في باب الاعتقاد ديكارت بنفسه استثنى هذه القاعدة، فثبت منهج ديكارت لم يكن منهج شك للشك ذاته، بل هو يأخذ الشك وسيلة لليقين، وحصيلة هذا المنهج ألّا يقبل المرء أمرا على أنه حقيقة إلّا إذا قامت الدلائل البينة على صحته، ورينيه ديكارت بنفسه كان يسلم بوجود الأشياء؛ لا يجادل فيها. ويقول ناصر الدين الأسد إن هناك مستشرقا إنجليزيا شهيرا آخر إدوارد براؤن (1862-1929م) هو لم يتفق برأي مرجليوث.
ويقول ناصر الدين إن الأستاذ محمـد لطفي جمعة[27] قد جمع الأشعار التي تشير إلى الحياة الدينية في الجاهلية، وهو خير رد على العميد لأنه جمع الأشعار لعدة شعراء. ويقول لطفي جمعة في كتابه الشهاب الراصد: “من العجيب أن المؤلف يدعي أن الشعر الجاهلي كله عجز عن تصوير الحياة الدينية، وهو لم يتقدم إلينا بدليل ولم يستقرئ دواوين الشعر الجاهلي”[28]. لطفي جمعة يقول إن العميد لم يأت بدليل واف على إثبات ما يدعي، وفي أكثر الأحيان هو دعوى محض بلا دليل بين.
وكما قال طه حسين إن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة العقلية في الجاهلية، هو يعني أن المجتمع قبل الإسلام كان في شرك وجهالة وغباوة وسفاهة، يأكلون ويحربون، ويأتون بكل الفاحشة والمعاصي، يشربون الخمر، لا عقل لهم ولا دين، يرمون الحرب لعدة عقود وأجيال، ولكن حينما ننظر إلى شاعريتهم نجد فيه أشعارًا مملوءة بالحكمة والموعظة الحسنة، والأقوال الفطنة، فلازمَ هي كلها منحولة، لأننا لا نجد المطابقة والمماثلة بين الأشعار والأحوال والأوضاع الحقيقية. وكذلك ادعى العميد أن العرب كانوا أمة منعزلة، تعيش في الصحراء والعراء، لا علاقة لهم بالعالم الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي، والقرآن يصف عناية العرب بسياسة الفرس والروم وغيرهما. ويشرح ناصر الدين الأسد أن الدكتور طه حسين لم يأت بأية شواهد وبرهان على ما ادعى، وكيف لا ينظر العميد إلى الأشعار التي تبين صلة العرب من العالم الخارجي، حتى القرآن يشير إلى علاقات العرب مع الروم والفارس[29].
وقد أجاب الأستاذ السيد محمد الخضر حسين[30] على طه حسين إجابة علمية ومنطقية، وقال حينما ذكر طه حسين أسباب الانتحال في كتابه (في الأدب الجاهلي) فقال “السياسة هي السبب للوضع والنحل”، هو فقط يزعم الأشياء مع العصبية التي كانت موجودة بين القبائل وبين قريش والأنصار، وبعد الإسلام تعانقوا فلماذا يقرض أحد شعرًا وينسبه إلى فريق آخر. وأن الدكتور العميد ما ذكر شعرًا واحدًا يثبت به دليله ويقويه، لأنه ما وجد أي شعر منحولًا. وأخيرا يقول ناصر الدين فيثبت إن شكوى ودعوى طه حسين فقط تبني على المقدمات الظنية (Assumption) والفروض المتخيلة (Hypothesis)، هو لم يأت بشيء لم يذكره القدماء. يقول الأستاذ محمد لطفي جمعة: “لا نجد في هذا الفصل ما يدل على انتحال الشعر الجاهلي” وكذلك قال الخضراوي إن طه حسين قد ادعى بدون أي دليل وبرهان”[31]. أحسن ما قاله في هذا الموضوع هو الأديب المصري والكاتب الشهير أيمن الجندي في مقالته، حيث يقول:
كان يمكن أن يمر الموضوع ببساطة كرأي يحتمل الصواب والخطأ! لكن الأمور اتجهت إلى ناحية أخرى. لسبب ما اعتبروا أن التشكيك في صحة الشعر الجاهلي يعنى التشكيك في معجزة القرآن الذي تحدى العرب في نظمه ومعناه. انظر إلى العلّامة محمود شاكر، الذي وهب عمره لهذه القضية دائرًا في فلكها، يقول إننا لكي ندرك سر السمو الإلهي في القرآن يجب أن نعترف بمصداقية الشعر الجاهلي، وإنه شعر موجود يمثل النموذج الأسمى في الفصاحة، وإلا بطلت قضية الإعجاز! (علامة التعجب من عندي) وبطل تحدى الله للعرب. كيف قفز العلّامة محمود شاكر إلى هذه النتيجة لا أدرى! في رأيي أن الأمر برمته كان ينبغي أن يبقى محصورًا في السجال العلمي، ولا يمتد بحال من الأحوال إلى وضع بلاغة القرآن على المحك”[32].
