Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 07, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

دراسة “ذكريات” للشيخ علي الطنطاوي من منظور تاريخي

دراسة “ذكريات” للشيخ علي الطنطاوي من منظور تاريخي الدكتور محمد ريحان الندوي raihan.amu@gmail.com المدخل إلى الموضوع : إن الشيخ علي الطنطاوي كان من كبار أدباء القرن العشرين، صاحب فكر دقيق وأسلوب رشيق، وترك آثارا خالدة من كتب ومصنفات جليلة، ومنها سيرته الذاتية المسماة بـ”ذكريات” سنتحدث في هذه الورقة العلمية المختصرة بقدر من التفصيل عن الأوضاع… View Article

دراسة “ذكريات” للشيخ علي الطنطاوي من منظور تاريخي

دراسة “ذكريات” للشيخ علي الطنطاوي من منظور تاريخي
الدكتور محمد ريحان الندوي
raihan.amu@gmail.com
المدخل إلى الموضوع :
إن الشيخ علي الطنطاوي كان من كبار أدباء القرن العشرين، صاحب فكر دقيق وأسلوب رشيق، وترك آثارا خالدة من كتب ومصنفات جليلة، ومنها سيرته الذاتية المسماة بـ”ذكريات” سنتحدث في هذه الورقة العلمية المختصرة بقدر من التفصيل عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية المذكورة في هذا المصنف. وبعد قراءة هذه المقالة سيستطيع القارئ أن يتحدث عن الوقائع التاريخية والأحداث المهمة الموجودة في هذا الكتاب، سنتكلم قليلا عن سيرة الشيخ علي الطنطاوي ثم نقدم دراسة موضوعية لكتاب ذكريات من منظور تاريخي،نذكر أهم ذكريات الشيخ علي الطنطاوي عن الحرب العالمية الأولى والثانية وذكرياته عن الهند وأهلها ونقده على الاستعماريين والديمقراطين مع ذكر قضية فلسطين ونختم هذا البحث بعد تقديم خلاصة البحث.
المبحث الأول: سيرة علي الطنطاوي
1. ولادته: ولد الشيخ علي الطنطاوي في يوم مبارك ألا وهو في فجر يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى في سنة 1327هـ، 12يونيو 1909م، في حي “العقيبة” بمدينة دمشق. وكان يقول مازحا: تاريخ بيعة السلطان محمد رشاد للدولة العثمانية وهو تاريخ مولدي.
2. اسمه ولقبه:

هو علي بن مصطفى بن أحمد بن علي بن مصطفى الطنطاوي ، كما وصف شخصيته في كتابه “ذكريات علي الطنطاوي” في الجزء الأول، وكان جده أحمد بن علي من الأئمة الكبار في الجيش العثماني، أما أبوه فهو الدمشقي موطنا والشافعي مذهبا والمفتي متوظفا. وكان من أعيان علماء دمشق ومن العلماء المعدودين والمربين في الفقه والفتوى .
أما لقبه الشهير “الطنطاوي” فهو نسبة إلى “طنطا” وهي إحدى المدن المصرية وثالثة مدن الكنانة بعد العاصمتين من القاهرة والإسكندرية، كما أنها سوق تجارية للكتب والمجلات العلمية والأدبية، فقد هاجر جد أبيه لأمه محمد مصطفى الطنطاوي منها إلى دمشق سنة 1255هــ 1838م وكان جده تلميذا في الجامع الأزهر فقرأ على علمائه واستفاد منهم في مختلف العلوم والفنون فحمل علمه معه إلى ديار الشام حيث ركز العناية الخاصة على العلوم العقلية واشتهر فيها وترك في هذا الباب كتيبات صغيرة معظمها في الفلك والرياضيات.
3. أسرته الكريمة:
نشأ علي الطنطاوي وترعرع في أسرة علمية دينية مرفهة الحال والمعيشة وكان والده محبا للقراءة شغوفا بالفقه والعلم مصاحبا للطلاب والعلماء، وكما كان عالما متواضعا ومفتيا كبيرا وقاضيا شهيرا وانتهت إليه أمانة الفتوى في دمشق، وصفه على الطنطاوي بأنه كان “من صدور الفقهاء ومن الطبقة الأولى من المعلمين والمربّين” . كان ذا أخلاق نبيلة وشيم كريمة فلم يأل والده جهدا في تربية فلذة كبده تربية دينية وتثقيفه بثقافة دينية أدبية، وأما أمه الحنونة فكانت صالحة تقية مواظبة على الصلوة والصوم وتلاوة القرآن الكريم من بيت علم وأدب ودين وكان أمه أختا للأديب الإسلامي محب الدين الخطيب صاحب مجلتي الفتح والزهراء- وورث علي الطنطاوي هذه العادات الحسنة والخصائل المحمودة من أبويه الكريمين.وكان الجو الديني يسود بيته وأسرته فالزهد عن الدنيا والرغبة في الدين، فالقناعة وغنى النفس وتقوى الله والتجنب عن المعاصي كانت هذه هي المميزات البارزة التي يمتاز بها أسرته الكريمة في دمشق.
