القيم و أثرها في نفوس الأفراد و الجماعات
د. محمد جهانغير عالم أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابـها الجامعةالعالية، كولكاتا، الهند Abstract: A natural disposition of human being is quite extraordinary quality that effects on person, family, as well as the socity. A child imitates the family and surrounding environment of the home to acquire behavioural approach at the very early… View Article
د. محمد جهانغير عالم
أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابـها
الجامعةالعالية، كولكاتا، الهند
Abstract: A natural disposition of human being is quite extraordinary quality that effects on person, family, as well as the socity. A child imitates the family and surrounding environment of the home to acquire behavioural approach at the very early stage without having consequences and reactions on account of a natural needs. As he grows up in a good environment, under the influence of Islamic teaching and tradition, his good habits and good manner began to reflect on him as well as in the society and he can distinguish himself from good and evil in the light of moral teaching and faith. Human character is a weapon that can be used in both negative and positive spheres of life. A good character and values are also a weapon which can only be used for the goodness for men and betterment of human society. When a child’s behavioural development takes place through the light of Quran and Sunnah, his psychological arena develops in the realm of faith, love and forgiveness which reflects throughout his personality and facilitates on the betterment of society. A positive natural disposition with the flavour of Islam is indeed a necessary element for individual development as well as for the larger society and community. The writing highlights on the role of good character, influence and teaching of a human values which is the prime requirement of a good individual and how it works towards the betterment of human society in the light of Qurán and Sunnah.
Keywords: Values, Society, Influence, Character, Teaching, Sunnah
الملخص:إن التصرف الطبيعي للإنسان هو صفة فطرية غير عادية تؤثر على الحياة العائلية والشخصية والاجتماعية. يقلد الطفل الأسرة والبيئة المحيطة بالمنزل لاكتساب نهج سلوكي في مرحلة البداية دون أن يكون له عواقب ويتفاعل مع احتياجات طبيعية. عندما نشأ في بيئة جيدة ، وتحت تأثير العقيدة والتقاليد الإسلامية ، بدأت عاداته الحسنة وحسن السلوك تنعكس في المجتمع ويمكنه تمييز نفسه عن الخير والشر في ضوء العقيدة الإسلامية الشخصية البشرية هي سلاح يمكن استخدامه في كل من المجالات السلبية والإيجابية من الحياة. الشخصية الجيدة هي أيضًا سلاح لا يمكن استخدامه إلا لخير الرجال وتحسين المجتمع البشري. عندما يحدث نمو سلوكي للطفل من خلال ضوء الكتاب والسنة ، فإن مجاله النفسي يتطور في عالم الإيمان والمحبة والتسامح الذي ينعكس في جميع أنحاء شخصيته ويسهل على المجتمع تحسينه. إن التصرف الطبيعي الإيجابي مع نكهة الإسلام هو في الواقع عناصر ضرورية للتطور الفردي وكذلك للمجتمع الأكبر. تسلط الورقة الضوء على تأثير التصرف الطبيعي الإيجابي في بناء الفرد الصالح وكيف يعمل على تحسين المجتمع البشري في ضوء القرآن والسنة.
الكمات الدليلة: القيم، المجتمع، التأثير، الأخلاق، التربية، السنة
المدخل:
القيم أكبر باعث وأقوى وسيلة للتقدم الحضاري للمجتمع، و هي تنتقل من جيل إلى جيل، عن طريق التربية والتدريب والتلقين والتعليم والتثقيف، فالتربية هي العملية الأساسية التي يلجأ إليها الأفراد للمحافظة على تراثهم الحضاري بكل ما ينطوي عليه من قيم ومباديء إنسانية وأخلاقية لحياة الفرد لكي ينشأ الفرد متوافقا ومتجاوبا مع جماعته، وليست القيم إلا وقاية للمجتمع من تفشي الجرائم بشتى أنواعها من الانحرافات الخلقية التي يعاني منها الأفراد والـمجتمعات الإنسانية، كما أنـها هي الوسيلة الوحيدة لبناء الفرد المثالي، والمجتمع الأفضل.
