اليوم العالمي للُّغة العربية
بقلم: علاء الدين محمد الهدوي فوتنزي جمهورية الهند _________________________________________________________________________ هناك يوم عالمي حددته الأمم المتحدة للاحتفاء باللغة العربية، ويصادف 18 ديسمبر من كل عام. يسلط هذا اليوم الضوء على تراث اللغة ومساهمتها للإنسانية، كما يمثل اليوم فرصة للنظر في حالة ومستقبل إحدى اللغات الأكثر انتشارًا في العالم. وتنتهز العديد من الجهات الفاعلة هذا اليوم لتنظيم… View Article
بقلم: علاء الدين محمد الهدوي فوتنزي
جمهورية الهند
_________________________________________________________________________
هناك يوم عالمي حددته الأمم المتحدة للاحتفاء باللغة العربية، ويصادف 18 ديسمبر من كل عام. يسلط هذا اليوم الضوء على تراث اللغة ومساهمتها للإنسانية، كما يمثل اليوم فرصة للنظر في حالة ومستقبل إحدى اللغات الأكثر انتشارًا في العالم. وتنتهز العديد من الجهات الفاعلة هذا اليوم لتنظيم الأنشطة المتعلقة بموضوعه. والموضوع الذي وقع عليه الاختيار لهذا العام 2021م هو “اللغة العربية والتواصل الحضاري”، ويُعتبر بمثابة نداء للتأكيد مجدداً على الدور الهام الذي تؤدّيه اللغة العربية في مدّ جسور التواصل بين الناس على صهوة الثقافة والعلم والأدب وغيرها من المجالات.
ويكتسب موضوع عام 2021م أهمية بالغة في كنف المجتمعات التي تتعاظم فيها العولمة والرقمنة والتعددية اللغوية، ويسلم بالطبيعة المتغيرة للعالم والحاجة الماسة لتعزيز الحوار بين الأمم والشعوب.
بدأ الاهتمام العالمي الخاص باللغة العربية في منتصف القرن الماضي وبالتحديد في العام 1948م في الوقت الذي قررت فيه منظمة اليونسكو أن تعتمد اللغة العربية بعد اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية لتأتي في الترتيب الثالث بين لغاتها الرسمية، وفي عام 1960 م جرى الاعتراف أن اللغة العربية لها دور بارز في أن تجعل المنشورات على المستوى العالمي مؤثرة.
وفي سنة 1974م كان أول مؤتمر انعقد في منظمة اليونيسكو باللغة العربية، وجاء ذلك بناءً على بعض المقترحات التي تبنتها الكثير من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وانتهى المؤتمر باعتراف مستحق باللغة العربية واحدة من اللغات العالمية في المؤتمرات الدولية.
ويسعى اليوم العالمي للغة العربية إلى إبراز الإسهام المعرفي والفكري والعلمي لهذه اللغة وأعلامها في مختلف مناحي المعرفة البشرية عبر التاريخ، فالحضارة العربية الإسلامية لها إسهامات مشهودة في مختلف مناحي العلوم والمعرفة والآداب والفنون، ويعود إليها الفضل الأكبر في النهضة الأوروبية ثم الثورة الصناعية التي كرّست قيادة الغرب للعالم. كما يرمي اليوم العالمي للغة العربية إلى التأكيد على مركزية هذه اللغة التي تعد من أوسع اللغات انتشارًا، فعدد المتحدثين بها يتجاوز 420 مليون نسمة في البلاد العربية، كما أنها اللغة المعتمدة لدى عدد من الكنائس المسيحية في المشرق، وكُتب بها جزءٌ مهم من التراث الثقافي والديني اليهودي.
وفيما يخص موضوع هذا العام أو (ثيمة) الاحتفال السنوي، فإنه يبرز الدور التاريخي الذي تضطلع به اللغة العربية في استحداث المعارف وتناقلها، فضلا عن كونها وسيلة للارتقاء بالحوار وإرساء أسس السلام، وكانت اللغة العربية على مرّ القرون الركيزة المشتركة وحلقة الوصل التي تجسّد ثراء الوجود الإنساني وتتيح الانتفاع بالعديد من الموارد.