وقد تحدث عن والده الشيخ الطنطاوي بقدر من التفصيل كما يلي “كنت منذ وعيت أجد – إذا أصبحت – مشائخ بعمائم ولحي يقرؤون على أبي، وكنت أدخل بالماء أو بالشأي، فألتقط كلمة لا أفهم معناها ولكن تبقى في نفسي ذكراها، ثم صار أبي يأمرني أن أناوله الجزء الأول من حاشية ابن عابدين، أو الثاني من الفتاوى الهندية أو جزءاً من القاموس، أو تنقيح الحامدية، فعرفت بعض أسماء الكتب” . وأبرز أثر هذه التربية أن الطنطاوي بقي خادما للدين والقرآن طوال الحياة وهي التربية الطيبة بذرة الأولى ألقاها أبوه وأمه، فقد كان بيته قريبا من جامع التوبة والجامع الأموي فكان الشيخ يتردد في حلقتي المسجدين مجلس العلم ومجلس الذكر، كما كان حاضرا في درس أبيه ولو كان طفلا صغيرا، ولكن مع صغر سنه عرف أسماء أمهات الكتب والمراجع الأصلية.
4. الشيخ الطنطاوي في مجال الدراسة والعلم والمعرفة:
كان الشيخ علي الطنطاوي جامعا بين الطريقتين في أخذ العلم أولاهما الطريقة التقليدية القديمة الأزهرية وثانيتها الطريقة الحديثة يعنى طريقة المدارس والمعاهد الحديثة . فمنذ الطفولة جعل يتردد إلى المدرسة الإبتدائية ودرس المقررات للدراسة النظامية في العهد العثماني، ثم التحق بالمدرسة التجارية حيث كان أبوه مديرا لها إلى سنة 1918م، ثم واصل دراسته الثانوية بمكتب عنبر ونال منه البكالوريا (الثانوية العامة) سنة 1928م. ثم قصد إلى مصر لطلب العلوم العالية في جامعة الأزهر الشريف ودخل دار العلوم وتم له القبول ولكن لم ما طاب له المكان وما أكمل سنة حتى ترك الدراسة وعاد إلى البيت في السنة اللاحقة 1929م. وصار طالبا في قسم الحقوق في جامعتها حتى نال الليسانس سنة 1933م. وبعد ما عاد إلى الشام دعا إلى تأليف لجنة طلابية على شاكلة مصر التي شاهدها خلال قيامه، فألفت لجنة طلابية وسُميت “اللجنة العليا لطلاب سوريا” واُنتخب رئيسا لها وقاد هذه اللجنة نحوا من ثلاث سنين، وكانت لهذه اللجنة الطلابية أثر كبير في سوريا آنذاك فقادت النضال ضد الاستعمار الفرنسي للشام، ونظمت المظاهرات والإضرابات عن العمل ضد الحكومة، وألقيت خطب حماسية نارية تحت لواء هذه اللجنة وهي التي لعبت دورا فعالا لإبطال الانتخاب المزورة سنة 1931م وذلك بالتعاون مع الكتلة الوطنية. وكان علي الطنطاوي خطيبا مصقاعا يستمع إليه الصغير والكبير والطالب والأستاذ والأمير والوزير بما أنه قائد للجنة الطلابية على مستوى الجامعة .
وكانت له ذكريات جميلة لمكتب عنبر حتى تحدث عنه مرة بأن الحديث عن (مكتب عنبر)”..أشهى إلى النفس من الحديث عن داري وأهلي فيها” ولِم لم يشتاق ويحن إليه لأن الأساتذة كانوا مهرة وأئمة في العلوم وكان الجو رائقا مناسبا في مكتب عنبر. “أما أساتذتنا (فالشيخ علي الطنطاوي تحدث في ذكريات عن أساتذته بكل تفصيل) وسترون أنهم اختاروا لهذه المدرسة-مكتب عنبر- الواحدة، لكل مادة كبار أساتذتها في البلد..وقد كان المدرسون على عهدنا أصحاب علم، صرفوا في تحصيله أعمارهم، وأحيوا فيه لياليهم، وأتعبوا فيه أبصارهم، وصار كل منهم هو المرجع في المادة التي يدرسها ” وكما كان له أساتذة من البلدان المختلفة إقرأوا معي هذا النص التالي، كيف يذكر أسماء البلاد وأساتذتها، وكم استفاد من هؤلاء الأساتذة في حياته: “كما عرفني بالجزائر وتونس وطرابلس (ليبيا) والمغرب مشايخ وأساتذة لنا منها، أحببناهم فأحببنا البلاد التي أخرجتهم. وكانت إليها نسبتهم، فلقد حبب إلي فلسطين أول الأمر أساتذة ومشايخ وإخوان لنا من فلسطين “.
فقضى في هذه المدرسة أخصب أيام حياته ست سنوات، وهذه الأيام كانت حافلة بالعطاء الفكري والنمو الذهني فشحذ نفسه بالمواهب الأدبية العلمية وصقل ذهنه بالأفكار السليمة بالتركيز الخاص على المطالعة والدراسة والاستفادة من الأساتذة الكبار والمعلمين الماهرين في مختلف المجالات، وكان هؤلاء الأساتذة أئمة في المادة والموضوع الذي كانوا يدرسونه، فدرس فيها علم آداب البحث والمناظرة وعلم التخطيط ووضع الخرائط والحساب والهندسة والجبر والجغرافيا واللغة العربية والإنشاء والفرنسية كما تعلم الكيميا والفيزياء والفلك وعلم الحيوان وعلم طبقات الأرض والفلسفة والاقتصاد، وما إلى ذلك من العلوم والفنون .