تعد القيم هي السلوك الخلقي الفعلي للأفراد في تفاعلاتـهم مع البيئة، والذي تـمشي مع ما أخذ به المجتمع من تقاليد، وعادات وعرف.
ويكتسب الفرد القيم اللازمة لبقاء شخصيته من الظروف البيئية الأولى التي يعيش فيها،فيمتص مبادئها و قيمها الخلقية والروحية، وتصبح جزءا لا يتجزأ من نفسه، ودافعا يدفعه إلى السلوك، فالطفل يـمتص هذه القيم من الجو العام الذي يعيش فيه، و يتمثلها في نفسه، ويدخلها في حصيلة خيراته، وتقوم في نفسه مقام الضمير، لتحكم في أفعاله و في تصرفاته، و تصبح بـمثابة الرقيب على سلوكه وسلوك الآخرين.
ويؤدي الاتـجاه دوراً مهماً في تكوين القيم، فالطفل يتأثر بصفته بما يوحي إليه أبواه، فيسلك مسلكهما في الأقوال والأفعال وينفعل وفق انفعالاتـهما، مستجيبا المؤثرات، وكلما كان الإيحاء مقروناً بالممارسة و الأسلوب العملي والقدوة الصالحة، كان تأثيره أعظم وأرسخ.
وعن طريق أسلوب الإيحاء والممارسة الفعلية والمثل الصالح، تصبح القيم جزءاً من خيرات الطفل، ونمطاً من أنماط سلوكه، يمارسه في المنزل وفي المدرسة وفي العمل عندما يكبر ويصير عضواً في المجتمع الكبير، لأن هذه القيم قد أصبحت نابغة من ذاته، و ليست مفروضة عليه من سلطة خارجية.
وما دمنا بصدد الحديث عن القيم، فإن هذا يدعونا بالضرورة إلى التحدث عن تكوين الذات العليا، أو الضمير لدى الفرد، فالطفل منذ سن الثالثة من عمره تقريبا يعمل على أن يحل الصراع النفسي الذي ينشأ في أعماق اللاشعور بين رغباته غير المهذبة، وبين تلك المعايير والمثل العليا التي تواضع عليها المجتمع، والتي يتلقنها من العالم الخارجي ممثلة في سلطة الوالد.
ويمتص الطفل بالتدريج تلك المعايير، ويبلورها في نفسه حتى تصبح بمثابة السلطة الداخلية، التي تحل محل السلطة الخارجية في تنظيم وضبط تلك الرغبات المحظورة، وتصبح هذه السلطة القائمة في النفس بمثابة الرقيب، الذي يحول دون خروج هذه النزعات والميول غير المهذبة إلى الخارج.
وطالما أن الضمير هو مصدر القيم، لذا وجب أن تعمل كل أسرة بكل ما أوتيت من قوة على تنمية هذا الجانب من النفس إذا أرادت أن تنشئ طفلها على حب الخير، وحب الفضيلة.
وإنه لمن الطبيعي أن أثر البيئة التي يعيش فيها الطفل يكون فاعلاً في نشأة هذه القيم وفي تطورها ونموها.
وإنه لمن الطبيعي-أيضا- أن البيئة التي يسودها الشعور بالدفاع والطمأنينة، البيئة التي تحمي ولا تهدد، والتي تصون ولا تبدد، والتي تبني ولا تهدم والتي يسودها جو من الثقة المتبادلة والأمن والأمان، والمحبة والمودة، والتشجيع، هي خير بيئة تترعرع فيها القيم ويتكون فيها الضمير.
المؤسسات التعليمية و المجتمع و أثرهما في تكوين القيم:
لا تتكون القيم- و بالتالي الضمير- لدى الفرد نتيجة لتأثير الوالدين أو من يقوم مقامهما فحسب، وإنما يتأثر الفرد في تكوينه القيمي والضميري بمعلميه في المدرسة وبالنظم الاجتماعية المختلفة، التي تحكم المجتمعات التي ينتمي إليها الفرد في مراحل حياته المتطورة.