وهذا الدور لم ينقطع على مر الزمن ولكنه في بعض العصور المتقدمة کان أعظم أثر على المستوى العالمي حتى إنها كانت لغة العلم العالمي دون منازع، وذلك بفضل ما توصلت إليه الحضارة الإسلامية من أسباب التقدم والرقي

ويجدر بالذكر أنّ اللغات تتداخل وتتلاقح كلما اتصلت إحداها بالأخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن أية لغة من اللغات في العالم كما تؤثر في غيرها فإنها أيضا تتأثر، ويرى عالم اللغة الفرنسي “جوزيف فندريس” أن تطور اللغة مستمر في معزل عن كل تأثير خارجي، وأن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها، كثيرًا ما يؤدي دورًا مهمًا في التطور اللغوي، ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية، واحتكاكها يؤدي حتمًا إلى تداخلها أو (تصاقبها) كما يعبر العالم المعروف أبو الفتح عثمان ابن جني صاحب الخصائص.
ويقول المستشرق ” إرنست رينان ” في كتابه تاريخ اللغات السامية “إن انتشار اللغة العربية ليعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر كما يعتبر من أصعب الأمور التي استعصى حلها؛ فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدت فجأة على غاية الكمال سلسة غاية السلاسة، غنية أي غنى وإن اللغة العربية – ولا جدال – قد عمت أجزاء كبرى من العالم”.
ومن الجلي أن التواصل الحضاري واللغوي قد أدّى إلى دخول الآلاف من الكلمات العربية إلى اللغات الأجنبية، وتنوعت تلك الألفاظ ما بين علمية وأدبية إلى جانب ألفاظ تتعلق بأمور المعيشة، بل والمصطلحات العلمية أيضا، وقد ذكر ابن سينا الكثير من العقاقير التي دخلت في علم النبات وعلم الصيدلة عند الأوروبيين، وظل الكثير منها بأسمائها العربية في اللغات الأجنبية كعنبر والزعفران والكافور والتمر الهندي وعود الند والحشيش والمسك والصندل وغيرها، وقد سجل الأستاذ ويسلر في كتابه “الحضارة العربية” الكلمات العربية التي دخلت متن اللغات الأوروبية.
ويقول رينالدي عن تأثير اللغة العربية في اللغة الإيطالية: “لقد ترك المسلمون عددًا عظيما من كلماتهم في اللغة الصقلية والإيطالية، وانتقل كثير من الكلمات الصقلية التي من أصل عربي إلى اللغة الإيطالية ثم تداخلت في اللغة العربية الفصحى، ولم تكن الكلمات فقط هي التي دخلت إيطاليا وإنما تسربت أيضًا بعض جداول من الدم العربي في الجالية العربية التي نقلها معه إلى مدينة لوشيرا، الملك فريدريك الثاني، ولا يزال الجزء الأعظم من الكلمات العربية الباقية في لغتنا الإيطالية التي تفوق الحصر دخلت اللغة بطريق المدنية لا بطريق الاستعمار، وإن وجود هذه الكلمات في اللغة الإيطالية يشهد بما كان للمدنية العربية من نفوذ عظيم في العالم المسيحي”.
ومن الواضح أن اللغة العربية لها أهمية كبيرة ومكانة مرموقة بين اللغات العالمية، وتعتبر اللغة الوحيدة الحية على وجه الأرض، وعلى اختلاف بين الباحثين حول عمر هذه اللغة لا نجد شكًا في أن العربية التي نستخدمها اليوم أمضت ما يزيد على ألف وستمائة سنة، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، إذ يقول الله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.