ومع استفادة من مقررات الدراسة النظامية حيث اطلع على العلوم الحديثة وفنونها كان يحضر في دروس المشائخ من علماء الشام والعراق ومصر. وكان يتعلم منهم على الطريقة الأزهرية القديمة حتى بين فهرست علماء المشائخ في كتابه “تعريف عام بدين الإسلام ” ما يزيد أربعين عالما في شتى العلوم العربية والمعارف الدينية من التفسير والحديث والفقه والفتوى واللغة والنحو والإنشاء.
5. عناصر تكوين شخصيته:
لا ريب فيه أن الإنسان ينال كل شيئ من قدره ونصيبه حسب الجد والكد والمثابرة والاستقامة، ولكن نرى وراء كل ناجح وفائز المكون المصقل المهندس لشخصيته فلكل لاعب مدرب، ولكل حاكم مشير ولكل كاتب أستاذ ولكل شاعر مرشد فهناك فهرست طويل لأناس الذين لعبوا دورهم لتكوين شخصية الطنطاوي وتصقيل موهبته وتنميته الفكرية والتربوية، فها هو أستاذه سليم الجندي “لقد اقتنيت دقيقة دقيقة، أجمعها وأحصيها كل يوم كمايجمع الشحيح فلسا إلى فلس، ويحفظها، حتى اجتمع لي في صحبته ثلث قرن فهل تروني أفرط فيها ” ويتابع قائلا عن أستاذه الجندي والمبارك : “وما أعرف تحت قبة الفلك، أعلم منهما (الجندي والمبارك) بالعربية وعلومها، ولقد كانا أشد المدرسين تأثيرا في تكويني اللغوي والأدبي “.
وكان من أبرز الشخصيات التي قامت بتربية الشيخ علي الطنطاوي خير قيام في بناء شسخصيته الأدبية والعلمية، أبوه الكريم، كان فقيها ومفتيا جعله متعودا على القراءة والدراسة، فمهما زار له شخص أو طالب أو سائل مسئلة يطلب من الطنطاوي أن يأتي بكتاب، فعرف وعلم أسماء مهمات الكتب الفقهية والأصولية والأدبية كما أشار وذكر إليه في ذكرياته، وكما نجد ملامح واضحة في شخصيته لخاله الكريم العالم الجليل الصحفي الإسلامي الكبير صاحب مجلتي (الفتح، والزهراء الصادرة من مصر) إنه فتح له سبيلا للتعارف بالشخصيات البارزة من الأدب والشعر والصحافة، فتأثر من زيارته لمصر على طلب خاله تأثرا عظيما. كما نرى دورا كبيرا في تثقيفه للمحافل والمجالس والمنتديات من أمثال مجلس العالم الأديب محمد كرد علي، وسليم الجندي، ومحمد المبارك، ومصطفى برمدا ما عدا الحلقات للعلماء الكبار في الجامع الأموي والجامع التوبة، وكان من دأبه الحضور والمشاركة في هذه الجلسات العلمية، مما أدى إلى تكوين شخصيته شخصية إسلامية ذات فكر صحيح وعلم وفير وأدب رفيع وخطيب مؤثر. فخدم الشيخ علي الطنطاوي على الأقل سبعين سنة معلما ناجحا وقاضيا عادلا وصحفيا خبيرا وخطيبا مصقعا، واستفاد منه ألوف من الناس.
6.وفاته:
ويكاد يخبو سراج حياته وشمعته العلمية تكاد تذوب بعد ما أفاد قرنا كاملا للطلاب والباحثين والمستمعين والمشاهدين، واستمر تسعين عاما متحركا نشطا بالجد والجهد حافلا بالعطاء الفكري والفني إلى أن جاءت منيته ولبي نداء ربه ولحق بالرفيق الأعلى، ومضى إلى حيث يمضي كل حي وبشر، بعد صلوة يوم الجمعة المبارك الثامن من يونيو عام 1999م، في قسم العناية المركزة بمستشفى الملك فهد بجدة. ودفن في أرض مقدسة في مكة المكرمة في اليوم اللاحق بعد ما صلي عليه في الحرم المكي الشريف .
7. آثار علي الطنطاوي:
ترك علي الطنطاوي أثرا هائلا خالدا في باب الثقافة والأدب وفي مجال العلم والفكر والفن، وهو عبقري من عباقرة البيان العربي الفصيح، ومن الطبقة الأولى من رواد البيان والكلام في ذلك الزمان. يقول عنه صاحب المؤلف “تشبيهات علي الطنطاوي”: “وهو-علي الطنطاوي- بما خلف من آثار خالدة في العلم والفكر والثقافة والأدب، عبقري من عباقرة البيان وفنان من فناني رسم الكلمات وصياغة العبارات، جعلته يحتل وبكل جدارة مكانا عليا في الطبقة الأولى من رواد الكلمة والبيان من أدباء وكتاب هذا الزمان” .