ويخطئ خطأ كبيراً كل من يظن أن دور المدارس والمعاهد و الكليات مقصور على التلقين النظري للمعارف و المعلومات المتنوعة.
إن دور المؤسسات التعليمية دور تربوي مهم، يتفاعل مع دورها التعليمي، إذ أن التلقين النظري للمعارف و المعلومات المتنوعة لا يكفي وحده لتكوين القيم، و بالتالي الضمير، وتعديل سلوك الفرد، بحيث تتكون لديه نظرة محددة واتجاه معين، بالنسبة إلى نشاطه في جوانب الحياة المختلفة.
والاقتصار على التلقين النظري خطأ ما بعده خطأ نظراً لما تقوم عليه الظاهرة السلوكية التي تعتمد وترتكز على أعمدة ثلاثة هي:
- إدراك الموضوع و معرفته
- الانفعال به
- ممارسته
ومن هنا تجد أن الفكر الحديث يصر على عدم الفصل بين الفكر والعمل، أو بين النظريات والتطبيق، أو بين الشعار والممارسة فكل هذه الأشياء تعني أن القيم تصبح لغواً لا قيمة له إذا أصبحت عبارة عن مجرد كلام منفصل وبعيد عن واقع الحياة التي يحياها الفرد، وعن خبراته الحية.
على هذا النحو تنشأ القيم، وتستقر في النفوس كضمائر حية فردية، وتكون بدورها الضمير العام للجماعة، وذلك من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، وفي الأسرة وفي المدرسة وفي واقع الحياة على جميع أشكالها ونظمها، وهذا فضلا عن عامل القدوة والمثل التي يحتذيها الفرد ويؤثر تأثيراً بالغاً في تكوين قيمه.
ولعل أهم هدف من أهداف الحياة في المجتمع هو مساعدة الفرد على كشف ما لديه من استعدادات، وقدرات، وإمكانات، إلى أقصى حد ممكن، والإفادة منها عن طريقة خبراته الفريدة كي يصل إلى أعلى المراتب في النضج و الرشد.
وإن إتاحة الفرص أمام كل فرد أن يعمل وفق استعداداته وإمكاناته، فيه إشاعة للطمأنينة النفسية، والثقة بالنفس، وبالآخرين، وفيه إرساء لدعائم القيم التي يجب أن تسود في المجتمع، فالعمل لا يعني مجرد بذل جهد عقلي أو مادي للتأثير على الأشياء المادية أو غير المادية المحيطة بالفرد للوصول إلى نتيجة محددة، ولكنه في حقيقته تفاعل بين الفرد والبيئة، يحاول الفرد أثناءه أن يحقق أهدافه، وأن يشبع رغباته وحاجاته وأن يجعل قيمه ومثله حقيقة واقعة، وأن يعبر عن دوافعه وصراعه وقلقه بصورة مقبولة منه ومن المجتمع في غالب الأحيان، وهو في أثناء هذا التفاعل مع الوسط الذي يعمل فيه تنمو شخصيته وتتكامل.
والقيم الصحيحة تجعل المجتمع ينظر إلى أفراده على أنهم غايات في ذاتهم ، وليسوا وسيلة الغاية، وهي تنمي في الأفراد عنصر الاحترام والتقدير، وتبذر في نفوسهم أسس التعاون والمحبة، تلك الأسس التي يقوم عليها كل مجتمع قويم.
مفهوم القيم:
تعد القيم من المفاهيم التي تدخل جوانب النشاط الإنساني كافة وتستخدم كتعبير قيمي للنظم والعلاقات البشرية، سواء أ كانت هذه النظم والعلاقات البشرية داخلية أم خارجية كالأنظمة الاجتماعية المختلفة، وسواء أكانت سلوكاً إنسانياً على مستوى الأفراد أم على مستوى الجماعات، إذ أن الإنسان بالنسبة إلي نظام أو أي علاقة بشرية، أو أي سلوك لا بد له أن يتضمن في تعامله معها أحكاماً قيمية، وإن اختلفت درجة القيمة من حيث الإلزام أو الاختيار.
