Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 07, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

دراسة  في &#822 0;رباعية الدم والنار” ،للأستاذ عبد الملك مرتاض

  أ.د/ محمد الأمين خلادي مخبر الدراسات الإفريقية للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية كلية الآداب واللغات، قسم اللغة والأدب العربي، جامعة أحمد دراية- أدرار، الجزائر. وصف مختصر للبحث: تتوالى الإبداعات المخلدة لتاريخ الثورة الجزائرية في قوالب فنية متعددة (الرواية، القصة المسرحية الشعر…)، لعلها تعيد مشهدا أو تحكي جديدا أو تصور لقطات شُدت إليها الأبصار واشرأبت إليها… View Article

دراسة  في &#822 0;رباعية الدم والنار” ،للأستاذ عبد الملك مرتاض

 

أ.د/ محمد الأمين خلادي

مخبر الدراسات الإفريقية للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية

كلية الآداب واللغات، قسم اللغة والأدب العربي، جامعة أحمد دراية- أدرار، الجزائر.

وصف مختصر للبحث:

تتوالى الإبداعات المخلدة لتاريخ الثورة الجزائرية في قوالب فنية متعددة (الرواية، القصة المسرحية الشعر…)، لعلها تعيد مشهدا أو تحكي جديدا أو تصور لقطات شُدت إليها الأبصار واشرأبت إليها الرقاب، كاشفة عن معاناة الجزائري المقيم في أرضه أو المهاجر إلى دول الجوار، وهو يعيش يوميات يَسمها الواقع بالفقر والقمل والجوع والاضطهاد وخنق الأحلام والجهل والقمع.

ومن الأعمال المخلدة لتلك الفترة الثورية- تاريخيا وفنيا- التي نهض فيها الجزائريون نهوض الجسد الواحد لتحطيم قيود الذل والخيانة والتشتت التي كبلهم بها الاحتلال الفرنسي البغيض خلال عقود طويلة جدا من الزمن؛ رباعية “الدم والنار” للدكتور عبد الملك مرتاض، روايات تكشف عن نمو البطولة والعزة و سمو الوعي الثوري في المجتمع الجزائري موازاة بالذل والقمع…

1/ رواية دماء ودموع

هي الرواية الأولى في الرباعية يجد فيها القارئ شخصيات متعلمة تحاول أن تفلسف وضعها وقيمتا ومواقفها، ومن هذا مقطع يعبر عن واقع الجزائري في نظر الآخر، ففي هذه الرواية يسلط الكاتب الضوء على حياة المعلم الجزائري أحمد الذي كان يقيم في المنطقة الحدودية الغربية للجزائر ولعسر الحالة الاجتماعية المادية اضطر إلى اللجوء إلى القرية الحدودية في المغرب الشقيق ليعمل معلما في مدرسة البنات صيفا وشتاء لعله يغطي ببعض من ذلك المبلغ الزهيد جدا النفقة الشهرية لصاحب “نزل الشعب” الذي كان يقيم فيه.

وعلى إيقاع معاناة الاغتراب وقلة الزاد وصعوبة فكرة الاحتلال على جميع الممتلكات الجزائرية وتهميش المواطنين…يقع المعلم البسيط في حب ” ابتسام” التي ” تطوف على ملاجئ المهاجرين الذين نزحوا عن الجزائر فتواسي النساء الأيامى وترعى الأطفال اليتامى وتشفق على الشيوخ المسنين وتبر بالعجائز الطاعنات فلطالما غمرتهم بحنانها وسكبت عليهم رعايتها فأحالت حياتهم الشقية إلى سعادة وأمل، « فكانت تجربتي الأولى تستمد من أحداث تيْك الثورة المجيدة وأيامها- على الحمرة- البيضاء[1]».

 شخصية ابتسام هذه، هامت بها القرية سكانها: الأغنياء منهم والفقراء واللاجئون والمواطنون، فإذا هم جميعا يلهجون بذكرها لهجا شديدا”[2]، تفرغت لعمله النضالي ورفضت كل من تقدم إليها، حتى أحمد لما تقدم لأول مرة، فانشغالها باللاجئين الجزائريين في تلك المنطقة الحدودية لم يترك لها مكانا شاغرا للعشق، ولكن أحمد بالرغم من انشغاله بعالم القراءة والعمل والتفكير في أحوال الوطن وبعده عن أسرته والمبلغ الزهيد الذي يمزق هدوءه راح يفكر بهذه الشابة التي تتقاسم الصفات مع الجنس الملائكي.

 فراح يقول في نفسه “لقد تكالب عليك أمران اثنان كلاهما ثقيل عليك، مُمض لك، الحب والفقر. وإذا كان الحب مصادفة أو طيشا أو زوغان عاطفة، فإن الفقر كتبه فرضه عليك الاستعمار الفرنسي، فلم يهيئ لك أن تدرس في مدرسة عصرية، ولا هيأ لك وسيلة تجعلك تظفر بعمل يلائمك…”[3] ، بعد مدة تستجيب ابتسام لنظرات أحمد ورسائله المتقاطرة شوقا ووفاء، فيتسرب لطف هذا الشاب إلى قلبها الشرود.

 وهذا بعض مما صارت ابتسام ترد به على أحمد في إحدى رسائلها، “وإن الأمور رهينة بالعزائم، وإنما الحب رهين بالوفاء. وأنا لست أنهي رسالتي هذه إليك، حتى أقسم لك بالله إنني لحبك وفية، ولعهدك راعية، ولذكراك صائنة”[4]  على أساس أن تكون هذه العلاقة بينهما قائمة على الشرط التالي” حرام علي أن تكتحل عيناي بكحل، أو تطلى شفتاي بدهن، أو أغرق في لذات الزوجية إلى الأذقان، ما دامت الجزائر الحبيبة تداس كرامة شعبها بأقدام الاستعمار الفرنسي المقيت، أما الحب الآن فنعم، وأما الزواج فلا، فقد يكون غدا” [5].