ومعظم مؤلفاته ومقالاته في إطار إسلامي واسع، وجل مصنفاته كانت في صورة مقالة منشورة في الصحف والمجلات ثم جُمعت ورُتبت حسب المواضيع وطُبعت فيما بعد في صورة كتاب مستقل، ومن يقرأ كتاباته يجد هذه الظاهرة عامة، ومعظم كتبه ومصنفاته من منشورات دار المنارة للنشر والتوزيع لحفيده. وأول باكورة أعماله كان عنوانها “رسائل الإصلاح” نشرت سنة 1348هــ – 1930م ، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع أبدا عن الكتابة والخطابة ولم يغب عن ساحة الأدب نشرا وتأليفا. يقول الناقد الدكتور أحمد بسام الساعي عن أدبه الإسلامي في كتابه الشهير “الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد”: “أكاد لا أعرف قلما معاصرا ظلمته الأقلام، وأديبا عقه الأدباء، ومحدثا أغفله المحدثون، وقمة تجاهلها المتسلقون، كمثل الطنطاوي، وإن كنا على ثقة من أنه فوق أن يكترث بهذا الظلم أو ذلك العقوق، ما دام يدرك أية قمة تربع فوقها، وأي مكانة تسنمها في ريادة الحديث الإذاعي والواقعية الإسلامية، ثم لم يسمح لأحد بأن يمسها أو يصل إليها” مهما تجاهل عنها الجهلاء ومهما تغافل عنها الأدباء والمحدثون فإنه في الحقيقة تربع مكانة عالية في سماء العلم والأدب لم يسمح لأحد بعد أن يلمسها أو يشعر بها. لو تجد فرصة القراءة والمطالعة فاقرأ مصنفاته مثل “فصول إسلامية”، “في سبيل الإصلاح”، و”فتاوى الشيخ علي الطنطاوي” لتجد نفسك أمام مفكر إسلامي كبير، واقرأ من كتبه “أبو بكر الصديق”، و”أخبار عمر”، و”رجال من التاريخ” و”قصص من التاريخ” لتشاهد أمام أي مؤرخ يؤرخ لك هذه الوقائع والأحداث لهذه العظماء والأبطال، وادرس “فكر ومباحث”، و”صور وخواطر” و”هتاف المجد” و”صيد الخاطر” تجد نفسك أمام أديب مبدع يأخذ الأفكار من الناس والمجتمع ويردهم في أحسن صورة وفي أجود طريقة. إقرأ “من حديث النفس” و”مع الناس” و”نفحات الحرم” و”ذكريات” هذه الكتابات تحمل في طياتها ذكرياته الجميلة وهمه عن نفسه وعن مجتمعه وتحمل هذه المؤلفات بين دفتيها الأفراح والأحزان، والسكينة والاضطراب، والعلم والأدب والتاريخ.
المبحث الثاني : دراسة “ذكريات”من منظور تاريخي
1. ذكرياته في باب السياسة:
كما للمجتمع أثر على شخصية إنسان في عقله وشعوره وكذلك للسياسة أثر في فكر الإنسان وفنه وأدبه، ومن هنا نرى أثرا بالغا للسياسة في جميع مجالات حياة علي الطنطاوي ومنها ومقالاته وأحاديثه الإذاعية وخطباته على المنابر. وكان لها صدى كبيرا وأثرا واضحا طوال حياته، فمن يقرأ ويدرس آثاره يجد انعكاسات السياسية جليا للسياسة عليها واضحا جليا.
حينما فتح الشيخ علي الطنطاوي أعينه وجد السلاطين العثمانيين حاكمين على بلدهمسيطرين عليه، وبعد ثورة عنيفة جاءت حكومة فيصل وانهار حكومته في مدة قليلة، وكان في ذلك الحين علي الطنطاوي في الصف الخامس وما لبث أن جاء حكم المستعمرين الفرنسيين فأعادوه إلى الصف الرابع في حكمهم، فشاهد الإنقلابات والثورات والاضطرابات السياسية الهائلة والفوضوية الحكومية الكبرى ، وننقل فيما يلي حديثه عنها “ذلك أننا شهدنا في سنتين اثنتين مولد انقلابين، وموت حكومتين، أدركنا عهد الترك ورأينا ذهاب الترك، وعشنا في حكم فيصل ، فكانوا كلما جدت حكومة ونحن في الصف الخامس أعادونا إلى الصف الرابع، فلم نستقر في الصف الخامس إلا سنة 1921م، على عهد الفرنسيين وقد كنا فيه 1918م على أيام العثمانيين” .
فنرى حياة علي الطنطاوي مليئة بالأحداث والتغيرات والثورة بعد الثورات، فشاهد عهد الأتراك، وعهد الشريف فيصل، وعهد المستعمرين الفرنسيين. ثم شاهد الاستقلال، وعهد الوحدة وعهد الانتداب، ولكل عهد هموم وغموم ولكل حكم مآس وأهوال حتى تغير الأرض غير الأرض وتبدلت الأحوال من حسن إلى سيئ ومن سيئ إلى أسوء وأفظع من حيث السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، حتى ذاق أهل الشام وبال الحرب العالمية الأولى. وكان الشيخ علي الطنطاوي طفلا صغيرا حينذاك في المدارس الابتدائية ولكن ما شاهد من المشاهد المروعة لم يعد ينساها مهما كبر سنه ومهما بلغ من عمره الثمانين. وفقدت الأشياء من السوق من عدس وخبز ورز، فالناس يموتون جوعا وفقرا حتى بدأ الناس يأكلون من أكوام وذبالة، وساد الفساد والخراب وعم البلاء والبؤس والظلم على الناس من أناس جاءوا لكبح الظلم التركي وبسط الأمن والسلام.
وننقل هنا ما رواه الشيخ الطنطاوي عن الحرب العالمية الأولى من ذكرياته الكريهة فهو يقول متأسفا: “ثم رأينا الناس ينبشون أكوام القمامة لعلهم يجدون فيها من بقايا طعام.. وعز السكر حتى صارت الأوقية (200غرام) بريال مجيدي، وقد كان المجيدي قبل الحرب يكفي لوليمة ضخمة..وقل الكاز وفقدت أشياء كثيرة مما كنا نستورده، كانت أيام شداد” .
