Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 07, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

المخيمات الفلسطينية في لبنان وصورتها في رواية “باب الشمس” لإلياس خوري

  أشرف أخلاق باحث الدكتوراه، قسم اللغة العربية وآدابها الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي +91 9818058593 ashrafakhlaque@yahoo.com  __________________________________________________________________ Abstract: This paper attempts to look into the issue of Palestinian refugee camps in Lebanon, the lives of people inside the camps, their challenges and obstacles and its depiction in the Novel “Gate of the Sun or Bab… View Article

المخيمات الفلسطينية في لبنان وصورتها في رواية “باب الشمس” لإلياس خوري

 

أشرف أخلاق

باحث الدكتوراه، قسم اللغة العربية وآدابها

الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي

+91 9818058593

ashrafakhlaque@yahoo.com 

__________________________________________________________________

Abstract: This paper attempts to look into the issue of Palestinian refugee camps in Lebanon, the lives of people inside the camps, their challenges and obstacles and its depiction in the Novel “Gate of the Sun or Bab El Shams” written by the famous Lebanese author Elias Khoury, whose reputation as a novelist, critic, commentator, editor and academic with real political commitment is formidable. He spent almost 7 years with the Palestinians in Lebanon, spent considerable period of time with them in camps during the 1980s, gathering “thousands of stories” before writing this extraordinarily accomplished novel. The Novel Gate of the Sun, or Bab El Shams, delves into an attempt to depict the Palestinian nakbah or “catastrophe” in 1948 that continues unabated till date, and has caused a huge influx of refugees from Palestinian villages to Lebanon followed by the tortuously dire repercussions. Specifically, the Novel contains the stories and lives of people whose ancestral villages in Galilee, Palestine, were wiped out. 

ملخص البحث: تحاول هذه الورقة البحث في قضية المخيمات الفلسطينية الواقعة في لبنان، وحياة اللاجئين الفلسطينيين داخل هذه المخيمات والتحديات والمعوقات التي تواجههم، وصورة هذه المعاناة في رواية “باب الشمس” لإلياس خوري، المعروف لأعماله الروائية والنقدية والصحافية ويتمتع بسمعة طيبة  كأكاديمي مع إلتزام سياسي حقيقي، وقضى معظم أوقاته في المخيمات الفلسطينية خلال الثمانينيات وجمع آلاف القصص والحكايات قبل كتابة هذه الرواية الرائعة. تعتبر رواية باب الشمس بمثابة محاولة لتصوير النكبة الفلسطينية عام 1948م، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، وتسببت في تدفق هائل للاجئين من القرى الفلسطينية إلى لبنان وما تلاها من تداعيات مؤلمة. تحتوي هذه الرواية على قصص وحياة الناس الذين تم تدمير قراهم في الجليل الفلسطيني.

كلمات مفتاحية: إلياس خوري، المخيمات، اللاجئين،فلسطين، بيروت، تصوير   المعاناة، الدمار.

المدخل : تدفق اللاجئون الفلسطينيون بعد أحداث النكبة عام 1948م، إلى كل من الأردن وسوريا ولبنان بشكل أساسي، فضلاً عن الضفة الغربية وغزة حيث لجأوا بعد قيام إسرائيل ويتمتعون هناك بكامل حقوق السكان الأصليين، ولا يمثل وضع اللاجئين في الأردن وسوريا أي تحديات أمنية أو سياسية، حيث أن معظم اللاجئين الفلسطينيين في الأردن قد نالوا حق المواطنة وانخرطوا في النسيج المجتمعي والسياسي والإقتصادي في البلاد، وكذلك يتمتع اللاجئوون بكامل حقوق المواطنة في سوريا، إلا أن الوضع في لبنان مختلف ومعروف.

لعب قرب المسافة بين قرى الجليل والحدود اللبنانية  والعلاقات العائلية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني بالإضافة إلى العلاقات الإقتصادية بين الجانبين، دوراً أسيا في لجوء عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى لبنان، وكانوا يتوقعون العودة إلى فلسطين بعد فترة قصيرة، إلا أن الأوضاع تطورت إلى الأسوأ والعودة تبدوا بعيداً في الوقت الراهن. فاستقرت نسبة كبيرة منهم في المخيمات الرسمية المعترف بها لبنانيا ودولياً والأقلية انتهت إلى الإقامة في تجمعات ومخيمات غير معترف بها لبنانيا ودولياً.