 حب يحمل من الوطنية الكثير ومن الصبر الدامي على العشق الأكثر؛ عشق في مهب النظرات الحقود التي تستهين بالعلاقة بين أحمد وابتسام، ولكن الصبر على الحب كان مساويا لفكرة الصبر على النضال، وأما المال في نظر ابتسام ثم أحمد فلم يكن الميزة التي بفضلها تكون الأفضلية والاختيار أو الانفصال، وذاك يتجسد في مقطع من الحوار الذي دار بينهما: “قلت قلتَ في استحياء:

  • أحسبك تجهلين ما كان تدر علي تلك الوظيفة، إن حق لي أن أسميها وظيفة، أصلا!…

  • ابتسام في إباء وأنفة:

  • تحادثني في المال؟ لماذا؟ أ لأن السعادة تكون فيه؟ أ لأني طلبت منك ذلك يوما؟…

  • لا، ولكن المال سيظل مع ذلك وسيلة لنيل السعادة المادية.

  • تلك نظرة الماديين والجشعين الذين لا يفكرون إلا في المال، ومن أجله، فتراهم يتهافتون عليه تهافت الفراش على المصباح”[6] ، فالمال هو اليسر وهو الطموح… وبدونه تتكرر مسيرة العناء، حوار يثمر الصورة الروائية في نظر المتلقي مدققا النظر في سيرورة الأحداث«يقوم المشهد أساسا على الحوار المعبر عنه لغويا والموزع إلى ردود  répliques)) متناوبة كما هو مألوف في النصوص الدرامية.. »[7]

والدماء والدموع بالنسبة لأحمد تتجسد فكرتها في أنه لا يمكن أي شخص أن يتخذ موقفا ناجحا وهو فقير وجائع… فتتدخل ابتسام لتُخرج أحمد من الدوامة المأساوية باقتراح وعزم معا وهو “إن الرأي عندي أن نتجند، نطلع إلى الجبل!…

نتجند؟

ولم لا؟

ولكن كيف؟

ولكن كيف؟ كأنك تجهل ما ينبغي أن تعلم. فما هو إلا أن يذهب كل منا إلى مكتب الجبهة على انفراد، ليسجل هنالك، ليلتحق من بعد ذلك بالجبال المنيعة في الأرض السليبة”[8] ،فيلتحق كل منهما على طريقته بالجبال المنيعة ويلتقيان هناك في فريق واحد من فرق جبهة التحرير الوطني، في طبيعة نقية النسمات، يلوث جمالها وهدوءها هدر المدافع والطائرات ودخان التفجيرات لسنوات طويلة ابتغاء الحرية والسادة والعدالة بين الأفراد والاستمتاع بخيرات الأرض الأم.

“دماء ودموع” رواية من الروايات التي يكشف عن طرفي عنوانها العلاقة التي ربطت بين أحمد وابتسام، وهما حبيبان من بين آلاف الأحبة الذين أخلصوا لبلدهم على حساب عواطفهم. فكان الواجب الوطني أقوى من تحقيق حلهم، ناصية العنوان –ههنا- وعتبته تلميحية تغري المتلقي إغراء يملي عليه تدقيق النظر في مسوغات الاختيار المعتمد، كلمتان اثنتان موجزتان مكثفتان مركزتان؛ كيف لهما  أن يفيا بجوهر المتن؟ وصناعة العنوان بهذه الصيغة« تكرس وفاء لتقاليد العنونة الاسمية»[9]

 كما أنهما كانا جزءا من مجتمع قدم الكثير من التضحيات وحانت فرصتهما لتقديم واجبهما مهما كلف ذلك التقديم. وفي الحوار التالي حوصلة لما قيل عن العنوان في النص على لسان إحدى الشخصيات المجاهدة (عمي مختار) “الدماء سالت… والدموع فاضت… والأوجاع رتعت في أجسامنا وقلوبنا. هي دماء حيث مشيت، وهي دموع حيث نظرت[….] الحرية لا ترضى بأن يكون ثمنها غير الدماء والدموع، هكذا منذ كانت الحرية! تُسلب بالدماء، وتسترجع بالدماء!…”[10]وذلك ما حدث على تلك الجبال الشامخة مثل الحكايات الأسطورية، التي يتجه بطلها لإحضار العشبة المداوية بعد عناء طويل لشفاء مريض، يتحقق بشفائه تكريم البطل وتحقيق أمانيه، وفي الرواية ينشب الصراع بين جبهة التحرير التي تضم أحمد وابتسام والقوات الفرنسية المحتلة.

وإذا بـ “صرخة حادة تنبعث من حنجرة ابتسام، بعد أن كانت طائرة انقضت على ذلك الموقع الذي كانت فيه، من الفضاء العالي، كأنها الصاعقة المحرقة التي لا تبقي ولا تدر. كأنها شآبيب العذاب، أو كأنها أمطار من الموت المذاب، فكانت ابتسام فيمن أصيب…”[11] لقد وصلت إلى عشبة الشفاء، لكن الأقدار جعلتها تُسلم ما جمعته منها إلى غيرها من المجاهدين أمانة يسلمونها متى أتاحت لهم الأقدار بلوغ المنى.وأحمد واحد من أولئك، يواصل الطريق من دونها…!