نقده على الديمقراطية والاستعماريين:
يقول الشيخ عن معاهدة بلفور، وهذه المعاهدة كانت مؤامرة ودسيسة، فالشيخ علي الطنطاوي يتساءل أدعياء الديمقراطية. من أعطاهم حقا للتصرف في أرض فلسطين؟ أهي كانت لهم أم لآبائهم؟ أم ورثوها كابرا عن كابر؟ أهذا هو دستور الغرب! وقانون أوربا وإنجليز! يتساءل تهكما وسخريا: “سلوا أدعياء الديمقراطية، أكانت فلسطين ملك بلفور بالسجل العقاري، قد شراها بماله، أو ورثها عن أبيه حتى يتصرف فيها هبة ووعدا” . يقول في مقام آخر عن هذه الطريقة الديمقراطية ناقدا لاذعا بأنها لا تأتي إلا بشيطنة بشعة. بعد ما استولى الإنجليز على عرش الهند وقاوم المسلمون ضدها مقاومة شديدة مع الهندوس لينالوا استقلال من براثن الاستعمار الإنجليزي الغاشم الظالم الجبار فسموا هذا الحرب حرب العصيان، ولكن نسي نفسه بأنهم جاؤوا متسولين تاجرين طائعين للحكام المسلمين فكيف أصبحوا السلطان؟ ومن ولاهم الأمر أملكة بريطانيا؟ كلا!! الإنجليز غاشم خادع ماكر مستعمر، وهذه الديمقراطية هي خدعة ودسيسة فقط “لم تنفع بطولات المجاهدين مع أسلحة الإنجليز الحديثة، ومع دسائسهم المعروفة، وتفريقهم بين المتحدين، فقضوا على هذه النار –الحرب الدفاعية المقدسة 1857م ضد الإنجليز- بعد خمسة أشهر من اشتعالها. فلما هدأت وانطفأت، أسرعوا بالانتقام، الانتقام الوحشي المروع، الذي لم يسمع بمثله عن جنكيز وهولاكو، هذا الانتقام قام بالإنجليز الذين يزعمون أنهم أمة الحضارة، وأهل الديمقراطية، وأصحاب الدستور. دمروا دهلي المسلمة، وقتلوا أهلها قتلا عاما، حتى غدت خرائب وأطلالا وقد كانت أعظم بلاد الهند” .
ذكرياته عن الحرب العالمية الأولى:
كان الشيخ علي الطنطاوي طفلا صغيرا في سنة 1914م، فما لاحظ من أحوال الناس ومن شدة العيش وكساد السوق وفقر الناس يصف أحوالهم في كتابه ذكريات بعنوان” من ذكريات الطفولة-ذكريات عن الحرب العالمية الأولى”يروي لنا حكاية الحرب: “وكانت أيام-1914-عشتها، ورأيت أحداثها، ولكني لم أستوعبها، وأحس الآن وأنا أتحدث عنها كأني أسرد قصة حلم من الأحلام، أو رؤيا منام، صحا من رآها فلم يجد في يده شيئا. أشعر كأني ألخص صفحات من تاريخ قديم، قديم جدا، إي والله، لقد تبدلت حياتنا كلها من سنة 1914م إلى سنة 1981م “.
ثم يذكر الشيخ عن المخترعات الحديثة من سيارة وطيارة وأول شارع فتح في دمشق حتى يعود إلى سنة 1914 من جديد، فيقول: “كان هذا كله استطرادا، وسبقا للحوادث، فلنعد إلى سنة 1914، إلى السنة التي اشتعلت نيران أول حرب عالمية في تاريخ البشر، ولكن لا تنتظروا مني أن أحدثكم عنها حديث المؤرخ المحقق، فإني أدون ذكريات إنسان كان طفلا في تلك الأيام لا أنقل عن ابن خلدون ولا عن شارل سنيوبوس ..كان يوم رأيت فيه سماء (الصحن) الواسع مغطاة بسحابة سوداء، دانية منا ليست بعيدة عنا، وكان يساقط شيئ منها على رؤوسنا…لا لم تكن قطرات الماء، فلم تكن سحابة ممطرة، وإنما انت رجلا من الجراد، ملأ سماء الشام وأرضها، وأتى على الأخضر واليابس من زرعها، وكان شيئا رهيبا..فبدأ القحط. ثم سمعنا من أفواه الكبار كلاما لم ندرك غوره، ولكن فهمنا من لهجة كلامهم، ومن ملامح وجوههم، ومن جزعهم، إنه شيئ مكروه مخيف. فهمنا أنها قامت حرب في مكان بعيد عنا…ثم خلت الشام إلا من الشيوخ والنساء والأطفال، أما الشبان فقد ساقوهم (مشاة على أقدامهم) إلى حرب ترعة السويس أولا، التي عدنا بالهزيمة، وإلى معركة (جناق قلعة) لمحاربة أعداء الألمان “.
ثم يتابع الشيخ أحوال الناس أيام الحرب العالمية الأولى وأثرها على بلده وأهله، مات الناس فقرا وجوعا، وحل البلاء من كل جانب وعلت الأسعار وقل البترول، يذكر ذكرياته القاسية ويقول : “ثم رأينا الناس (ونحن في طريقنا إلى المدرسة) ينبشون أكوام القمامة لعلهم يجدون فيها بقايا طعام. وعز السكر حتى صارت الأوقية ( 200غرام) بريال مجيدي، وقد كان المجيدي قبل الحرب يكفي لوليمة ضخمة، أي أن الكيلو بليرة (أي بجنيه ذهبي!). وقل الكاز (البترول) وفقدت أشياء كثيرة مما كنا نستورده. وما كان منه عند التجار، قبضوا عليه أيديهم، وأخفوه في مستودعاتهم، وكانت أيام شداد” .