تشكل المخيمات الفلسطينية في لبنان معضلة كبيرة أمام الفلسطينيين والمجتمع العالمي والعربي على حد سواء، وأن الوضع الإنساني في هذه المخيمات مزري جداً وعبارة عن البؤس والشقاء. كما أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المخيمات الفلسطينية سيئة للغاية على كافة الأصعدة، فالبنية التحيتية في حال سيئ جداً، والأوضاع الصحية هي الأشد سوءاً خاصة وأن المخيمات تشهد نسبة كثافة سكانية مرتفعة، فيما أن نسبة كبيرة من سكان المخيمات تندرج دون الحد الأدنى للفقر، كذلك تسود البطالة وما يستتبعها من انحرافات اجتماعية وسلوكية خاصة لدى الشبان في ظل تدني مستوى التعليم وقلة عدد المدارس والتسهيلات التعليمية والتربوية. وهذا الواقع المر يخلق اليأس والإحباط.[1]

يمكننا القول أن مشكلة المخيمات الفلسطينية في لبنان هي مشكلة ذات أوجه عدة، منها اجتماعية وإنسانية وأمنية وحقوقية، وأن الفلسطينييون في هذه المخيمات يعيشون أوضاعاً صعبة للغاية في ظل المقتضيات الاجتماعية والإنسانية والصحية والتربوية والتعليمية . وأن أمل حل هذه المشكلة وعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم وقراهم التي دمرت منذ عام النكبة 1948م، لا يلوح في الأفق ويبدوا حلماً بعيد المنال.

تبذة عن المخيمات الرسمية في لبنان:

1- مخيم برج البراجنة:

أنشئ مخيم برج البراجنة في عام 1948م، وهو من أكبر المخيمات في العاصمة اللبنانية بيروت، ويقع على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مطار بيروت الدولي.  يبلغ عدد سكانه إلى ما يزيد عن 16 ألف نسمة، نصفهم من قرى الجليل الغربي والنصف الآخر من قرى قضاء عكا. يسكن في هذا المخيم بعض من اللبنانيين أيضاً.

2- مخيم عين الحلوة:

أنشئ مخيم عين الحلوة في عام 1948م، يقع على الجنوب الشرقي من مدينة صيدا،  هو أكبر مخيم في لبنان من حيث عدد السكان، معظم العائلات التي تسكن المخيم نزحت في العام 1948م، من قرى الجليل: صفورية، حطين، الراس الأحمر، الصفصاف، الزيب، لوبيا، المنشية، السمارية، عمقا، طيطبا، الشيخ داؤود، الطيرة، السموع، وسعسع و يبلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن 20 ألف نسمة.

3- مخيم الرشيدية:

أنشئ مخيم الرشيدية في عام 1963م، ويقع على مسافة 5 كلو متراً جنوبي مدينة صور.  وقد بلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن 9 آلاف نسمة، معظم سكان المخيم من قرى ومدن شمال فلسطين: فارة، سحماتا، دير القاسي، نحف، علما، أم الفرج، العابسية، الشيخ داؤود.

4- مخيم المية ومية:

أنشئ مخيم المية ومية في عام 1948م، ويقع على شرقي مدينة صيدا، على مسافة 5 كلو متراً من المدينة.  وقد بلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن ألفين نسمة، معظم سكان المخيم من صفورية والطيرة وحيفا وميرون، والجش، وعكا، ويافا.

5- مخيم شاتيلا :

تأسس مخيم شاتيلا جنوب مدينة بيروت في عام 1949م.  وقد بلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن 14 ألف نسمة، معظم سكان المخيم من قرى  أمكا ومجد الكروم والياجور.