عشبة الدواء مسقية بالدماء والدموع تكسرت على حوافها أحلام من أراد الخير للجميع، وإن كانوا ضحية عنادهم وطموحهم الجميل “إذن ستستشهد ابتسام، فقد تكاثرت الدماء، وقد فاضت الدموع الغزار…من أعين المجاهدين الذين كانوا يرون في هذه المجاهدة رمز الفتاة الجزائرية المناضلة المثالية العظيمة…

وألقيتَ نظرة على وجه ابتسام، والطبيب يغسل الدم الذي يتفجر من صدرها بالكحول، فإذا هي قد فقدت وعيها نهائيا! لا تتكلم… لا تبصر… لا تسمع… وأنت ترسل الدموع مدرارا، وتفقد صوابك. وتصرخ كالمجنون:

  • ابتسام لا تتركيني!

ولكنها لا تجيب. وتستمر في الصراخ وتنادي:

  • ابتسام! لا تتركيني وحدي، فإني سأعيش بلا قلب، وسأحيى بلا روح… ولكنها لا تجيب، لأنها لا تسمع، لأنها استشهدت من أجل الجزائر…”[12]، كانت ابتسام ابتسامة حالمة في حياة تُغرقها الدموع وتُلهبها الدماء، كانت أطياف الحرية الهاربة من زمنها المستعجل… كانت صورة من صور السعادة التي سيحياها الجزائري بعد حين من ذلك الزمن.

انتهت الرواية بموت ابتسام، وظلت مفتوحة على حياة أحمد الذي سيعيش بدون ابتسام التي استشهدت مع شهداء الحرية التي دخلوا عالمها بدمائهم، وخلفوا جمهورا لم تجف أعينهم عن ذرف الدموع بعدهم.

02/ نار ونور

عُنونت الرواية الثانية في رباعية ” الدم النار” بـ “نار ونور”، فقد يتوقع القارئ محتواهها بما توحيه كل من “نار” و “نور”، رابطا إياها بالرواية السابقة”دم ودموع”؛ فالزمن الثوري ممتد بين الروايتين، أما المكان الذي تجري فيه الأحداث فهو حي “سيد الهواري” بوهران (غرب الجزائر)أ أما الشخصيات الرئيسة فهما “سعيد” و”فاطمة” شابان قريبان، يزاولان دراستهما في الثانوية، يجمعهما الطموح والتمرد، ومندفعان متشابهان في الآراء الفلسفية –تقريبا- ساخطان على الدراسة بإشراف الإدارة الفرنسية ولغتها، واستبداد قواتها بالأرض والشعب…

الكاتب يترك المجال في الحوار للشخصيات وهي تعبر عن موقف ما، له علاقة بالوجود الإنساني للفرد والجماعات في الجزائر ما يجعل الحوار يتميز بمسحة فلسفية من خلال المناقشة والاستدلال، فإذا كانت رواية” دماء ودموع” تكشف عن الوعي الثوري في الفئة العاملة الشابة من خلال الشخصيات الرئيسة، فإنه في رواية “نار ونور” يكشف الكاتب عن بوادر وتطور الوعي الثوري عند الفئة الشابة المتمدرسة.

فالوطن والثورة والتضحية والحياة… وغيرها من المفاهيم جعلت أبطال الروايتين يتخلون عن العمل أو الدراسة ويلتحقون بالعمل المسلح، فسعيد كان بمثابة المغنطيس الجاذب للعديد من الطلبة في صفه إلى العمل المسلح بإشراف خاله الذي كان غضوا سريا في الجبهة، وهذا جزء من ذاك الحوار الواعي الذي دار بين ابن الأخت (سعيد)، والخال (قدور).

فينطلق الشاب قائلا: ” إن الجزائري بطبعه يحب الثورة فإذا أضيف إلى ذلك شيئان: الشباب والثقافة، أو الشباب والوعي، وقابلهما شيئان آخران: الظلم والاستبداد؛ فأْذن بثورة عارمة، نابعة من طبيعته التي جُبل عليها منذ القدم. فقد طرد الجزائريون كل الأقوام الذين جاءوهم من الشمال: الرومان والوندال والأسبان؛ أ فتراهم اليوم عاجزين عن طرد الفرنسيين؟ إنهم منذ وطئت أقدامهم أرضنا لم ينعما بالراحة والهدوء، ولم يكادوا ينامون قط ملء الجفون… إن الطلاب، طلابنا كغيرهم من سائر طبقات الشعب، بل لا أرتاب في أن هؤلاء الطلاب أحسن عناصر الثورة عند الشعب، فالثورة نار وهم وقودها، والثورة شمعة وهم ذبالتها التي لا تنطفئ أبدا الثورة عندنا لم تقم بها طائفة دون طائفة. وإنما الثورة نفحة إنسانية كريمة عليا، خامرتنا فأيقظت عزائمنا، وأشعلت حماستنا. لسنا نرتاب في أن الثورة أذكاها الشعب بإرادته وإصراره وعزمه. وهؤلاء زملائي وكلهم إردادة و إصرار وقوة…

قاطع الخال سعيدا قائلا:  – أأنت واثق من إخلاص زملائك، وثباتهم عند إمكان حدوث أي مكروه لهم، فيحافظون على أسرار التنظيم، ولو قُطعوا أرْبا إربا؟

– إي والله، يا خال! هؤلاء ممن تفتخر بهم الثورة المجيدة. أنا واثق من ذلك، وثقتي فيهم كاملة. إني يا خال، لا أشك في إخلاص أعضاء خليتي، وتأهبهم للتضحية من أجل الجزائر في أي لحظة، وبأي ثمن. والثمن هنا هو دماؤهم الزكيات”[13].