خاتمة البحث:
تناولنا في هذه الدراسة قضية الانتحال في الشعر الجاهلي وهي من القضايا المهمة التي اهتم بها النقاد العرب: القدامى والمحدثين وهي من الظواهر الأدبية التي لا تقتصر على أمة دون أخرى ولا تختص على جيل دون جيل. وصلنا إلى نتيجة أن عميد الأدب العربي طه حسين أنكر طريقة القدماء في التحقيق والبحث والتاريخ والغربلة، لأنه كان يعتمد أكثر من اللازم بالمذاهب الحديثة، ويترك المذاهب القديمة سدى، ويحسب أنه سوف تبلى وتفقد أهميته ومكانته؛ لذا جحد طه حسين كثيرا من الروايات التي أحصاها المؤرخون من دون أي تحقيق. فثبت أن ناصر الدين الأسد حاول كل المحاولة أن يثبت أن الشك في جميع الأشعار الجاهلية حتى في بعضها لا يصح البتة، كما ذهب إليه مرجليوث وتبعه طه حسين، ومعظم الشعر الذي نسميه بالشعر الجاهلي صحيح وغير زائف. حتى طه حسين في الأخير قبِل في مقابلته الموجودةِ على قناة الجزيرة، أني فقط أردت أن استخدم طريقة حديثة لغربلة صحة الشعر الجاهلي. فخلاصة القول معظم أشعار الجاهلية صحيح ومنسوب إلى قائلها.
المصادر والمراجع
- أبو حمدة، محمد علي. في العبور الحضاري لكتاب في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين. ط 1. مصر: دار عمار للنشر والتوزيع، 2003م.
- أرسلان، شكيب. الشعر الجاهلي أ منحول أم صحيح النسبة. ط 1. القاهرة: دار الثقافة للجميع، 1980م.
- الأسد، ناصر الدين. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. ط 1. بيروت: دار الجيل، 1996م.
- جبوري، يحيى. المستشرقون والشعر الجاهلي: بين الشك والتوثيق. ط 1. لبنان: دار الغرب الإسلامي، 1997م.
- الجمحي، ابن سلام. طبقات فحول الشعراء. ط 1. مصر: شركة القدس للنشر والتوزيع، 2001م.
- حسين، طه. في الأدب الجاهلي. ط. 4. القاهرة: دار المعارف، 2001م.
- خطيب، علي أحمد. الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين. ط 1. مصر: الدار المصرية اللبنانية، 2003م.
- الرافعي، مصطفى صادق. تحت راية القرآن. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م.
- سلامة، زياد أحمد. مع طه حسين في الشعر الجاهلي. ط 1. الأردن: دار البيارق، 1998م.