6- مخيم البص:

أنشئ مخيم البص في عام 1939م، للاجئين الأرمن، بالقرب من مدينة صور، وتم ترحيل الأرمن إلى منطقة أنجا. لجأ الفلسطينيون من منطقة عكا في الجليل إلى البص في الخمسينات ويبلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن 5 آلاف نسمة.

7-  مخيم نهر البارد:

أنشئ مخيم نهر البارد في عام 1949م، على مسافة 16 كلو متراً من مدينة طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي في شملا لبنان ، يسكن هذا المخيم الفلسطينييون من منطقة بحيرة الحولة، ويبلغ عدد سكانه إلى مايزيد عن 9 آلاف نسمة.

8- مخيم الجليل :

تم إنشاء هذا المخيم في عام 1949م، على المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك، كان في الأصل عبارة عن ثكنات للجيش الفرنسي وكانوا يسمونه ويفل، وفي عام 1952م، أخذت “الأونرا” [2] على عاتقها مسؤولية تقديم  الخدمات لأبناء المخيم، و غيرت الثورة الفلسطينية في عام 1973م، إسمه من مخيم ويفل إلى مخيم الجليل. ويبلغ عدد سكان المخيم إلى أكثر  من ألفين نسمة.

9- مخيم مار إلياس:

تم انشاء هذا المخيم من قبل رهبانية مار إلياس في عام 1952م، في قلب العاصمة بيروت، ومعظم سكانه فلسطينيون مسيحيون من قرية البصة، ويبلغ عدد سكانه 1767 نسمة.

10- مخيم البرج الشمالي:

تم إنشاء مخيم البرج الشمالي في عام 1948م، على بعد حوالي 5 كلو مترا شرقي مدينة صور، معظم سكان المخيم من منطقتي الحولة وطبرية. يبلغ عدد سكان المخيم إلى 10 آلاف نسمة.

11- مخيم البداوي:

تم إنشاء مخيم البداوي في عام 1955م، على بعد 5 كلو مترا شمال مدينة طرابلس، ويبلغ عدد سكان المخيم حوالي 18 ألف نسمة.

12- مخيم ضبية:

تم إنشاء مخيم ضبية في عام 1956م، على طريق بيروت – طرابلس السريع، معظم سكانه من لاجئي البصة حيفا ويافا، ويبلغ عدد سكان المخيم حوالي 17 ألف نسمة.

بالإضافة إلى المخيمات الرسمية المذكورة أعلاه، هناك عدد من المخيمات غير الرسمية التي نشأت نتيجة للحاجة إلى الأيدي العاملة ولا سيما في بساتين الجنوب  وخاصة منطقة صور، وأهمها المعشوق، وشبريحا، والقاسمية، وابو الأسود، وعدلون، وشحيم، بجانب بعض التجمعات مثل جل البحر، و البرغلية والواسطة والعيتانية.[3]

نبذة وجيزة عن رواية باب الشمس:

إن رواية باب الشمس للكاتب اللبناني الشهير إلياس خوري، الصادرة عن دار الآداب اللبنانية تشتمل على 530 صفحة، وتعتبر تاريخ فلسطين موجز في شكل رواية شيقة حيث يسرد الكاتب معاناة الفلسطينين من خلال حكاياتهم المتداخلة.

إستمد إلياس خوري عنوان الرواية “باب الشمس” من مغارة حقيقية في دير الأسد في الفلسطين حيث يقول محمود درويش “نعم إنها مغارة حقيقية، كنا نلعب حولها عندما كنا أطفالاً “[4].

دخل بطل الرواية يونس الأسدي، في الغيبوبة جراء سكتة دماغية وهو في الستينات من عمره ويبقى طريح الفراش في مستشفى الجليل الواقع بمخيم “شاتيلا” في نواحي بيروت، والدكتور خليل، شاب فلسطيني يعمل كممرض في المستشفى، ويقوم بعناية خاصة للبطل “يونس الأسدي” ويحكي له حكايات الماضي المتمثلة في التسلل الفلسطيني بين حدود لبنان وفلسطين في سنوات ما بعد النكبة عام 1948م وما قبل الهدنة اللبنانية – الإسرائيلية.