 ولا يكتفي سعيد بالإشادة باندفاع الشباب وقوة عزيمته، وإنما يزيد في تحليل الأفكار الغربية التي تعلمها في الثانوية من خلال مادة الفلسفة ثم ما ولدته فيه من فهم للمواقف من حوله، فيقول “لم نر أشد نفاقا ولا أكثر شرا من هدا الغرب المتغطرس في تاريخ البشر؟ ففي حين لا يزال مفكروه يعتنون أنفسهم في إنشاء المواهب الفلسفية و تأسيس النظريات الاجتماعية التي تبحث في وجود الإنسان ومصيره وسعادته. فإن سياسييه وعسكرييه يضربون بكل \لك عرض الحائط و يفعلون ما لا تفعله الشياطين من شرور تمثل في الإصرار على قتل الشعوب المستضعفة واضطهادها وازدرائها.مع الاحتفاظ.أثناء ذلك بسلوكهم السياسي المنافق ال\ي يظهرون فيه غير ما يبطنون (…) كأنهم لم يضعوا تلك النظريات ويخوضوا في تلك القيم إلا من أجل سعادة الإنسان الغربي وحده؟ فالإنسان,خارج الانتماء الأوروبي ,لا يساوي لديهم,فيما يبدو لنا أكثر من حيوان قيمته أقل من مكانه الكلاب’ك\لك ترى’…لأن أهل …. و كفى نفاقا و كذبا؟…”[14]

فإذا كان العلم دوما يتصف بالنور فإن من المفاهيم الملازمة للثورة هي النار، فالوعي نور و به يتم التخطيط لإخماد نار المستدمر، فسعيد لم يكتف بتحليل العالم وفهمه من حوله بل راح ينشر الوعي في الفئة الشابة التي ينتمي إليها وزاد عن ذلك .”ليس السلاح المادي وحده هو ما يفضي إلى النصر في كل الأطوار بل توجد وسائل أخرى للنضال علينا أن نجهد جهدنا فيها .ومن دلك توعية الشباب ممن نعرف لتكثير سواد المناضلين بحيث يصبح كل الجزائريين صفا واحدا وخصوصا الشباب… كما علينا أن نتصل بالتجار وكل الموسرين و المستورين من عامة الجزائريين ليسهموا مشاهرة في إعانة الثورة .فمن لم يستطع إعطاء الكثير فالقليل خير من الحرمان ’فأنت ترى أن الأمور ليست فقط بحمل سلاح ثم إصابة هدف له….”[15]

فيستنتج أن معنى “النور” تجسده تجسده تلك المواقف المتتالية التي تجمع سعيدا بالأخرين .فالحوار الجاري بين هده الأطراف يتطور فيها الوعي من موقف إلى أخر .حول فكرة الثورة.

فيتسرب من هذا النور إلى قلب “فاطمة” فيتطور إعجابها بسعيد ابن عمتها إلى حب أرقها ليالي. كما أرقه وعيها وجمالها وخفة ظلها .

فاشتركا في العمل الثوري السري وكدا في تنظيم المظاهرات و السير في صفوفها الأولى بكل حماسة مع غيرهم من الشبان و الشابات الذين تسرب النور “الوطنية” إلى عقولهم وقلوبهم فما عادوا يخشون نار المستعمر وعناده.

  • “يسقط الاستعمار

  • تحيا الجزائر

  • الجزائر حرة كريمة

  • تسقط العبودية

  • الحرية الحرية نريد الحرية نريد أن نكون أحرارا “[16]

فالموت أو الاستشهاد هو الذي يقضي على النار ويترك المجال للنور ليعم ربوع الجزائر “لا تقوم الحياة يا رفاق فما يبدو على الموت العظيم. الموت العظيم وحده هو الذي يبني الحياة الكريمة. هذا قدرنا ومصيرنا، لنكن وقود هده الثورة المجيدة التي جاءت لتحررنا من العبودية المقيتة ….”[17] و تتكرر مظهرات “النار و النور” في الحادي عشر من شهر ديسمبر و يلتهب صدر سعيد بأخبار تعذيب فرنسا لخاله[18].

 حتى مات قهرا دون أن يبوح بأي سر من أسرار الثورة. كيف لا وهو الزعيم الثوري!، فراح سعيد يبعث الحماس في صفوف الشبان  الثوريين المسلحين انتقاما من سطوه فرنسا ومن قضائها على خاله السند الذي رافقه طيلة حياته مند اختفاء والده في غياهب الزنزانات الفرنسية، هكذا يرصد الكاتب الأحداث ويرسمها بلغة شاعرة شعرية ذي إطار نثري، يحقق مجموع ما تؤديه الرسالتان الشعرية والسردية معا، ويستوعب مآلات الاستشراف من وراء الأحداث التاريخية، ليَعبُر بها إلى مخيال المتلقي إيقاظا لذاكرة التاريخ فيه اتعاظا وائتساء، «وهو عمل يؤكد مدى فهم أولئك الكتاب لدور الأدب الوطني في صقل الشخصية الوطنية»[19].

