Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 07, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

الفقر عند الصوفية: سفرٌ في سرّ الافتقار إلى الله

  الدكتور شكيل الشفائي محاضر باللغة الأردية  في المدرسة الثانوية العليا الحكومية سرينجر كشمير بالهند __________________________________________________   Abstract: This paper explores the meaning of “poverty” (al-faqr) in Islamic Sufism. It clarifies that Sufi poverty is not a lack of wealth or possessions, but a profound inner dependence on God, a state in which the seeker… View Article

الفقر عند الصوفية: سفرٌ في سرّ الافتقار إلى الله

 

الدكتور شكيل الشفائي

محاضر باللغة الأردية  في المدرسة الثانوية العليا الحكومية

سرينجر كشمير بالهند

__________________________________________________

 

Abstract: This paper explores the meaning of “poverty” (al-faqr) in Islamic Sufism. It clarifies that Sufi poverty is not a lack of wealth or possessions, but a profound inner dependence on God, a state in which the seeker recognizes that everything comes from Him alone. The text discusses levels of spiritual poverty, its definitions by major Sufi masters, and the distinction between praiseworthy poverty—which generates patience, gratitude, and piety—and blameworthy poverty, which leads to humiliation and reliance on people rather than God.The paper refutes the misconception that Sufi poverty hindered Muslim progress. On the contrary, history shows that Sufis were essential in spreading Islam, uplifting societies, resisting foreign invasions, nurturing scholarship, healing communities during crises like the Mongol invasion, and forming the moral backbone of Muslim civilization.The conclusion asserts that the decline of true Sufism is one of the root causes of moral and spiritual weakness in modern Muslim societies, for Sufism once kept hearts tied firmly to the essence of Islam.

 

الملخّص : تتناول هذه المقالة  مفهومَ الفقر في التصوّف الإسلامي، وتبيّن أن الفقر عند الصوفية ليس مجرد انعدام المال أو التخلي عن متاع الدنيا، بل هو افتقارٌ روحي إلى الله، وشعورٌ دائم بأن العبد لا يملك من أمره شيئاً. وقد اتخذ الصوفية الفقر شعارًا؛ لأنه يُطهّر النفس من التعلق بالدنيا ويعيدها إلى مقام العبودية الخالصة.

تتناول المقالة درجات الفقر، ومعناه عند كبار مشايخ التصوف، والفرق بين الفقر المحمود الذي ينتج التقوى والصبر، والفقر المذموم الذي يفضي إلى الذل والاعتماد على الناس. و تردّ المقالة  على الشبهة القائلة بأن الفقر الصوفي عطّل تقدّم المسلمين، وتثبت — بالوقائع التاريخية — أن الصوفية كانوا عماد الجهاد، ونشر الإسلام، وتربية النفوس، وبناء الحضارة الروحية في الأمة، وأنهم كانوا سنداً للمجتمع في الفتن الكبرى كالتتار والاستعمار.

وتختم المقالة بأن ضعف التصوف في الأمة هو السبب في تشتّت القيم، وانفلات النفس، وانهيار روح الأخلاق، لأن التصوف كان ولا يزال وثاقًا يمسك المسلم بعمود الإسلام فلا يبتعد عنه.

المقدمة : أولَ ما نصادف كلمةَ ” الفقر” في كتب الصوفية وأقوالهم ، يتبادر إلى أذهاننا أن المراد بالفقر عدمُ المال والنقود والأملاك ، وغير ذلك مما يُعَدُّ به الرجلُ غنيًّا- وهذا من جهةٍ ليس مما يُتَعَجَّبُ منه لأن كلمة الفقر كما وردت في النصوص الشرعية تدل على ذلك المعنى ، قال الله تعالى :

” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين ” (التوبة: 60

وكثيرٌ من الآيات يشير إلى الفقر بمعنى الإفلاس والمسكنة والاحتياج و التعويل على المال ، ولذلك حثَّ القرآنُ المؤمنين على إنفاق المال وأداء الصدقة ندبًا أو وجوبًا، حتى تُقضى حوائجُ الفقراء والمساكين وهو المراد غالبًا من هذا اللفظ في القرآن الكريم ، وهو الفقر الذي استعاذ منه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال:

“اللهم إني أعوذ بك من الفقر والمسكنة”