تسرد الرواية عشرات القصص المتشابكة ، كتوثيق تاريخي من أفواه اللاجئين للأيام السوداء، عن ما حدث في حرب الـ 48، واحتلال فلسطين وقرى الشمال تحديداً، والتهجير القسري، وما صاحبها من تفاصيل بالأسماء والأمكنة، وكيف عبروا مشياً على الاقدام نحو لبنان وعاشوا في المخيمات حياة ضنكاً.

سمع الكاتب مئات القصص، عن الحياة في المخيمات وقصصها وحكايات النزوح من شعب وبطولات أهلها، وعن دير الأسد والكابري والبروة وغيرها، فقد أراد  أن يقدم صورة للمسكوت عنه إعلامياً.

“ماتت أم حسن ”  …….” كل الناس يبكون، فلماذا لا تبكي؟ صرنا ننتظر مناسبة للبكاء.”[5]

تم استهلال الرواية بمشهد الموت كتعبير واضح عن الطابع المفجوع للقضية الفلسطينية، الذي يود الراوي مناقشتها في صفحاتها، واستهلها بمناقشة قضية الولادة والموت في شخصية القابلة “أم حسن” التي ماتت في مخيم شاتيلا، ويروي قصة الكهل المستلقي في قاعة الإنعاش في حالة غيبوبة منذ ثلاثة أشهر.

أعاد إلياس خوري في رواية “باب الشمس” إنتاج الألم الفلسطيني بكل تفاصيله، مسترجعاً يوميات اللجوء والهجرة والخروج من الشمال الفلسطيني باتجاه لبنان، يوميات المخيم برجاله ونسائه وكباره وصغاره.

“تناولت هذه الرواية كل ما يخطر في البال وما لا يخطر، عن القضية الفلسطينية  وعن المقاتلين، عن الناس العاديين في المخيمات وخارجها، عن الفلسطين في الأراضي المحتلة، وتحدثت الرواية أيضاُ عن صعوبة الحصول على فرص العمل للفلسطينيين المدنيين في لبنان[6]، وتحدثت عن تشيؤ الضحايا واستعمالهم لما يسمى Fund Raising مثل قصة دينا بعد الإجتياح[7] .  ” [8]

نجد في الرواية مجموعة هائلة من الرموز والتلميحات التي تشير إلى تغلغله وتعمقه في حياة شخوص مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الواقعة في ضواحي بيروت ومعاناتهم النفسية وتقلباتهم الفكرية وكذلك استعرض جانباً واسعاً من التقاليد والسلوكيات التي إما حافظوا عليها أو طرأت عليها تغيرات بتغير المكان والزمان والظروف الاجتماعية.

وبهذه الطريقة المبتكرة نجح إلياس خوري في تصوير الوضع الحقيقي للمخيمات الفلسطينية وسلّط الضوء على شتى أنواع المشاكل والمعاناة التي يتعرض لها اللاجئون في المخيمات.

تصوير الألم والمعاناة في المخيمات:

تبدأ الرواية بمشهد موت “أم حسن” القابلة الوحيدة في مخيم شاتيلا الواقع في ضواحي بيروت، القابلة التي ولد على كفيها جيل كامل من أبناء المخيم، يجمع كل نساء المخيم لاستكمال مراسم الغسل والبكاء على القابلة، وكأن الرواية تبدأ من هنا لتنقل القاري مباشرة إلى مشهد موت آخر، لكنه ليس موتاً عابراً وليس كموت القابلة “أم حسن”، بل موت مستمر وممتد منذ فترة، في شكل يونس المستلقي بين يدي الممرض خليل، في حالة الغيبوبة .

جسدت الرواية من بدايتها تصوير المأساة الإنسانية، جراء التهجير القسري والظروف المعاشية القاسية، والرجال المناضلون الذين يعايشون نوعا من الحركية والمطاردة من الاسرائيليين، يحركون الأحداث، كما صور الكاتب في هذه الروية أيضاً المرأة الفلسطينية التي بقيت في فلسطين عن طريق شخصية نهيلة زوجة يونس، دون أن يغفل عن الوضع العام للريف الفلسطيني المحافظ بعاداته وتقاليده،  ليتمكن القارئ من التعرف على الفرق بين المواطن في بلاده والمواطن المهجر واللجوء.