 و على إيقاع الرشاش والزغاريد المتعالية بين النساء و الفتيات وحركة المظليين لم يعد سعيد يأبه بأي شيء حتى حياته التي ما عادت تساوي شيئا في ذلك العذاب المأساوي، فتقدم برشاشه وقنبلته يصيب هنا و هناك “ولكن ما هذا الشيء الحامي المؤلم الذي يخترق صدر سعيد، إنه لا يرى لأنه أصبح لا يعي الأشياء لما كان يعيدها من قبل وهو يدري مع ذلك أن قوى جسمه قد خارت، ولذلك تراه يسلم جسمه الكريم إلى هذه الأرض الطيبة البارة و هو يشعر بفيض عظيم من السعادة و النعيم. فقد استشهد سعيد من أجل الجزائر لتعيش حرة عزيزة كريمة”[20]

كان عنوان الرواية ملخصا لطبيعة الأحداث في تلك الفترة فــ “نار ونور” تشترك مع الرواية السابقة “دماء و دموع” فقد لا يجد القارئ ميزة في العنوانين تلزمه على ضرورة الربط بين العنوان و المتن، لأنه لا يمكن التبديل بين عناوين للمتنين بحيث أن الكلمات “نار” و “دماء”،و “دموع” مأخوذة من حقل معرفي دلالي واحد وهو “الثورة” التي جعل منها الكاتب موضوعا للروايتين، كما أن فكرة الحرية و الوعي بها و الحب الذي دخل حياة الشخصيات من حيث هو حب للوطن و للواجب نحوه .كان كذلك  حبا للصفاء و للعواطف النبيلة المشجعة على المضي قدما لتحقيق المطمح الجماعي الذي تنشده الروايتان وهو “الحرية و السيادة الوطنية”.

إذن لم يكن هناك ما يميز عنوان كل رواية من حيث شعرية البناء أو اختيار المفردات . فقد تبين للقارئ أنه قرأ قصتين واحدة في القرية و أخرى في المدينة بعنوانين عامين صالحين، لأي واحدة منهما و قد يكون السبب في هذه العمومية العنوناتية هو ميل الكاتب إلى الأسلوب المباشر في العرض “الحوار و السرد” و كذا في تسمية أعماله.

3– رواية حيزية

يدخل القارئ المتوالية الثالثة في رباعية “الدم و النار” للدكتور عبد الملك مرتاض بعنوان “حيزية” هده القصة الجزائرية الأصل و الشعبية التي يتوقع قارئها رؤية جديدة للأحداث التي سبق وعرفها في الحكايات العاطفية الشبيهة لمثيلاتها من قصص الجب العذري خلال السرد في الرواية يتفاجأ بعدم وجود شبيه للقصة السابقة في متن الرواية “حيزية”

كانت الرواية الثالثة انحرافة نوعية من حيث مستوى الشخصية الرئيسة . ففي الروايتين السابقتين “دماء ودموع” و “نار و نور” شخصياتها مثقفة و متعلمة وواعية بفكرة الثورة .

مجاهدون و فدائيون تركوا أثارهم في الميدان الثوري لكن في رواية ’حيزية’ يسلط الضوء على سرد قصة “الحركي لفحل” الذي درس ودرس في الكتاتيب ثم انحرف في موجة الخونة الدين أبهبرهم الثراء الذي تعيشه الطبقة المستعمرة فاندمج فيهم.

فخوفا من الجوع و القهر قدمت له مهمة تعذيب السجناء الجزائريين وهم في زنزاناتهم التي تتساوى مع الزريبة في الصورة و الحالة وكدالك عندما يخرجون إلى الفناء الكبير لتكسير الحجارة، فيقف على رؤوسهم بسياطه يخنقهم باستبداد . يمسي بينهم بخيلاء لأنه كان على يقين بأنه أفضل منهم في الوضعية الاجتماعية و الترقية و الحظوة عند الفرنسيين . فهاهو يحاور نفسه “أنت كبير السن يا عمي الفحل . ولماذا لم يقل لك ر(*) هده العبارة؟ لمادا لم يرفضوك لكبر سنك؟ أنت تتمتع بصحة ممتازة .أنت قادر على تكسير الحجر مثلهم في حقول النار إذن غار منك داك … رفض أن تحمل البندقية وتختال في الحي …والنساء يزغردن عليك”[21]

شخصية الفحل متمردة على المجتمع الجزائري أخذت لنفسها منحنى أخر تظهر من  خلاله ويبرهن فيه لهم عن قدراته التي لم يعتبروها وهو يعيش صديقا لأعدائهم وفي وطنهم؛ أما “حيزية” فهي فكرة و اعتقاد يؤمن بها الجزائريون المجاهدون الذين قدموا النفس و النفيس لأرضهم في تلك الجبال الشاهقات…

“حيزية” تطير ولا تسير وتحس و لا ترى بما نرى به نحن (…) هي أغبر في التاريخ قدما وهي أعمق في الوجود وجودا وهي التي كانت قبل أن تكونوا جميعا ومن يستطيع منكم أن يثبت أنه كان قبلها  كانت قبل الكينونة و الكينونة التي لم تنشأ إلا من حدثها وحدوثها وهي التي ربت الزمن في حضنها .عاش بين سحرها ونحرها و سيموت على سحرها ونحرها . أرضعته حتى ترعرع و استوى …تلك هي حيزيتك. حيزيتهم تعطيهم الشعير و القمح و العنب و البرتقال و الخوخ و التين أما حيويتك فتعطيك ما هو أسمى و أخلد وحسبك من كل دلك ثغرها الذي ينبع منه النور”.[22]

استعار الدكتور عبد الملك مرتاض من “حيزية” الحقيقية الجمال و البقاء الذي تخلد بقصتها التي تشبه القصص الشعبية فتجتمع في فضائها المعرفي الكرامة و السيادة و الحرية …. وكل المعاني المثلى التي كان يناضل من أجلها الشعب الجزائري، «فالكاتب حين يتخذ طريقة أو أسلوبا ما في الكتابة الروائية، فإنه لا يفعل ذلك بناء على اختيار عفوي يتم بمقتضاه التمييز بين التقنيات تبعا لبساطة بعضها أو تعقيد بعضها الآخر، أو أن بعضها يحقق جمالية من نوع وبعضها الآخر يقدم جمالية مُخالفة. إن ممارسة أسلوب ما في الكتابة تعبير عن رؤية جمالية وفكرية واجتماعية معا»[23]

              فالكل كان يحلم برؤية “حيزية” و الكل كان يسمع عنها و الكل كان ينجرف في وادها .حتى المختار ابن “لفحل” الذي ضاقت به الأرض و بأعمال أبيه في الحي فاختار أن يلقى حيوية في الجيل الأخضر و ينخرط في الصفوف الثرية فهاهي زوجة الفحل ،أم المختار تردد في نفسها”…وابنك المختار الذي اختفى …وحتما التحق بهم … إن كان دلك حقا فلكِ أن تفتخري و لا تحزني. سيمحو العار من جبين هذه الأسرة الملطخة .