ذكرياته عن الحرب العالمية الثانية:
للحرب العالمية الأولى والثانية ذكريات كثيرة مرة وقبيحة ولها أثر في نفس الطنطاوي، وحينما بدأ تأليف الذكريات لم يعد ينس ذكرياته عن الحرب وهي كثيرة، ولو أشرع ذكر هذه الصفحات لا يتسع بهذا المكان، ولضاق بنا المقام. والبحث يطول.. وإنه تكلم وكتب كثيرا عن الحرب وأسلوبها والاستعمار وطريقه وعن السياسة الحاضرة الغربية الديمقراطية والشيوعية. فمقالاته ومؤلفاته مليئة بذلك الأثر والذكر. أنا أذكر بعض الذكريات التي ما دامت باقية في نفس علي الطنطاوي والانعكاسات الواضحة لهذه الحروب التي انعكست في هذا الكتاب “ذكريات”. يذكر ذكرياته عن الحرب العالمية الثانية تحت عنوان “من ذكريات الحرب العالمية الثانية” هذه الذكريات المريرة القبيحة، هي التي تركت أثرا كبيرا على نفس علي الطنطاوي، ومن يقرأ يتعجب ويدهش، تعالوا معي نقدم قطعة من ذكريات الشيخ عن الحرب: “واستمر مرير الحرب، وانتشرت نارها ونحن لا نعرف مكانها إلا على السماع، وجعلت تطيف بلهبها بنا وتدنوا أحيانا منا: إمتد لسانها إلى مصر فجزعنا وأشفقنا، وكنا مع المصريين بقلوبنا وألسنتنا، وما نملك –لعمري- إلا الألسنة والقلوب. ثم دنت منا فبلغ لهيبها العراق، فأقبلنا على العراق بقلوبنا، وما جانبت مصر ولا تولت عنها تلك القلوب. ثم أصبحنا ذات يوم (يوم الجمعة 20 حزيران/ يونيو 1941م) على صوت الراد (الراديو) يقول: إن الحرب في “الكسوة” على أبواب دمشق، فنظرنا إليها فلم نجد إلا جبل “المانع” وما فيه أثر لحرب، فكذبنا وأنكرنا فقال العارفون: إن المعركة وراء هذه الجبال. وأكدوا ذلك، ولكنا لبثنا مكذبين، فلم تكن إلا ليال حتى بدت في الأفق القبلي من دمشق ومضات المدافع، نراها من حينا (حي المهاجرين) على سفح جبل قاسيون. وسمعنا أصواتها فصدقنا ما قال الراد، وأيقنا أن قد بلغتنا هذه الحرب، ولكن لم نكبرها ولم يصبنا الذعر منها، إذ لم تمسسنا نارها، ولا وصل إلينا أورها. ثم دنت منا النار، وانطلقت المدافع الثقال من قلاع المزة وقاسيون فاهتزت لها دمشق، ولكن أفئدة أهلها لم تهتز، بل راحوا يؤمون السفح، يشرفون منه على المعركة، وهي دانية منهم، أصواتها في آذانهم، وشظاياها عن أيمانهم وشمائلهم” .
وخلال هذه الحرب العالمية الثانية رمت طائرة قنبلة عظيمة على دمشق فشبه الشيخ تلك القنبلة المروعة المخيفة وأثرها على الناس وعلى نفسه بقوله: “كان الليل ساكنا سكون السحر الفاتن العميق، وإذا برَجّة لا توصف قلقلت البيوت فذهبت بها وجاءت كأنها الزلزال العظيم، لولا أنها اقترنت بصوت آفاق منه الناس، وإن أحدهم ليضطرب في فراشه اضطراب السمكة خرجت من الماء” .
انقسام الشام على يد الفرنسيين :
الشيخ علي الطنطاوي يتحدث عن الظروف والأحوال التي طرأت على دمشق بعد مجيئ المستعمرين الفرنسيين، فقسم هؤلاء المستعمرون دولة الشام وقطّعوها في ست قطعات وجعلوها دويلات صغيرة، وكانت هذه اللعبة السياسية لعبت على أساس التفريق فيما بين المسلمين. يقول متحدثا عنها: “أصور لكم الظرف الذي كتبت فيه، عرفتم أن الفرنسيين قطعوا الشام قطعاً، فبعد أن كانت كلها ولاية من ولايات الدولة العثمانية، تضم سورية بحدودها الطبيعية، جعلوا منها دولاً: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة الدروز، والباقي صار فلسطين، وإمارة شرقي الأردن.ست دول كانت كلها كالولاية الواحدة، وتلك سنة المستعمرين في كل مكان وفي كل زمان، قانون (فرق تسد)” .