ومن هنا يتضح مفهوم القيم، أنها: الأحكام التي يصدرها الإنسان على أشياء أو على موضوعات معينة، ثم يتصرف وفقاً لها خلال تفاعله مع البيئة في عناصرها المختلفة لإشباع حاجاته العديدة المتنوعة و المتغيرة.
ويستبين أثر القيم وتبرز أهميته حين يكوم الإنسان بصدد مواقف يشتد فيها الصراع بين حاجاته المختلفة من ناحية وبين الواقع من ناحية أخرى، أو حين تتعارض أساليب التوافق التيتعود عليها الفرد مع أساليب أخرى جديدة عالية، وذلك نتيجة لعوامل الحركة الدائبة والتغير المستمر في حياة الإنسان.
التغير المادي السريع وأثره في صراع القيم:
إن أي مجتمع من المجتمعات، به العديد من النظم الاجتماعية، وكل من هذه النظم تتغير من وقت لآخر بتأثير عوامل متشابكة معقدة، بيد أن الملاحظ أن التطور المادي البطيء غير المساير لعجلة التطور المادي في المجتمع.
ومن هنا كان لا بد من حدوث التناقض الحتمي بين الظواهر المتطورة، بطريقة غير متجانسة، وهذا التضاد هو الذي ينشئ حقائق اجتماعية غير سوية وجديدة في المجتمع كالنظرة المادية، والأثرة والأنانية، وضعف الروابط الاجتماعية، هذه الظواهر لها دورها في خلق وزيادة الجرائم في المجتمع.
ويرى بعض علماء الاجتماع أن التغير الاجتماعي غير المتكافئ ينتج عنه العديد من الظواهر التي تسببالعديد من المشكلات الاجتماعية، وإن الجريمة تأتي نتيجة للتطور المادي السريع غير المتكافئ في المجالات الأخرى، ويستدلون على رأيهم بازدياد نسبة الجرائم في المجتمعات التي تتوافر فيها عمليات التغير الاجتماعي والحضاري السريع.
صراع القيم و الضمير:
إن ضمير الفرد يتكون تدريجيا من القيم، أي من الأوامر والنواهي ومن المعايير والأحكام المختلفة التي يمثلها الفرد وهو صغير من والديه ومن السلطة في المجتمع الذي يعيش فيه أو بعبارة أخرى يعد الضمير هو منظومة التعاليم الدينية، والقيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية، ومبادئ السلوك التي تكون وجهة نظر الفرد في الحياة، فالضمير هو الإطار الذي ينظر إلى المجتمع من خلاله.
وإذا كانت القيم متناقضة، وكان هذا التناقض عنيفا، فلابد أنيتعرض بعض الأفراد خصوصاً الأطفال و الشباب لأن تتكون لديهم ضمائر قلقة، وقيم ومثل غير مستقرة، ومستقبل غير واضح المعالم،وأهداف غامضة، وهذا كله من شأنه أن يؤدي إلى سوء التوافق، وإلى انحرافات السلوك.
وعلى هذا فإنه ينبغي عدم إغفال أي عامل من العوامل المؤثرة في حياة الإنسان سواء كانت ذاتية أو نفسية،أو كانت خارجية في محيط البيئة بعناصرها المختلفة المادية والمعنوية،فكل هذه العوامل متشابكة ومتقاطعة. ونتيخة لهذا التفاعل يتأثر سلوك الفرد وتتأثر اتجاهاته في المجتمع، وقد يسهم ذلك بطريقة مباشرة في سلوك الفرد المنحرف مباشرة أو غير مباشرة.