لكن وردت هذه الكلمة في القرآن بمعنى الافتقار إلى الله تعالى أيضًا ، وذلك عامٌّ للبشر بل لجميع المخلوقات ، كما قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّه” (فاطر: 15

وهذا هو المعنى الثاني الذي يُراد من الفقر في مصطلح الصوفية-

قال شيخ الإسلام أبو يحيٰ زكريا الأنصاري الشافعي في هامشه على الرسالة للقشيري ما نصّه :

” الفقر هو التبري من رؤية الملكة و يقال هو إرسال النفس في أحكام الله تعالى و يقال غير ذلك و سيأتي بعضه وهو على ثلاث درجات : الأولى وهو فقر الزهاد التبري من رؤية الفقر ، و الثانية التبري من رؤية الأعمال و الأحوال و المقامات ، و الثالثة التبري من رؤية كونه متبرياً وهو بكل حال ممدوح و مطلوب (1)

معنى الدرجة الأولى هو أن يكون السالك في فقر لا يراه ولا يحسّ به لأنه يعلم أن الله هو الذي اختار له الفقر و ليس له أي خيرة في أن يخالف ما رضی الله له –

و معنى الدرجة الثانية هو أن لا يرى السالك لنفسه فضيلة في الأعمال الصالحة و الأحوال الرفيعة و المقامات السامية التي قام بها أو حصلت له أثناء سلوكه في الطريق لأنه يعلم أن كل هذه الأعمال و الأحوال و المقامات لم تتحقق له إلا بمشيئة الله تعالى –

معنى الدرجة الثالثة هو ألا يرى السالك نفسَه متبرياً مما هو متبرياً منه لأن الله لو لم يُرد له هذا ما تكمن من التبري من شيئ فالحمد لله وحده و ليس للسالك أي مدح فيه –

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن المسكين ليس بالطوّاف الذي ترده اللقمة و اللقمتان و التمرة و التمرتان” قال فقيل من المسكين يا رسول الله ؟ قال : ” الذي لا يجد ما يغنيه و يستحي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه(2)

يكتب الإمام القشيري في شرح جملة ” يستحي أن يسأل الناس” : ” أى يستحي من الله تعالى أن يسأل الناس لا انه يستحي من الناس (3)

يعني المسكين هو الذي يستحي من الله لا من الناس لأنه يعلم أن حوائجه كلها متعلقة بالله وحده لا بالمخلوق و كيف يسأل الناس والرب موجود قادر على قضاء حاجتهٖ و هذا مقام يبلغه ولي من أولياء الله لاغير من العوام و العوام قد يجوز لهم السؤال عند الحاجة ولا يلامون عليه ولذا كتب الإمام القشيري فيما بعد : ” الفقر شعار الأولياء و حلية الأصفياء و اختيار الحق سبحانه لخواصه من الأتفياء و الأنبياء – و الفقراء صفوة الله عز و جل من عباده و مواضع أسراره بين خلقه ، بهم يصون الخلق و ببركاتهم يبسط عليهم الرزق ، و الفقراء الصُّبَّر جلساء الله تعالى يوم القيامة بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم (4)

و قد شرحه يحيى بن معاذ بوضوح إذ سئل عن الفقر فقال :

” حقيقته أن لا يستغني إلا بالله و رسمه عدم الأسباب كلها(5)

يعني ترك الأسباب ليس أصل الفقر بل هو صورته و رسمه قد يوجد أو لا يوجد إنما أصل الفقر هو الاستغناء عن الناس و الافتقار إلى الله حيث وجد فهو الفقر – و كان ابراهيم القصار يقول:

” الفقر لباس يورث الرضا إذا تحقق العبد فيه(6)

لا يقصد من اللباس هنا ما يرتديه الإنسان و يستر بدنه به بل اللباس هنا في معنى الرجوع إلى الله و الاعتماد عليه والقيام بالواجبات الشرعية و ذاك الشيئ الذي يحصل به الرضا و يتحقق العبد فيه – يقول الإمام القشيري سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ” قام فقير في مجلس يطلب شيئًا فقال إني جائع منذ ثلاث و كان هناك بعض المشايخ فصاح عليه و قال: كذبت إن الفقر سر الله لا يضع عند من يحمله إلى من يريد(7)