لكن لو فقط تزوج قبل ذلك  لو خلف لك صبيا تلاعبينه .لو تزوج حيزية العظيمة …. قالوا .. حيزية لا تتزوج .فهل هدا معقول ’ حيزية مجرد لغز بينهم …مجرد أحجية .فهل هدا ممكن ؟ يبدو أنها مجرد أسطورة جميلة. أنت لم تريها عمرك حدثك عنها المختار فقط .هو فقط الذي كان يقول إنه رآها . البنات لم يشاهدنها أيضا ” أنا لا أفهم هده الألغاز دخت…” قالوا إنها فتاة حسناء لا يشبهها على الأرض فتاة .أحيانا تطير تحلق في الفضاء الفسيح بفضل شعرها الطويل . هل هدا ممكن يا ناس’ المجنون قالها مرارا في الدرب الندي الضيق …”[24]. فالكاتب يكشف عن مواصفات “حيزية” في حوار شخصياته فحيزية رمز تنكشف شيفراته مع كل شخصية بدءا بشخصية المجدوب “وأنت تطلين عليهم باسمة فاتنة ساحرة عبقة .السحر و شداه وأنتم تتطلعون إليها بأفئدة أحرقها الشوق إلى لقائها .ولقاؤها الدي طالما انتظرتموه و هدا الانتظار الدي طال مثلما طال ليلكم المظلم ولا أمل أمامكم إلا إشراقتها التي تزيح هدا الظلم و الظلام الي يجب أن ينزاح من طريقكم الوعر …”[25]

“حيزية” هي الأمل و طيف السعادة الدي يزور كل وطني اكتوى بخبث الخونة وقهر الاستعمار فالمجدوب في الرواية يعرف أخبار “حيزية” ومكان إقامتها و تحركاتها و كل مايجدث لأبطال الرواية فهو النبوءة التي يتوالد بها السرد و يتنامى.

ودوره كدور الراوي العليم المشارك الدي يزاوج بين الحدث الواقعي في الرواية و بين إخباره لحيزية بكل مايقع للشخصيات و هدا مقطع من محادثة الراوي للرمز المجرد “حيزية” “ورائع هدا الفتي يا حيزية أين هو ؟ انظري يا حيزية…”

الشيخ ابن خالتي ادعوه أيها الجبناء .تنحوا عنه ويلكم .أغربي أيتها الحمقاء …لو كنت مما يمسك .لكنا أمسكنا بك ثم أحرقناك … إغربي أيتها الحمقاء الغرارة. يحلمون برؤيتك على السراج أنت أضللتيهم أنت ضالة مضللة . أغربي من طريقنا أزعجتنا … أنظري ياحيزية .فتى وسيم رائع وقور كالشيوخ وقوي كالعمالقة يا حيزية و أبي كالثوار و شهم كالكرام ياحيزية . لكن لمادا يقودونه إلى سجنهم المقمل ياحيزية ’ افعلي أي شيء لإنقاده يا حيزية …” [26]

هذه الفكرة التي يشتهيها كل فرد جزائري لكنها هي الأخرى عاجزة عن تقديم أي حل سوي النظر و الابتسام لتشع الأمل من جديد في القلوب ” وتفيض عيناك من الدمع الغزير الدي زخرت به البحار و هدا البحر الدي يزيد بأمواجه المتلاطمة و لا تجيبين الرفيقة كأنك قادرة و لا تفعبين ؟ كأنك تستطيعين و لاتريدين ؟ يالها من رفيقة  سامحها الله . هلا أدركت أنك أنت أيضا مقيدة في هده الأرض هلا أدركوا أنك موجودة مفقودة و مولودة موؤودة ..”[27] عنوان هده الرواية نصها و يساويها فإن كان الكاتب يوجد عدسته في هده الرواية ليصور نمودجا من نمادج الحركيين أو الخونة أثناء الثورة إلا أنه أضاف بصورة أخرى دلك الحس الفلسفي في التعبير عن الواقع كما سبق وأن تحدث عن الشخصيات الرئيسية من خلال ’حيزية’ ’دم و دموع’ ’نار و نور’  وهي موجودة وترد على الاخرين و تعلق أ حيزية فكانت الشخصية الفلسفية المجردة.

وتنتهي الرواية بعد أن أصبح “لفحل الضبع” تائبا ملتحقا بصفوف المجاهدين  تاركا حقول النار فارا مع بعض المساجين بعد عملية مدبرة.