القيم الإسلامية وأثرها في سلامة النفس البشرية:
إن القيم الأخلاقية في الإسلام لا تنفصم عن غيرها من القيم الروحية والنفسية والاجتماعية، لأن الهدف الأسمى من العقائد والشعائر والعبادات هو بناء الأخلاق، ولم ترد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الكريمة عبارة إلا وهي مرتبطة غاية الارتباط بالجانب الأخلاقي ومهتمة به.
والإسلام لم يجعل من العقيدة مجرد مشاعر وجدانية لتربية الوجدان، ولا مجرد وسائل تهذيبية تسمو بالروح فقط، وإنما يربط بين هذه القيم جميعها ربطاً وثيقاً محكماً، فلا عقيدة منفردة عن العبادة ولا عبادة منعزلة عن الأخلاق ولا أخلاق منفصلة عن الإيمان، وتؤدي الوراثة والبيئة دورهما في تنمية القيم الخلقية للفرد، وقد وضع الإسلام نظاماًومنهجاً فريداً لأسس التربية الخلقية، لأنه يريد أن يضمن للفرد حتى قبل ميلاده وعاء صالحاً، ومنبتاً حسناً ينتج منه، وهذا الوعاء هو ما يطلق عليه في العالم الحديث، اسم: “قانون الوارثة”. فصفات الوالدين هي التي ستكون محور التربية فيما بعد وفي هذا الشأن يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: تخيرو لنطفكم، فإن العرق دساس” 1، ويقول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام مبيناً أثر البيئة في تربية الفرد :”ما من مولود يولد إلاعلى الفطرة “2
وأما البيئة الفاسدة ففيها خطر شديد على الفطرة، حيث تمسخها وتنسرد بها، وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف العذب، وتستسيغ الفج، وذلك هو السر في انصراف فريق من الناس عن الإيمان والصلاح وقبولهم للكفر والشر مع منافاة ذلك لمنطق العقل، وضرورات أصل الخلقة، يقول المولى- سبحانه وتعالى- في حديثه القدسي الشريف: “إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم”.3
ومما لا شك فيه أن المحنة التي يمر بها العالم أجمع اليوم، ويعاني منها أشد المعاناة هي أزمة روحية، منشؤها كفره بالقيم الأخلاقية والمثل العليا التي جاء بها الدين، لا نجاة لهذا العالم مما يرتكز فيه إلا بالعودة إلى تلك القيم، و تلك المثل التى يهتدي إليها بفطرته، ومتى اهتدى العالم إلى هذه الفطرة اهتدى إلى الإسلام، لأن الإسلام هو دين الفطرة.
وعناية الإسلام بالقيم الأخلاقية وتنميتها في طبيعة النفس البشرية، إنما تكمن في ثلاثة اتجاهات هي:
1- الاهتمام بالتربية الوجدانية في النفس البشرية .
لأن هذه التربية هي الأساس في ربط النفس بخالقها سبحانه- تبارك وتعالى- إذ أنه هو الذي يعلم ما في السرائر، ويعرف خبايا النفوس، وهو الذي يراقب، قال الله سبحانه وتعالى: إن الله كان عليكم رقيبا.4 وقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ5 ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى…”6
ويقول المصطفى- صلوات الله وسلامه عليه-: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”7
فمن خلال النصوص الشريعة نرى أن الإسلام قد وضع أسس وقواعد التربية الوجدانية، باعتبارها الوازع النفسي القوي الذي يكون الإنسان بمثابة المرشد والدليل لسلوكه في الحياة ويبصره بعواقب أفعاله وسلوكه، يعد الاعتقاد بوجود خالق، مبدع، قادر، يحاسب على الكبائر والصغائر، يطلع على ما تكنه الصدور من أكبر مقومات الضمير.