يا سلام! ما أحسن ما قال ذلك الشيخ يعني الفقر سر بين العبد و ربه لا يطلع عليه غيرهما و إذا أفشىٰ العبد هذا السر و جعل يسأل الناس و أعرض عن الله سبحانه فمعنى ذلك أنه لم يكن من الصوفية أصلا و إنما كان ينسب نفسه إليهم زوراً –

الفقرُ عند الصوفية ليس له علاقة بسؤال الناس عن أشياء يحتاج إليها الإنسان عادةً ، بل له علاقةٌ بالله سبحانه فإذا كان الصوفي في خلوةٍ لا يراه أحد ، فكيف يكون تعاملُه مع الله؟ لأنه ، على خلاف العوام ، عزم أن يمشي على سبيل معرفة الله –

قال أبو جعفر الفرغاني: سمعتُ الجنيدَ يقول:

” يا معشرَ الفقراء ! إنكم تُعرَفون بالله وتُكرَمون لله تعالى ، فانظروا كيف تكونون مع الله تعالى إذا خلَوتم به (8)

والفقيرُ في مصطلح الصوفية ليس من مدَّ يده أمام الناس لحاجةٍ أصابته ، أو ليسدَّ جوعَ بطنٍ أحرقه ، أو ليسترَ بدنَه من بردٍ أرجفه ، بل الفقيرُ عندهم من قام بحفظ سرِّه إذا خاف إفشاءَه ، وأداءِ الفرض إذا خاف فقدَه ، وصيانةِ فقره إذا خاف أن يضطرَّه الاضطرارُ إلى باب الناس لقضاء الحاجة –

وقد ورد أن رُوَيْمًا الصوفيَّ الشهير سُئل عن نَعْتِ الفقير فقال :

” إرسالُ النفس في أحكام الله ”

وقيل : نَعْتُ الفقير ثلاثةُ أشياء : حفظُ سرِّه ، وأداءُ فرضِه ، وصيانةُ فقرِه (9)

ويقول أبو حفص :

” أحسنُ ما يتوسلُ به العبدُ إلى مولاه دوامُ الفقر إليه على جميع الأحوال ، وملازمةُ السُّنَّة في جميع الأفعال ، وطلبُ القوت من وجهٍ حلال (10)

سبحان الله! ما أجملَ هذا الكلام وما أحسنَه !

أيُّ شيءٍ يتوسل به العبدُ إلى الله؟ بثلاثةِ أحوال:

الحالُ الأول: افتقارُه إليه على الدوام ، أي أن يظلَّ العبدُ مفتقرًا إلى الله منذ شعر أن الله تعالى هو قاضي الحاجات كلِّها –

والحالُ الثاني: أخذه بالسُّنَّة النبوية الرشيدة في جميع الأفعال ، سرًّا أو علانيةً –

والحالُ الثالث: طلبُ الرزق الحلال ، ومعناه أن الصوفيَّ يخرج من بيته في طلب القوت الحلال لنفسه ولأهله ، ولا يكرهه ، لأن السعي في طلب القوت الحلال مما يرضى اللهُ سبحانه عنه ، ورضا الله أكبرُ وأحسنُ وأجملُ وأكملُ إذا حصل للعبد في الدنيا والآخرة –

قد فشا في الناس خطأ مفاده أن الصوفية هم الذين يقضون حياتهم عاكفين على الناس لا يعملون ولا يكتسبون ولا ينفقون ولا يقومون بأداء الفرائض نحو أهلهم أو مجتمعهم يعيشون فيه – لهم شغل واحد وهو المكث في زواياهم يعبدون و يذكرون –

والحق أحوال الصوفية تنقض هذه الفكرة الفاسدة و تبين أنهم ما صاروا قط غافلين عن مسئوليتهم نحو أهلهم أو مجتمعهم –

يقول أبو على الروذباري : كان أربعة في زمانهم –

واحد كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شيئًا وهو يوسف بن أسباط ورث من أبيه سبعين ألف درهم ولم يأخذ منها شيئًا و كان يعمل الخوص بيده –

و آخر كان يأخذ من الإخوان و السلطان جميعًا وهو أبو اسحٰق الفزاري ، فكان ما أخذه من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون ، والذي كان يأخذ من السلطان كان يخرجه إلى أهل طرطوس –