2. ذكرياته في باب الاجتماعية:
ما كان في طفولة الشيخ علي الطنطاوي المطبعة ولا آلات الكتابة والنسخ مثل ما نرى هذه التسهيلات اليوم في الجامعات والمدارس، فكان الطلاب ينقلون نص الكتب بأيديهم على الأوراق وكانوا يخطون بأيديهم. فنسخ الشيخ علي الطنطاوي كتب كثيرة يزداد عددها آلافا من التاريخ القديم والحديث والجغرافيا والعلوم، ثم عكف عليها ودرسها بكل إهتمام ورغبة، حتى صار عالما موسوعيا وأديبا كبيرا ومؤرخا ممتازا وكما تحدث عن نفسه قائلا بأنه قد قرأ ما وقع تحت يديه عن موضوعات مختلفة. ولأجل سرعان ما كان تنفد عنده الأوراق والقراطيس ويكاد يملّ القراء والدارسون ولكن ذكرياته ما انتهت وكلماته ما نفدت. يحكي لنا الشيخ علي الطنطاوي حكايته الدراسية: “هو أننا كنا نأخذ أمالي المدرسين ممن سبقنا من الطلاب، فننسخها بأيدينا. ولقد كتبت آلافا (آلافا حقيقية لا مبالغة) من الصفحات، في التاريخ القديم والأوسط والحديث والجغرافيا والطبيعية والسياسية والاقتصادية والكيمياء المعدنية والعضوية والفيزياء وعلم الحيوان والنبات والجبر والمثلثاث والهندسة المسطحة والفراغية والنسبية، وسائر العلوم” .
عاش الشيخ طفولته في عصر ما كانت الكهرباء للنور ولا السيارة للسير ولا الطائرة للسفر ولا الجوال للحوار وما كانت السينما للتسلية وما كان الراديو للخبر، وكانت حياتهم ساذجة سهلة وكان الناس عاديا في الطعام والشراب والحوار، يقدم الشيخ طريفة مضحكة عن السيارة. أن السيارة حينما وصلت إلى الشام لأول مرة سنة 1916م فخرج الناس يشهدونها وينظرون إليها، فلما رأوها تمشي وحدها بدون حصان ولابغال، قال قائل منهم: إن الجن تسيرها وتقودها كيف يمكن للماكينة-السيارة- أن تمشي ولا يسحبها حصان ولا بغال، فتدافع ضعاف القلوب هاربين من الساحة، وهرب الشيخ علي الطنطاوي مع أترابه الصغار حتى ضاعت حقيبة كتبه في هذه الوقعة ونال أخيرا هذا الجزاء من هذه الوقعة العجيبة المدهشة .
3. ذكرياته عن الهند وتاريخها وأهلها:
لقد قام الشيخ الطنطاوي بزيارته للهند في سفره المبارك لدعاية قضية المسجد الأقصى، يروي لنا الشيخ علي الطنطاوي ذكرياته الحلوة عن الهند وحضارتها القديمة وثقافتها الباهرة يقول الشيخ الطنطاوي: “أعرض عليكم خلاصة لما بقي في ذهني بعد أن زرت الهند وقرأت تاريخها.هذه القارة التي يعيش فيها خمس سكان الأرض، والتي تحوي من الأديان واللغات ضعف ما في أوربا كلها وأمريكا، قارة الهند، بلد الماضي البعيد الحافل بالأحداث، بلد الحضارات والمجد التالد، بلد العجائب والغرائب.. لقد فتحناها ثلاث مرات: مرة على يد القائد العربي الشاب محمد بن القاسم، ومرة على يد الملك الأفغاني السلطان محمود الغزنوي، والثالثة على يد الفاتح المغولي المسلم بابر حفيد تيمور لنك (أي الأعرج) .
أما آثار الإسلام في الهند فهي كثيرة، فظلت تحكمها ملوك المسلمين أكثر من ثمان مئة سنة، يذكر هذا التاريخ الهندي ومن ذاكرته القوية ندرج هذا النص التالي: “إن للإسلام في الهند أندلسا كبرى يقف المسلم في آثارها، في دهلي ولكنو وعليغار، وهاتيك الديار..على المساجد التي لم يعد يسيطر عليها أهلوها، على القلاع التي خلت من جنودها، على العروش التي غاب عنها أصحابها، على الإسلامية الضخمة، على مسجد قبة الإسلام، (الذي يدعونه قوة الإسلام) على منارة قطب، على القلعة الحمراء، على المسجد الجامع، وكل ذلك في دهلي، على تاج محل القريبة من دهلي، يقف المسلم على ذلك فيحس أنه يعصر قلبه دموعا، ويزلزل جوانحه أسى” .
4. قضية فلسطين:
يقول الشيخ علي الطنطاوي عن القضية الفلسطينية: “إن ضياع فلسطين جريمة ستحكم فيها محكمة التاريخ، حين تسقط قيود المنافع والمجاملات، وحجب الجهل والغفلة، وينكشف الخفي ويفتضح المزور، عندئذ يستطيع التاريخ أن يحقق في هذه الأحداث، وأن يكشف ملابساتها ويحدد المسؤول عنها، على أن المحكمة الكبرى هي التي تكون يوم الحساب، بين يدي رب الأرباب، يوم لا تخفى عليه خافية، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا جند ولا أعوان. إن النصر يكون بالعدد، وإن كانت كثرة العدد لا تجدي إن لم يكن معها العِدد الكافية، والعدد والسلاح لا ينفعان إن لم يكن معهما العلم، وهذا كله لا يأتي إلا بالمال. فهل ينقصنا-نحن المسلمين- بالعدد؟ نحن ألف مليون، واليهود بضعة ملايين، لو أننا (وعفوكم عني إن جئت بمثال بشع) لو أن كل مسلم بصق بصقة لأغرق يهود العالم، ولو أنه نفخ نفخة وجمعت هذه النفخات لأطارتهم، ولو ألقى عليهم كل واحد نعله القديم لماتوا ودفنوا في قبر من النعال. وإذا كان العدد لا ينقصنا، وإذا كان ما عند المسلمين من السلاح أكثر مما كان عند اليهود، وإذا كان مجموع العلماء من الممسلمين، العلماء بالطبيعة وعلومها، أكثر مما عند اليهود، وإذا كنا معشر المسلمين جميعا نملك من المال أكثر مما عند اليهود، فما الذي ينقصنا؟ إذا كان لا ينقصنا العدد، ولا ينقصنا المال، ولا ينقصنا السلاح، ولا ينقصنا العلم، فما الذي ينقصنا؟ إن الذي ينقصنا هو الإيمان. أن نكون مع الله حتى يكون الله معنا، أن ندخل الإسلام في المعركة، فلا نجعلها معركة استرداد الأرض فقط، ولا نجعلها فلسطينية فقط، ولا نجعلها عربية فقط بل نجعلها معركة إسلامية، إنها قضية المسلمين جميعا ليست قضية العرب وحدهم “.