وبهذه التربية الأخلاقية يتم خلق الوازع الداخلي، الذي يجعل محاسبة الإنسان نابعة من ذات نفسه، فهو يشعر بالرقابة على سلوكه وتصرفاته سواء شاهده الناس، أم كان بعيداً عن أعين الناظرين، لأنه يدرك تمام الإدراك أن الحق – سبحانه وتعالى- مطلع عليه فهو: ﴿يعلم السر وأخفى﴾.8
2-الاهتمام بتربية النفس البشرية على المحبة والمودة، وتنمية العلاقات الاجتماعية في طبيعتها.
لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، والمحور الخلقي في الإسلام يدور حول احترام فردية الفرد، والثقة في قدرته على التمييز بين الخير والشر بما أوتي من عقل وفكر، وهذه الفردية ملزمة بمجتمع، وتعد مسؤلية شخصية عن تحقيق العدل والخير فيه، وحرية الفرد فيها التزام خلقي في حدود صالح الجماعة وغيرها.
3- الاهتمام بتربية النفس البشرية على ممارسة السلوك الذي يحقق هذه القيم الأخلاقية.
ولا يتأتى هذا التهذيب للنفس البشرية إلا باتباع وامتثال ما أمر به المولى-سبحانه وتعالى- واجتناب ما نهى عنه يقول الحق- سبحانه وتعالى-: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾9
ويقول سبحانه جل شأنه في محكم آياته: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾. 10
ويقول سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾11
ويقول: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.12
إن الناظر في مدى عناية الإسلام بهذه القيم الأخلاقية يرى أن الهدف منها هو: تنمية السلوك الخلقي، على أساس شموله لما ينظم علاقة الفرد بنفسه، وعلاقته بغيره من الناس ومن الجماعات، وعلاقته بالكون، طبقاً لما أكده الإسلام، كما أنها تهدف إلى سعادة الإنسان عن طريق إرضاء خالقه سبحانه عزوجل، بحيث تصبح الأخلاق هي ذلك النشاط الذي يربط بين تعاليم الإسلام والإنسان فرداً وجماعة، وبحيث تتحول هذه التعاليم إلى حياة يومية تمارس.
إذا كان النظام الأخلاقي في الإسلام شاملًا وكاملًا فإنه من الضروري أن تكون القيم الأخلاقية شاملة ومتكاملة،بحيث تلبي غرائزه وحاجاته الكامنة في طبيعته النفسية، وبذلك يتكامل الجهاز النفسي والعضوي في الإنسان، وليست عناية الإسلام بهذه القيم الأخلاقية قائمة إلا على اعتبار أنها الأساس في التربية والتدريب والتهذيب، وهي في الوقت نفسه أسلوب علاجي ووقائي.
القيم الإسلامية وأثرها في التقدم الحضاري:
تعد الحضارة الإسلامية حضارة أخلاقية، تجمع بين الفكر والعمل، بيد أنها لا تقدس الفكرة ولا ترفعه فوق العمل، كما هو الحال والشأن في الحضارة اليونانية القديمة.
والحضارة الإسلامية حضارة تجمع بين الناحية المادية والناحية الروحية في الأفراد وترى أن المجتمع المتكامل، هو المجتمع الذي لا يحمل الحوافز المادية إلى جانب الحوافز الروحية في عملية التطور،ومن هنا كانت الأمة الإسلامية الآخذة بهذه الحضارة أمة وسطاً، يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾13
والقيم الإسلامية الدافعه إلى الحضارة ليست قيماً مستقلة بذاتها، وإنما هي قيم ذات فعاليات إيجابية في واقع المجتمع، ويمكن أن يقاس مدى فاعلية هذه القيم من حيث القوة والضعف، بالنظر إلى سلوك الأفراد الذين يعتنقونها ويسيرون على هديها، ووفقاً لمبادئها ومنهجها، فليس في الإسلام تفرقة بين القيم الذاتية والقيم الخارجية.
وهذا هو ما يميز الإسلام عن بقية الأديان، والمذاهب والفلسفات الأخرى، فالإسلام يرى أولاً وذلك ليجعل النفوس مهيأة لتلقي أحكامه ثم يدعو الناس إليها ثم يقيم من أنفسهم حراسا عليها.