- سليمان، سليمان محمد. المحاكاة في الشعر الجاهلي: بين التقليد والإبداع. ط 1. مصر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2005م.
- القرشي، أبو زيد. جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام. مصر: دار النهضة للطباعة والنشر، 1981م.
- عوض إبراهيم. معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين: بحث موضوعي مفصل. ط1. القاهرة: طبعة الفجر الجديد 1987م.
- النويهي، محمد. الشعر الجاهلي: منهج في دراسته وتقويمه. ط 1. مصر: الدار القومية للطباعة والنشر، 1966م.
المراجع الأجنبية:
- Abu-Deeb, Kamal. “Towards a Structural Analysis of Pre-Islamic Poetry.” International Journal of Middle East Studies, vol. 6, no. 2, 1975, pp. 148–84. JSTOR, http://www.jstor.org/stable/162418. Accessed 29 Jul. 2022.
- Britannica, The Editors of Encyclopaedia. “methodic doubt”. Encyclopedia Britannica, 1 Nov. 2013, https://www.britannica.com/topic/methodic-doubt. Accessed 18 August 2022.
[1] ولد ديفيد صمويل مرجليوث في عام 1858م في لندن، تخرج في جامعة أكسفورد، تلقى مرجليوث تعليمه في مانشستر (Manchester) في إنجلترا. حيث كان باحثًا في نيو كوليج، أوكسفورد. تخرج بالدرجة الأولى وفاز بعلامات بارزة وحصل على عدة الجوائز في اللغات الكلاسيكية واللغات الشرقية، كان يتقن اللغة العربية والفارسية والتركية والأرمنية والسريانية بالإضافة إلى العبرية. حصل على درجة الدكتوراه في الآداب من الكلية الجديدة أكسفورد، عام 1902م. وصفه الناس بأنه مترجم بارع للكتب العربية. وذكر أحمد زكي في كتابه “أحمد شوقي” أن الشاعر المصري أحمد شوقي أهدى قصيدته الشهيرة في وصف النيل للأستاذ مرجليوث. مرجليوث زار الكثير من البلدان الشرقية. وكان مرجليوث من أعضاء المجمع العلمي العربي في دمشق، والمجمع اللغوي البريطاني، والجمعية الشرقية البريطانية والألمانية. وقد اتهم في أبحاثه بالتضخيم والتهويل والتزييف للوثائق خاصة في التاريخ الإسلامي.
[2] Britannica, The Editors of Encyclopedia. “Methodic doubt”. Encyclopedia Britannica, 1 Nov. 2013, https://www.britannica.com/topic/methodic-doubt. Accessed 18 August 2022.
[3] محمد عبد الله القواسمة. “ناصر الدين الأسد واستعادة كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي”. دنيا الوطن. تاريخ النشر: 2013-01-19، تاريخ الاطلاع: 19/07/2025-08-05. https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/283005.html
[4] حسين، طه. في الأدب الجاهلي. ط1. القاهرة: مطبعة فاروق، 1933م، ص 98.
[5] رينيه ديكارت هو فيلسوف، ورياضي، وفيزيائي، يلقب بـ “أبي الفلسفة الحديثة”. ويعتبر من أبرز الشخصيات الفكرية في العصر الذهبي الهولندي. مواطن من مملكة فرنسا، ولكن عاش ديكارت حياته علمية هادئة في هولندا، وكتب فيها معظم مؤلفاته. رفض ديكارت قبول أفكار وسلطة الفلاسفة السابقين. وضع وجهات نظره بعيدًا عن آراء أسلافه، ديكارت تسببت ثورة في مجالي الفلسفة والرياضيات كذلك.
[6] حسين، طه. في الأدب الجاهلي. ص 116.
[7] المرجع السابق، ص 71.
[8] المرجع السابق، ص 154.
[9] الجمحي، ابن سلام. طبقات فحول الشعراء. ط 1. مصر: شركة القدس للنشر والتوزيع، 2001. ص 10.