و الثالث كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وهو عبدالله بن المبارك يأخذ من الإخوان و يكافئ عليه –

و الرابع كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان وهو مخلد بن الحسين كان يقول السلطان لا يمنّ و الإخوان يمنّون (11)

و قصد كل منهم جميل و إن تفاوتوا في الأعمال –

و قيل : ” أقلّ ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء :

” علم يسوسه و ورع يحجزه و يقين يحمله و ذكر يؤنسه (12)

يعني الفقير عند الصوفية من كان له علم بشريعة الله – حلالها و حرامها – لكيلا يتزهد عن عمل أحله الله أو يدخل في عمل حرّمه الله فإن كلتا حالتين تمنعانه من الوصول إلى أقرب الدرجات و أعلاها عند الله سبحانه –

والفقير عندهم من كان له ورع يحجزه من ارتكاب المعاصى صغيرة كانت أو كبيرة –

والفقير عندهم من كان له يقين يحمله على الاعتماد على الله تعالى أنه هو الكفيل يكفيه في كل أمر مهم وهو المؤوي يؤويه من كل شر اقترب منه –

والفقير عندهم من لا يزال يذكر الله في السراء و الضراء و لا ينسى أنه ما دام يذكر ربَّه يذكره ربُّه –

فأين هذا العمل السامي يا إخوان من اعتقاد بعض الناس أن الفقر في الصوفية يفضي إلى تعطل الأعمال و انتشار الأفكار و تضعيف العقائد و العكوف على أموال الناس –

سبحانك هذا بهتان عظيم !!

نعم كان من دأب الصوفية أن ينقطعوا عن الناس مدة يتفرغون فيها لتزكية النفس و تطهيرها من دنس الاعتقاد و الأعمال السيئة و تصفية القلب من الرذائل و لهم فيها أسوة في حياة الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في الخبر الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حُبّب إليه الخلاء قبل نزول الوحى بقليل و قد أشار إليه المحققون أن تلك المدة إنما كانت وقفة لكي يتجهز فيها الرسول لتلقي الوحى من الله تعالى –

ثم يخرجون من الخلوة و يأتون الناس بالدعوة إلى الله سبحانه و تهذيب نفوسهم و طهارة قلوبهم و هذا موافق لأسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم –

و كذا في موقفهم من الدنيا – إنهم لا يتركون الدنيا وما جعله الله سبحانه حلالاً للعباد و إنما یأکّدون علی إخراج حبّ الدنيا من القلوب حتىٰ لا يصير الإنسان كالكلب الذي لا يزال يسعى لملءِ البطن و إتيان الشهوة و ذلك أن الإنسان لو صار كالكلب أفسد في الأرض و فقد العقل و الشعور و جعل يقتل الأبناء مثله و يجمع المال و لا يبالي من أي طريق حصل عليه من حلال أو من حرام –

قد أورد الإمام القشيري في رسالته أن الصوفي الجليل يحيى بن معاذ تذاكر عنده الناسُ الفقر و الغنى فقال : ” لا يوزن غداً لا الفقر ولا الغنى و إنما يوزن الصبرو الشكر فيقال يشكر و يصبر  ( 13)

و قال الزقاق: ” من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض(14)

و كان أبوبكر بن طاهر يقول: ” من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة فإن كان و لابدّ فلا تجاوز رغبته كفايته(15)

و لنا في هذه الأقوال دروس مهمة :

الأول هو أن الفقر إن لم يولِّد الصبر عما يرغب الإنسان فيه فلا وزن لفقره يوم القيامة و كذا الغنى إن لم يولِّد الشكر على نعم الله فلا وزن لغناه يوم القيامة ، فالاعتبار بثمرة الفقر و الشكر لا بصورتهما –

والثاني أن التقوىٰ هي أساس الفقر يتقوىٰ بها السالك على ترك الحرام وإن لم يكن هذا الأساس موجوداً في الفقر فلا بد للسالك أن يقع في الحرام –

والثالث أن لا يكون السالك راغبا فيما عند الناس من المال و الذهب و المباني الشاهقة و السيارات المريحة و غيرها من متاع الحياة و إن كان لا بد له منه فليأخذ على قدر الكفاف و إلا فيمكن أن يكون في زمرة الفقراء في أعين الناس ولا يكون منهم عند الله وهي خسارة عظيمة –