ومنذ عصور الإسلام الأولى انتشرت العربية في معظم أرجاء المعمورة وبلغت ما بلغه الإسلام وارتبطت بحياة المسلمين فأصبحت لغة العلم والأدب والسياسة والحضارة، فضلا عن كونها لغة الدين والعبادة. لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب الحضارات المختلفة الفارسية واليونانية والهندية المعاصرة لها في ذلك الوقت وأن تجعل منها حضارة واحدة، عالمية المنزع، إنسانية الرؤية، وذلك لأول مرّة في التاريخ، ففي ظل القرآن الكريم أصبحت اللغة العربية لغة عالمية واللغة الأم لبلاد كثيرة.
وجدير بالذكر أن أهمية اللغة العربية تنبع من نواحٍ عدّة؛ أهمها: ارتباطها الوثيق بالدين الإسلامي والقرآن الكريم، فقد اصطفى الله هذه اللغة من بين لغات العالم لتكون لغة كتابه العظيم و لتنزل بها الرسالة الخاتمة “إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون”، كما تتجلى أهمية العربية في أنها المفتاح إلى الثقافة الإسلامية والعربية، ذلك أنها تتيح لمتعلمها الاطلاع على كم حضاري وفكري لأمّة تربعت على عرش الدنيا عدّة قرون وخلفت إرثًا حضاريًا ضخمًا في مختلف الفنون و شتى العلوم، وتنبع أهمية العربية في أنها من أقوى الروابط والصلات بين المسلمين، ذلك أن اللغة من أهم مقومات الوحدة بين المجتمعات.
فالعربية لم تعد لغةً خاصة بالعرب وحدهم، بل أضحت لغة عالمية يطلبها ملايين المسلمين في العالم اليوم لارتباطها بدينهم و ثقافتهم الإسلامية. بل صار غير المسلمين يطلبون تعلم اللغة العربية سبيلاً للتفوق المهني في الدبلوماسية والتجارة وتبادل المنافع، فضلاً عن السياحة وغير ذلك.
وكانت مجلة الرابطة قد نشرت حوارًا مع البروفيسور عبد المجيد الطيب مؤلف كتاب منزلة اللغة العربية بين اللغات لمعاصرة، وقد أثبت في دراسته أن العربية لها من السمات والخصائص والمؤهلات ما يضعها في مقدمة اللغات الإنسانية. وأوصى الطيب بأن يتولى بنوها ما تستحقه من اهتمام وما هي جديرة به من احترام. فهي وجدان الأمة وضميرها الحي وعقلها الذي به تفكر. فإن أرادت هذه الأمة أن تحقق وحدتها وتعزز سيادتها وتستكمل نهضتها , فلا سبيل لها لأن تنجز ذلك إلا من خلال تقوية لسانها العربي المبين، وإعلاء شأنه بين العالمين.
وربما يرى البعض أن اللغة العربية رغم ثرائها وقوتها الذاتية تسجل تراجعًا بين المتكلمين بها. ولا شك أن تحديات كثيرة أثرّت وتؤثر سلبًا عليها وعلى مكانتها، وتتنوع آراء الباحثين والمهتمين حول أسباب هذا التراجع خاصة بين أبناء الجيل الجديد، فهناك من يرى أنها أزمة خاصة بأصل اللغة وعدم مواكبتها المستجدات العالمية، وهناك من يجزم أنها لا هذا ولا ذاك، بل هي أزمة جيل انسلخ عن ثقافته لصالح ثقافات أخرى. وفي تقدير أن السبب الثاني هو الصحيح، فعلينا أن نتمسك بهويتنا وبلغة الضاد، لغتنا العربية سيدة اللغات، فيها من الجمال والإبداع ما يجعلها بحر البيان والبلاغة، ويكفيها فخرًا وشرفًا أنها وسعت كتاب الله عز وجل لفظًا وغاية. إنها بحق منارة الإبداع والتألق والجمال، وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
إن الذي ملأ اللغاتِ محاسنًا جعل الجمال وسره في الضاد