تنتهي رواية حيزية كما بدأت لتضفي عن معنى أخر من خلال هدا المقطع “وانظروا إلى هده القمامة التي تجود عليكم غيثا  غيثا مسرعا يغسل من أظافركم دم القمل الدي امتصه منكم طول هدا الليل الدي يضطر الان إلى الانحسار لكي يخلي بينكم و بين النور العظيم الدي ينبعث من وجه حيزية  التي توشك أن تتجلى لكم لتسعدوا بالنظر إليها و لتستمتعوابجمال وجهها الكريم…”[28] فمن المعاني التي تحملها حيزية هي الشهادة . فالفحل هرب مع بعض المساجين و التحقوا بالمجاهدين و سيقلب الجنود و السلطات الأرض للقبض على الهاربين من السجن و على رأسهم “الفحل الضبع” الدي وضعت فيه كامل الثقة بعد سنوات من الخدمة و الإخلاص . وهكدا ” تنتظرون فتنبهرون بما ترون  … حيزية بداتها و صفاتها .. كما وصفت لكم… وكما عرفها أجدادكم و تمتعوا بجمالهاعادت بعد الغياب الطويل و يطفئ الغيث المتهاطل عبر عناقيد النور المنبعثة من وجه حيزية الكريم الشوق الدي ظل مضطرما في جوانحكم من حبها و فراقها …

انظروا يارجال .. ياأطفال. يا…أنتم…كلكم…انظروا إليها  تلك هي نعوتها …شئ كنا نتعلمه في … مزونة المصونة وفي رواية الهامل عند الشيخ الكامل”[29]

فالملاحظ أن الكاتب عبد المالك مرتاض عز عليه أن تنتهي الرواية و “الفحل” خائنا  فقد أنهى الرواية بمنحنى إيجابي كما أنقد أحد الخونة الجزائريين من فعلته في الرواية الأولى ’’دم و دموع’’ فها هي حيوية هده الرحمة الإلهية التي شملته بعطفها و حنانها لما أيقظت ضميره و التحق بكل ما فعله بأبناء جلدته في دلك الماضي الحالك فتاب توبة جلد نفسه فيها أكثر من الرأفة بها .

إذن حيزية هي جملة من المعاني التي راحت تتفجر مع كل شخصية و كل موقف لها بمعطى  مثالي فحيزية هي الفضيلة و الحق و الأنفة و غيرها من المعاني الفاضلة.

4/ صوت الكهف

            صوت الكهف رواية رامزة بدلالات عنوانها الذي يذكرنا بوقع الكهف في الذاكرة التاريخية للإنسان؛ والأخص المسلم الذي يربط أول ما يربط لفظ الكهف بأصحاب الكهف في سورة الكهف، هي علامة رامزة دالة على الصبر وحماية النفس البشرية المؤمنة بحماية الدين والقضية المجاهدة التي عبر عنها المجاهدون الجزائريون ضد الغاصب الفرنسي

                   والصوت زيادة في قوة الدلالة الفارضة للموقف الثوري المناهض للاحتلال، وقوة الرد الفاعل الذي مزق آذان الكفر الذي جثم على أرض الجزائر عقودا؛ صوت الله أكبر صوت الشهادة صوت الحق اختيار دقيق بامتياز في كثافة العنوان الموحي بدرجة العظمة النادرة للمجاهد الجزائري آنذاك.

                  ومن التأويلات قول آخر قريب من قراءتنا، « من خلال هذا العنوان المركب، نستشف فكرتين اثنتين لهما  علاقة وطيدة بمضمون الرواية وهما لفظ -صوت- جاء كعلامة في بنية النص تحيل على سياقات عديدة ومصادر متنوعة ترمز تارة إلى الكهف، حسب العنوان، وتارة إلى الذات الممزقة التي تعاني غطرسة المستعمر الفرنسي»[30]

                   متن السرد هنا يضجُّ بتعبيرات جريئة حادة صاخبة تؤثِّل هوية الجزائري على لسان الشخصيات الروائية المترجمة لأصوات الجزائريين الأحرار؛ أليس من جبالهم الشامخة طلعت أصواتهم؟  وكم من جبل احتوى الكهف والكهف! « الكهف الرمز القيمة الأصالة الوطن.. وتتأملون وجه زينب القيمة الحرية الثورة،  وتنظرون إلى زينب القيمة الرمز الشرف اللغة الدين»[31]

         سيماء الجبل مُتأثِّلة عظمتُها الإعجازية في القرآن العظيم والسيرة النبوية من حراء وثور، ناهيك عن نموذج أصحاب الكهف …وسواه، والمكان آلة حتمية الكينونة في جغرافيا السرد كجغرافيا الكون والواقع، ومنه فإبراز صورة الكهف مقصودة بعينها لدى الراوي والروائي معا،  ومثل هذا الوصف  المكاني المتماهي ضمن الرواية التي عنوانها مكاني أصلا،  يستجلب القارئ استجلابا لافتا، فالوصف « أداة لتشخيص محتوى  المكان.. لذلك فهو حتمية لا بد منها»[32]

خاتمة: القول على القول حرج وليس بصعب فقط، أن تقرأ إبداع ناقد باحث مدرس تمرس في هذا الحقل أكثر مما يبدع؛ وهو يكتب في العهد المعاصر بلغة الجاحظ وبديع الزمان والإبراهيمي، وقيل عنه أنه يكتب السيرة الذاتية لا الرواية، بل تقول عليه بعضهم أنه ليس بروائي أصالة.

   لكنَّا قرأناه قاصا منذ نهاية الثمانينيات في هشيم الزمن، وبعد ذلك بعقد وأكثر، فلم نقرأ في متونه السردية أنه مجرد ناثر أو لا علاقة له بالقص والسرد، وإنما لم يجهد بعض القرَأة أنفسهم بتأنٍّ خاص، يقرأ الجاحظ في القرن العشرين، هنا سر الأمر فيما أرى.

  وهذا خير لنا لما نيقن أن مرتاضا يلهج البيان لهجا لا كالكثير ممن ينتسب إلى العربية، وما لنا ولرواية لا تتقن الفصحى؟

   هذا السبب الذي أميل إليه أكثر في تأويل أحكام من نبذوا  خطابه الروائي.