يكتب الإمام أبوطالب المكي في كتابه الشهير ” قُوْتِ القلوب في معاملة المحبوب” :

و روينا عن على (رضي الله عنه) أن لله في خلقه مثوبات فقر و عقوبات فقر ، فمِن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه ، يطيع به ربه ، ولا يشكو حاله ، و يشكر الله على فقره – و مِن علامات الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه و يعصي به ربه و يكثر الشكاية و يتسخط القضاء ، فهذا كما قال رضي الله عنه – و هذا النوع الذي هو عقوبة من الفقر هو الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو فقر النفس ، لأن الفقر من المال إنما هو الافتقار إلى الخلق و الفقر إلى الأشياء مع عدم صدق الحال(16)

معناه الفقر إما يكون مثوبة و إما يكون عقوبة و لكل منهما علامات – فمن كان حسن الخلق و مطيع الرب و مع ذلك لا يكون شاكياً من حاله بل كان شاكراً لله تعالى على نعمه فهو فقر المثوبة و من كان سيئ الخلق و عاصي الرب و مع ذلك يكثر من الشكاية ولا يرضى بقضاء الله فهو فقر العقوبة و فقر العقوبة هو فقر النفس الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم و يظهر بصورة أن يكون السالك مفتقراً إلى الخلق و طالبا للأشياء و ذلك يدل على فقدان صدق حالهٖ –

اتّضح من خلال الحديث حتى الآن أن الفقر في مصطلح الصوفية لا يلزم أن يكون السالك بغير مال أو أهل كما فهمه طبقة من الناس في زماننا خطأً ، و قبل أن نجيب عن هذا السؤال الذي أثاره بعض الناس ” هل الفقر في التصوف كان إحدى عقبات في طرق التقدم ؟ ” يحسن أن نتكلم عن السبب في اتخاذ الصوفية فقراً شعاراً لهم –

إنه قد مضى على المسلمين زمان إذ كان فيه مال الدنيا كله تحت أقدامهم و كانت الأطعمة اللذيذة و الملابس الملوّنة و المباني الفاخرة و أكوام الذهب والفضة متوفرة لهم فتولدت فيهم رغبة إلى الدنيا و زينتها و نسوا الآخرة و نعيمها كما نشأ فيهم الحسد و البغض و العداوة التي دفعتهم إلى الحرب و الظلم و العدوان و كادت سفينة الأمة تغرق في ظلمات البحر إذ ظهرت طائفة من عباد المسلمين و زهادهم فجعلوا يدعون الناس إلى بساطة الإسلام والمحبة فيما بينهم و ترك رفاهية الحياة لا لأن الدنيا شيئ محظور عنه بل لأن الاستغراق في أمور الدنيا يثمر البعد عن الله و رسوله و الآخرة و تكون الدنيا محور الحياة و مركزها و قد كان رسول الله يدعو الله سبحانه أن لا يجعل لهم الدنيا أكبر همهم و مبلغ علمهم – و كان صلى الله عليه وسلم قد حذّر الأمة من عاقبة السوء كما كان للأمم السابقة حين تنافسوا في الدنيا و مألوفتها فقال ” لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم (17)

يكتب الشيخ عبد القادر الرافعي الفاروقي الطرابلسي في كتابه ” إحياء القلوب” ما نصّه:

” أعلى درجات الزهد أن تزهد فيما سوى الله تعالى طلباً لوجه الله تعالى إلا ما لا بدّ منه لسدِّ الضرورة فإن الدنيا كنهر طالوت المرموز إليه بقولهٖ تعالى ( إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني و من لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيدهٖ ) يعني من تضلع من نهر الدنيا ارتواءً واتخذها رداء فليس من حضرة الله في شيئ فإن أهل الله تعالى بأسرها أجمعوا على أن حبّ الدنيا و حبّ الله لا يجتمعان في قلب ومن لم يطعمه أى يذقه ولا يشرب منه أصلاً وهو القلب الخالي من الأغيار الذي لم تقذّره الأقذار فإنه مني أى من أهل حضرتي و خواص أهل دولتي إلا ما كان بقدرهٖ فإنه مستثنىٰ لا بدّ منه وهو المشار إليه بقولهٖ ( إلا من اغترف بيدهٖ ) (18)