[10] حسنين، سيد حنفي. الشعر الجاهلي: مراحله واتجاهاته الفنية: دراسة نصية. ط 1. الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971.
[11] المتنبي. ديوان المتنبي. ط 1. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1983. ص 22.
[12] حسين، طه. في الشعر الجاهلي، ص 186.
[13] عبد الشافي، مصطفى. ديوان امري القيس. ط 5. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004. ص 168.
[14] الرافعي، مصطفى صادق. تحت راية القرآن. ط 2. القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2002. ص 85.
[15] المرجع السابق: ص 115.
[16] زكي عبد السلام مبارك 1892-1952م أديب وصحفي وكاتب وشاعر شهير، من مولود مصر، ميزته التي تجدر بالذكر أنه حصل على ثلاث دكتوراه، وكان الشاعر محمد الأسمر يقوله ويلقبه بـ “الدكاترة”، كان أستاذا في الجامعة المصرية لوقت قصير. له عدة كتب قيمة: عبقرية شريف رضي، الأسمار والأحاديث، الأخلاق عند الغزالي، الموازنة بين الشعر، مدامع العشاق، النثر الفني في القرن الرابع، العشاق الثلاث، ليلى المريضة في العراق، وحي بغداد، حب أبي ربيعة.
[17] حيدر، خليل علي. “خصوم د. طه حسين”. الوطن. الكويت. تاريخ النشر 2013/09/20، تاريخ الاطلاع 2022/09/05. الوطن. الكويت. تاريخ النشر 2013/09/20، تاريخ الاطلاع 2022/09/05. http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=305816&yearquarter=20133
[18] المرجع نفسه.
[19] مبارك، زكي. النثر الفني في القرن الرابع. ط 1. القاهرة: مؤسسة الهنداوي للتعليم والثقافة. 2013. ص 155-284.
[20] جغام، حسن أحمد. طه حسين: قضايا ومواقف. ط 1. تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 2000. ص 243.
[21] سليمان، سليمان محمد. المحاكاة في الشعر الجاهلي: بين التقليد والإبداع. ط 1. مصر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2005.
[22] حسين، قصي الحسين. شعر الجاهلية وشعراؤها. ط 1. لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2006.
[23] عوض إبراهيم. معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين بحث موضوعي مفصل. ط1. القاهرة: طبعة الفجر الجديد 1987م ص 2.
[24] الأسد. ناصر الدين. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. ط 1. بيروت: دار الجيل 1996م، ص 321.
[25] رواه البخاري (1229).
[26] الطبقات الكبرى، ص 106.
[27] محمد لطفي جمعة (1886م – 1953م) هو كاتب ومترجم وروائي ومحامي وناشط سياسي مصري، من كبار الكتاب والخطباء والمترجمين، كان عضوًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
[28] الأسد. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. ص 90.
[29] جمعة، محمد لطفي. الشهاب الراصد. ط3. مصر: مطبعة المقتطف والمقطم، 1926م، ص 18.
[30] محمد الخضر حسين (1876-1958) هو أديب وشاعر وناقد شهير، من مواليد وأصل جزائري، وتولى الخضر منصب “مشيخة الأزهر” في عام 1952. وكتب كتابًا قيما حول المواضع المهمة. منهم: ديوان شعر (خواطر الحياة)، أديان العرب قبل الإسلام، حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية، دراسات في العربية وتاريخها، الرحلات، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، نقض كتاب في الشعر الجاهلي، تونس، 67 عامًا تحت الاحتلال الفرنسي 1881-1948، تونس وجامع الزيتونة، بلاغة القرآن، الخيال في الشعر العربي، تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي.
[31] الأسد. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. ص 422-427.
[32] الجندي، أيمن. معركة الشعر الجاهلي. المصري اليوم، تاريخ النشر 2015/10/16، تاريخ الاطلاع 2022/08/31، https://www.almasryalyoum.com/news/details/827853