والإسلام لا يحفل ولا يعني بالمعاني المجردة، حيث إنه دين عمل أساساً فهو عندما يحكم على الفرد إنما يحكم بما يتمثل في سلوكه العملي من القيم لأن سلوكه نابع عما بداخله من مبادئ، يقول الحق سبحانه وتعالى:﴿قل اعملوافسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾14
إن القيم الأخلاقية هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال وتصون الحضارة والمدنية من الضياع، ودونها لا تنهض الأمم، ولا تقوى الدول مهما بلغت من العلم والازدهار فالعلم والأخلاق لا تستغني عنهما المجتمعات ولاتستغني المبادئ والقيم عن الضمائر الحية، التي لها تأثيرها الفعال في حماية النفس البشرية.
ولا يكون متوافقاً مع نفسه ومع مجتمعه ولكي يكون بعيداً عن الصراع والقلق والتوتر النفسي وجب أن يكون القيم والمعاير والمعتقدات والمبادئ الخلقية التي تستخدمها في الحكم على دوافعه وسلوكه- والتي يهتدي به في أفعاله وتصرفاته كافة- أن تكون قد أكسبت لديه صفة الاستقرار النسبي، وليس هناك أدنى تعارض أو تناقض بين بعضها والبعض الآخر، حيث إن ذلك كله يعد حصيلة التطبيع الاجتماعي.
ويعد استقرار القيم وانسجامها، العامل الأساسي والفاعل في الاستقرار والانفعال لدى جميع الأفراد.
وبقدر ما تكون هذه القيم جزءاً متكاملاً مع الكيان النفسي للفرد بقدر ما يسود المجتمع من طاقات إنسانية خلاقة جديرة بدفع عجلته نحو التقدم والازدهار.
ومن الضروري لتفهم العلاقات الاجتماعية، وإدراك عواقب السلوك، أن يكون هناك الثواب والعقاب الذي يعود على الذات.
كما أن الإسلام يهدف أول ما يهدف إلى خلق مجتمع واع، يسعد به أبناؤه، مجتمع صالح يكثر في الخير، ويتضاءل فيه الشر، مجتمع يجب أن يخضع سلوك الفرد فيه خضوعاً كلياً وجزئياً لتوجيهات القرآن الكريم والسنة الشريفة حتى يسعد مجتمعه وترقى به أمته وينعم بحياة هانئة في دنياه، سعيدة في أخراه.
المراجع والمصادر:
- رواه ابن ماجه رقم الحديث 1967.
- رواه البخاري: رقم الحديث 4775، و مسلم رقم الحديث 2658.
- أخرجه مسلم في صحيحه رقم الحديث 2765.
- سورة النساء: 1
- سورة التوبة : 78
- متفق عليه، الصحيح البخاري رقم الحديث: 1، الصحيح مسلم برقم: 1907
- أخرجه البخاري في صحيحه برقم: 50، 4777. و مسلم برقم 8.
- سورة طه: 7
- آل عمران: 31
- سورة النساء: 80
- سورة الحشر: 7
- سورة النساء: 65
- سورة البقرة: 107
- سورة التوبة: 105
- مجلة التربية, مجلة علمية محكمة للبحوث التربويةو النفسية و الإجتماعية, العدد 153, ابريل,
2013.
- القيمالإنسانية في العمارة الإسلامية, مصطفى عبد الحميد محمد, قسم الهندسة المعمارية, كلية.
الهندسة, جامعةأسيوط, 2008.
- حجة الله البالغة,الشاه ولي الله الدهلوي, دار الجيل، بيروت, لبنان الطبعة: الأولى، 2005م,
عدد المجلدات: 2.
- تفهيم القران, سيد ابو الاعلى المودودي, ادارة ترجمان القران لاهور, باكستان.
- القيم الإنسانية وأثرها في الانسان والمجتمع, حسن العطار.