خلاصة القول:
لا غرو فيه أن هذا الكتاب سجل أحداث ووقائع كما فيه أحاديث وذكريات عن دمشق وأحوالها وتاريخ مصر وفلسطين وإندونيسيا والهند وباكستان، وهذا الكتاب سجل اجتماعي ففيه ذكر عادات الناس من العرب والعجم وتقاليدهم وطقوسهم، وهو سجل علمي ففيه ذكر الكتب والكتاب والعلم والعلماء، وهو مجموعة القصص والفكاهات فقد ذكر في الاستطرادات القصص والطرائف والفكاهات لإزالة الملل والسآمة من القراء والدارسين، كما فيه حكم وأمثال ونصائح وعبر. ففي كتاب “ذكريات” ليس فيه حديث عن الطنطاوي فقط، بل لو تصفحنا جميع الأجزاء وقرأناه وقارناه كم كتب عن نفسه، وكم كتب عن دمشق، وعن البلدان الأخرى وعن الأحداث والوقائع والأساتذة والشيوخ، فعرفنا أن مجلدا أو مجلدين لكفى لحياته وأحداث حياته، وأما الحديث الآخر والذكريات الأخريات فهي عن أحوال الناس المختلفة من السياسة والثقافة والاجتماع والأدب والدين . كما فعل صديقه العقاد في سيرته الذاتية “أنا” وتحدث عن حياته الأدبية والسياسية والاجتماعية المتصلة به . فالذكريات هي مرآة للمجتمع وللزمان الذي عايشه صاحبه، وصورة صادقة لأهل زمانه. ويقول الكاتب بأن السير الذاتية مقيد بقيد التاريخ والثقافة يقول: “وأنا أوافق تماما على أن جميع السيرة الذاتية مرتبطة بسجل التاريخ والثقافة”.

المصادر والمراجع:
 مجلة الوعي الإسلامي، الصادرة من الكويت، علماء وأعلام كتبوا في مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دولة الكويت
 علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1422هـ، 2001م.
 علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الخامس، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1422هـ، 2001م.
 علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الرابع، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1422هـ، 2001م.
 علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1422هـ، 2001م.
 لويس معلوف، المنجد في اللغة والأعلام، الطبعة السادسة، دار الشروق بيروت، 1990م.
 الندوي، واضح الرشيد، أعلام الأدب العربي في العصر الحديث، الطبعة الأولى، 1430هـ/2009م.
 الندوي، أبو الحسن، مختارات من أدب العرب، الجزء الأول، الطبعة السابعة، المكتبة الندوية، لكناؤ، 1999.
 علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1422هـ، 2001م.
 آل مريع، أحمد بن علي، علي الطنطاوي كان يوم كنت، صناعة الفقه والأدب، الطبعة الثانية، مكتبة العبيكان، الرياض، 1430هـ، 2009م.
 وفا، علي وفا، الاتجاه الإسلامي في أدب علي الطنطاوي، الطبعة الأولى، مكتبة العبيكان، الرياض، 1432هـ 2011م.
 ديرانية، مجاهد مأمون، علي الطنطاوي- أديب الفقهاء وفقيه الأدباء، الطبعة الأولى، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1421هـ 2001م.
 علي الطنطاوي، تعريف عام بدين الإسلام، الطبعة الأولى، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة السعودية، 1409هـ 1989م
 علي الطنطاوي ، من حديث النفس، الطبعة الثامنة، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة 1418هـ1998م
 ملحق صحيفة الجزيرة الصادرة من الرياض، الصفحة الثقافية العدد: 9737.
 الهذيلي، ناصر بن عبد العزيز، تشبيهات علي الطنطاوي، الطبعة الأولى، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1432هـ2011م.
 Tibi, Bassam, Arab Nationalism; A critical Enquiry, St. Martin’s Press, 1990.
 علي الطنطاوي، دمشق صور من جمالها وعبر من نضالها، الطبعة الثانية، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة، 1407هـ 1987م.
 علي الطنطاوي، هتاف المجد، الطبعة الثالثة، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، 1417ه1996م.
 العقاد، عباس محمود، أنا، المجموعة الكاملة لمؤلفات الأستاذ عباس محمود العقاد، المجلد الثاني والعشرون، السيرة الذاتية1، الطبعة الأولى، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م.
 McDowell, Deborah E. A brief history of autobiography, Research paper, published in New York Times. 19 April, 1998