مفاد كلام الشيخ أن الاستغراق و الولوع بأمور الدنيا ، مما يُنسى ذكر الله و حسن العمل و رضا الله ، مذموم و مَن أخذ مِن الدنيا نصيبه بأحسن المقدار فليس بمذموم لأنه مما لا بدّ منه –

فيجب علينا أن نميّز الفرق بين الفقر المحمود و الفقر المذموم فأول الذكر طريقة الصوفية و ثاني الذكر طريقة الذين يصدق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم” من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع ليس عليه لحم” و في خبر آخر ” كانت مسألته خدوجاً و كدوحاً في وجهه(19)

يكتب الشيخ عبدالعزيز الديريني في كتابه ” طهارة القلوب و الخضوع لعلّام الغيوب”

” الفقر عام و خاص – فالعام الحاجة إلى الله تعالى و هذا وصف كل مخلوق مؤمن و كافر وهو معنى قوله (ياأيهاالناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني الحميد) و الخاص وصف أولياء الله تعالى و أحبابه وهو خلو اليد من الدنيا و خلو القلب من التعلق بها اشتغالاً بالله تعالى و شوقاً إلى الله تعالى و أنساً بالفراغ و الخلوة مع الله تعالى (20)

حكي أن شقيق البلخي خرج قاصدا الحجَّ فلقي هناك الشيخ ابراهيم بن أدهم فسأله ابراهيم بن أدهم من أين أخذت هذا الطريق ؟ ( يعني طريق الصوفية) فأجاب الشقيق: إني خرجت يومًا للتجارة فإذا أنا بعصفور مكسور الجناح في موضع خرب فوقفت أنظر كيف يصل إليه رزقه ؟ بینما أنا أفكر في ذلك إذ في تلك الأثناء جاء عصفور آخر و في منقاره حبة فألقاها في منقار العصفور الأول فاعتبرت من هذا المنظر فتركت الكسب و انقطعت للعبادة – فقال له ابراهيم بن أدهم : لما لا تحب أن تكون مثل العصفور الثاني بدل العصفور الأول لتكون أفضل منه ، ألا تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اليد العلياء خير من اليد السفلى – المؤمن دائمًا يبحث عن أفضل الأمرين –

سبحان الله ! ما شأن ابراهيم بن أدهم ! كيف علّم شقيقاً روح الفقر و مغزاه ؟ يعني أن تكون تكسب بيدك ثم تنفق على ذوي الحاجات و نوائب الحق خير لك من أن تكون في ناحية من نواحى المسجد أو الزاوية ترقب من جاء إليك بشيئ من الطعام و تطمئن أنك من الفقراء

بقيت أخيراً مسئلة يسوّد حولها بعض المصنفين صفحات ليثبتوا أن فكرة الفقر في نظام التصوف كانت سبباً قويّاً في وضع العقبات في طرق التقدم –

فليُعلم أن هذا ليس بصواب والوقائع التاريخية تنفي هذه الفكرة – إن التاريخ شاهد بأن رجال الإسلام الذين أدّوا دوراً مهمّاً في نشر الدين و غرسه في قلوب الناس و هدوهم إلى صراط مستقيم و أخرجوهم من الظلمات إلى النور حتى استطاع المسلمون في العالَم أن يعمّروا الحضارة الإسلامية الراقية السامية التي لم تزل على مر الدهور تنفع الناس من طبقات شتّىٰ بأثمارها و إنتاجها كانوا متزيّنين بلباس التقوى و الزهد و الورع و جُلّهم كانوا من الصوفية.