وليس من كمال لبشر، فنقول مستنتجين مما قرأناه آنفا:

  • الرباعية لها أن تكون خطابا مسموعا مرئيا، وللفنانين أن يخرجوه عملا تاريخيا لغويا فنيا جماليا كما هو إن أراد أهل العربية خيرا لإبداعهم، وأصحاب التاريخ وثاقة تحفظها الأجيال التي هجرت القراءة تقريبا.

  • سردانية و وصفانية الخطاب المرتاضي تشتاق متليقيا مرتاضا لحب الاطلاع و عارفا بالانطلاق في بيداء الفصاحة وخبيرا بالذائقة الجيدة، وهل وجدت يوما لغة تصويرية كالضاد؟

  • منهاج التناصات والاقتباسات من القرآن الكريم والأثر والتاريخ والكتابة النثرية الفنية العربية القديمة والحديثة والأشعار والأخبار والأمثال…؛ ذو تميز يفرد الروائي عبد المالك عن أكثر الروائيين الجزائريي المعاصرين ممن قرأنا متونهم السردية.

  • أنى لنا بناسج روائي ينقل حقائق الأمجاد الجهادية الثورية المقاومة لسلفنا الجزائري الصالح أيام الاحتلال؟، إن لم يكن عبد المالك- وأضرابه وهم نادرون عددا كما نعلم- الذي عاين حقيقة الأمر، وقليل ممن جمع معاينة الميدان والسجن والمحن والإحن… مع إبلاغ الخطاب وبيانه.

المصادر و المراجع

    دماء ودموع، (رواية)، عبد المالك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر، (د ت).

   نار ونور،(رواية)، عبد المالك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت).

  حيزية (رواية)، عبد الملك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت).

صوت الكهف(رواية)، عبد الملك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت).

    بنية الشكل الروائي، الفضاء- الزمن- الشخصية، حسن بحراوي،  المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء – المغرب، 2009.

      سميولوجيا الشخصيات السردية قراءة في رواية ” صوت الكهف” لـ : عبد الملك مرتاض،عبد القادر ميسوم، مجلة اللغة الوظيفية، الجزائر،  مجلد 5، عدد 2، 2015.

      العنونة في روايات عبد الملك مرتاض كواقعة لسانية،سي أحمد محمود، مجلة التعليمية، الجزائر،  المجلد 8، العدد 1، 2018.

      تجربتي … مع الكتابة الروائيّة، عبد المالك مرتاض، مجلة الموروث، الجزائر، مجلد 4، عدد 4 ، 2014.

      بنية اللغة في رواية صوت الكهف ، قراءة في آليات الخطاب السردي عند عبد الملك مرتاض ، مقاربة جمالية، عزاب عبد الرحيم، مجلة منتدى الأستاذ، الجزائر، مجلد 4، عدد 1، 2008.

     الوعي . الهوية . الآخر ( مقاربة في رواية نار  ونور لعبد الملك مرتاض، بوداود وذناني، مجلة  الباحث، الجزائر،  المجلد 2، العدد 4،2010.

قضايا الرواية العربية، الوجود والحدود، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت- لبنان، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 1433 هـ، 2012

 

 

 [1]. تجربتي … مع الكتابة الروائيّة، عبد المالك مرتاض، مجلة الموروث، مجلد 4، عدد 4 ، 2014، ص 15

[2] ـ دماء ودموع، (رواية)، عبد المالك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر، (د ت)، ص:25

[3] ـ السابق، ص: 37

[4] ـ نفسه، ص: 115

[5] ـ نفسه، ص: 114

[6] ـ نفسه، ص: 193، 194

[7] حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، الفضاء- الزمن- الشخصية، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء – المغرب، 2009، ص166

[8] ـ السابق، ص: 196

 [9].  . العنونة في روايات عبد الملك مرتاض كواقعة لسانية،سي أحمد محمود، مجلة التعليمية، المجلد 8، العدد 1، 2018،ص 161.

[10] ـ نفسه، ص: 254

[11] ـ نفسه، ص: 284، 285

[12] – السابق، ص: 287

[13] – عبد المالك مرتاض، نار ونور،(رواية)، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت)، ص: 54، 55

[14] – نفسه، ص: 59

[15] – نفسه، ص:69

[16] – السابق، ص: 161، 162

[17] – نفسه، ص: 188

[18] – نفسه، ص: 201

 [19]- الوعي . الهوية . الآخر ( مقاربة في رواية نار  ونور لعبد الملك مرتاض، بوداود وذناني، مجلة  الباحث، الجزائر،  المجلد 2، العدد 4،2010.

[20] – نفسه، ص: 206-207

[21] – عبد الملك مرتاض، حيزية (رواية)، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت)، ص: 80

[22] – نفسه، ص: 17-18

[23] قضاياالرواية العربية، الوجود والحدود، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت- لبنان، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 1433 هـ.،2012،ص 94.

 – نفسه، ص: 160- 161[24]

[25] –  السابق، ص: 5، 6

[26] – نفسه، ص: 14، 15

[27] – نفسه، ص: 45

[28] – السابق، ص: 227

[29] – نفسه، ص: 226

[30]– سميولوجيا الشخصيات السردية قراءة في رواية ” صوت الكهف” لـ : عبد الملك مرتاض،عبد القادر ميسوم، مجلة اللغة الوظيفية، الجزائر، مجلد 5، عدد 2، 2015،  ص 389.

[31]–  صوت الكهف(رواية)، عبد الملك مرتاض، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر،(د ت)، ص 215

[32]–  بنية اللغة في رواية صوت الكهف ، قراءة في آليات الخطاب السردي عند عبد الملك مرتاض ، مقاربة جمالية ، عزاب عبد الرحيم، مجلة منتدى الأستاذ، الجزائر، مجلد 4، عدد 1، ،2008 ص 83.