من تصفح صفحات التاريخ تبين له أن الإسلام لم يبلغ إلى أقصىٰ أنحاء العالَم إلا بفضل الصوفية ، فهم الذين خرجوا من ديارهم يسمّون هذا السفر ب” السياحة”و جعلوه أحد أركان الطريق و واجهوا في أثناء هذه الأسفار مشكلات و محنا ما لا تُوصف بألالفاظ و مع ذلك لم يزالوا يجولون في البلاد و ينشرون دين الإسلام إلى سُكّانها و أقاموا فيها مدارس و زوايا و صنعوا فيها طعاماً للفقراء و المساكين و أبناء السبيل و علّموا الناس آداب الإسلام و تعاليمه يعاملونهم معاملة الأب الشفيق بالولد الضعيف أو الطبيب المخلص بمريضه الحبيب –

هذه صورتهم من خلال خدماتهم نحو البشرية و لهم صورة أخرى وهى أنهم أدوا نحْبَهم في تربية النفوس وفقَ روحِ الإسلام و أعدّوهم للجهاد في سبيل الله إذا دعت إليه الأوان فمثلا إذا احتلّت أنجاس النصارىٰ القدس و بقيت تحت احتلالهم تسعين سنة ثم قام الملك نور الدين الزنكي و الملك صلاح الدين أيوبي رحمهما الله و بذلا غاية الجهد لتحرير القدس من أيدي النصارىٰ و هذا معروف في التاريخ الإسلامي ولكنّ قليلاً من الناس يعلمون أن الجنود الذين جهّزهم هذان المجاهدان كانوا مشتملين على عدد كبير من الصوفية الذين ربّاهم حجة الإسلام الإمام الغزالي و الإمام الشيخ عبد القادر الجيلي رحمهما الله في خوانقهم و زواياهم سنين طويلة قبل ظهور السلطان نور الدين و السلطان صلاح الدين –

و قد ألقى الضوء على هذه الحقيقة الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه ” هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا عادت القدس” –(21)

كل من طالع التاريخ الإسلامي يعلم أن صدمة كبرىٰ وقعت على بلاد العرب و سكانها في القرن السادس الهجري و استمرّ أثرها زمناًطويلاً وهى الهجوم التتاري الذي لم يترك بلداً دخلوه إلا خرّبوه و دمّروہ و أفسدوا فيه و قتلوا ملايين من سكانها ففترت همم المسلمين و ضعفت عزائمهم و سيطر عليهم خوف ما زلزل بنيان اعتقادهم و ثقتهم بالله و الإسلام حتى كادت أمة اسلامية تفقد ھویّتها إذ جاءت طبقات الصوفية و جعلوا يعيدون إلى المسلمين ثقتهم بالله و تولّوا أمرهم و تكفلوا ضرورياتهم الدينية و أخرجوهم من ظلال الظلام إلى نور الأمل – لو لا الصوفية ما تمكنت الأمة العود إلى بذورها الأصلية –

في مطلع القرن الثامن عشر و التاسع عشر الميلاديين حين بدأ الاستعمار الأروبي يحتلّ بلاد المسلمين و يستعبد سكانها في آسيا و إفريقيا فمن كان غيرُ الصوفية قاومهم حِفاظاً على بلدانهم و دينهم ؟ ومن كان غيرُهم أعلن الجهاد للمحافظة على مقدساتهم الدينية حتى ضحّىٰ بعضهم بأنفسهم في هذا السبيل –

لم يكن الاستعمار الأروبي يهدف إلى قبض الموارد الطبيعية في بلاد المسلمين فحسب بل كان وراء الستار يسعى إلى نشر الديانة المسيحية بين أجيال المسلمين –

فمن كان غيرُ الصوفية قام بالمناظرة و المقاومة لدعم الاسلام و المسلمين و الدفاع عنهم و الذب عن حياضهم –

والحق أن المجتمع الإسلامي لم يزل باقياً على طراز الجيل الأول ما دام التصوف بجميع مميّزاته موجودا فيه و منها الفقر برأسها و حيث ضعف رجحان المسلمين و ميلهم إلى التصوف و علماءه و شيوخه فشت فيهم جرائم متنوعة فصاروا كالكفار و المشركين و الملحدين في أفكارهم و معتقداتهم و أعمالهم و معاملاتهم و معاشرتهم و لم يبق فرق بينهم و بينهم إلا قليل ما لا يعبأ به –

عَمِل التصوف في المجتمع الإسلامي علی مر الدھور کالحبل في الوتد الذي يعقد به الحصان فيجعله يذهب يميناً حيناً و شمالاً حيناً آخر أو يدور حوله لكن كلما بعُد عن الوتد جرّه الحبل إليه فلا يتمكن الحصان من الخروج من الدائرة و هكذا التصوف يجعل المسلم معقوداً بوتد الإسلام و كلما حاول الخروج منه أعاده إليه –

و من الأسف كل الأسف أن هذا الحبل انقطع في زماننا فصار حصان النفس حُرّاً يتبع هواها –

الخاتمة: يتبيّن من خلال هذا البحث أن مفهوم الفقر عند الصوفية ليس حالة حرمان مادي ولا صورة اجتماعية من صور العوز، بل هو مقام روحي عميق، ووعي وجودي، يقوم على الافتقار المطلق إلى الله، والتحرر من وهم الملك والاستقلال، وترسيخ العبودية الخالصة في القلب والسلوك. فالفقر الصوفي ليس انسحابًا من الحياة، بل إعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بالعالم، حيث يكون الله هو المقصد، والدنيا وسيلة، والعمل عبادة، والكسب مسؤولية، والتوكل وعيًا لا تواكلًا.

وقد كشف البحث أن التصوف الأصيل لم يكن يومًا مشروع تعطيل للحضارة أو تبريرًا للكسل والجمود، بل كان — في جوهره — مشروع بناء للإنسان قبل بناء العمران، وتأسيسًا للأخلاق قبل تشييد المؤسسات، وأن الفقر الصوفي الحقيقي أسهم في صناعة نماذج بشرية فاعلة في العلم، والدعوة، والجهاد، والإصلاح الاجتماعي، ونشر الإسلام، وحماية الهوية الحضارية للأمة في أزمنة الضعف والانكسار. كما يخلص البحث إلى أن الأزمة المعاصرة ليست في الفقر الصوفي، بل في غياب الفقر الصوفي؛ أي في غياب الافتقار إلى الله، وهيمنة النزعة المادية، وتضخم الأنا، وتقديس القوة والسلطة والمنفعة، مما أدى إلى تصحّر روحي، وانهيار قيمي، واختلال في ميزان الإنسان بين المادة والمعنى.

وعليه، فإن إحياء مفهوم الفقر الصوفي إحياءً معرفيًا وتربويًا وأخلاقيًا، لا بوصفه خطابًا وعظيًا مجردًا، بل بوصفه منظومة قيمية حضارية، يمثل مدخلًا أصيلًا لإعادة بناء الإنسان المسلم، وترميم الوعي الروحي، واستعادة التوازن بين الدين والحياة، والعبادة والعمل، والروح والمادة. فالفقر إلى الله ليس ضعفًا، بل قوة؛ وليس هزيمة، بل تحرر؛ وليس فقدًا، بل امتلاءً بالله.

الهوامش :

1۔ الرسالة للقشيري ص 263 باب الفقر – مؤسسة الكتب الثقافية ، طبع 2000

2۔  رواه القشيري في رسالته بسنده عن عبد الله بن مسعود عزاه محشّيه إلى المسند للإمام أحمد و الحلية لأبي نعيم –

رواه أحمد في مسنده تحت الرقم 4259 غير أن فيه ” الذي لا يسأل الناس” بدلاً من ” ويستحي أن يسأل الناس” لعل كلمة ” يستحي” تكون في الحلية – والله أعلم

3۔ نفس المصدر ص 264

4۔ نفس المصدر

5۔ نفس المصدر

6۔ نفس المصدر ص 265

7۔ نفس المصدر 

8۔ نفس المصدر 

9۔ نفس المصدر

10۔ نفس المصدر ص 267

11۔ نفس المصدر ص 268

12۔ نفس المصدر

13۔ قوت القلوب للإمام أبي طالب المكي ص 415 ج 2

المكتبة التوفيقية ، قاهره ، مصر

14۔ نفس المصدر

15۔ نفس المصدر

16۔ نفس المصدر

17۔ البخاری – کتاب الرقاق رقم الحدیث 3158 و باب الجزية 6425

18۔ إحياء القلوب ص 189

المطبعة العثمانية المصرية ك – أول 1296ھ

19۔ نفس المصدر

20۔ طهارة القلوب و الخضوع لعلام الغيوب ص 14

دارالكتب – بيروت – لبنان

21۔ الفقه و التصوف ص 167/68

نظام التعليم عن بُعد ، جامعة مولانا آزاد الوطنية الأُردية ، حيدر آباد  طبع : 2003