رواية “باب الشمس” عبارة عن حوار طويل بين الدكتور خليل، الممرض الشاب وبطل الرواية القيادي الفلسطيني يونس الأسدي الغائب عن الوعي، والحوار الطويل من طرف واحد، فالأبطال مثله يعيشون في بلد ليس بلدهم ويعيشون حياة ليست حياتهم، ويعلقون كل ساعة في أيامهم باتجاه العودة إلى الوطن، التي تبدو بعيدة وتتآكل في قلوبهم يوماً بعد يوم.

فقدان الاستقرار العاطفي :

تبنى يونس الأسدي الطفل “خليل” في صغر سنه والذي يصبح فيما بعد ممرضاً في مستشفى الجليل في المخيم، ويعتني به ويعتبره مثل ابنه:

” قلت لي يا دكتور أنت مثل ابني، التقطتك وكنت في التاسعة، وأحببتك، وطلبت منهم في مخيم الأشبال الاهتمام بك، وصرت ابني، أنت يتيم الابوين وأنا يتيم الأولاد. تعال وكن ابناً لي. وصرت تناديني ابني الدكتور خليل وأنا لست دكتوراً كما تعلم.” [9]

يلعب الشبل الذي أصبح ممرضه الآن، دوره مع أبيه الافتراضي كما أنه هو الأب الحقيقي بالنسبة له ويلازمه في غيبوبته، في الحقيقة الدكتور خليل ليس هو طبيبه ولا هو ابنه لكنه في حكاية المخيمات الفلسطينية، شخصيات الرواية المشتتة في الملاجيء والمخيمات تبحث عن أوطان أخرى، والاستقرار العاطفي.

فقدان التسهيلات الأساسية:

صور إلياس خوري الوضع الحقيقي للحياة في المخيمات للاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث أن الأشياء ليست في الحقيقة كما هو المفروض أن تكون، بل تشبه الأشياء الحقيقية ولكنها خالية من مواصفاتها الأساسية.

” أنت تعتقد نفسك في المستشفى، لكنك غلطان. هذا ليس مستشفى، كل شيء هنا ليس هو بل يشبه نفسه. نقول بيت، لكننا لا نعيش في بيت بل في مكان يشبهه، نقول بيروت، لكننا لسنا في بيروت، بل في مكان يشبهها، وأقول دكتور، لكنني لست دكتوراً بل أشبهه، حتى المخيم نقول أننا في مخيم شاتيلا، لكن بعد حرب المخيمات، وتدمير 80% من بيوت شاتيلا، لم يعد هذا مخيما، بل صار يشبه المخيم.” [10].

السلوكيات غير المتوقعة:

وصف الكاتب إلياس خوري في هذه الرواية، السلوكيات اللامنطقية لشخوص الرواية سواء كانوا أفراداً أم جماعات، فهي دوما شخصيات لها أراء متقلبة وغير متوقعة فمثلاً  يسأل إحدى الشخصيات عن صورة الأبطال الشهداء المعلقة على الحائط: هل يضحك الأبطال مثلنا أم إنهم عابسون  كما تظهر صورهم المعلقة على الجدران بعد استشهادهم؟

” أرى صور الشهداء المعلقة على حيطان المخيم، ولم يكن الشهداء يضحكون، كانت وجوههم مقطبة ومحبوسة كأنها تحبس الموت في داخلها”. [11]

الشخصيات في الرواية تحير القارئ بكلماتها الغريبة التي تأتي من غير توقعات القارئ فلا يمكن للقارئ أن يصدق كلاماً مثل هذا على ألسنة المهجرين، لكن الكاتب يجده ويكتبه عن شخصية ربما كانت حقيقية:

“أن ما يستحق أن نموت من أجله، هو ما نريد أن نعيشه، أنا يا حبيبي لم أحارب من أجل التاريخ؛ حاربت من أجل امرأة أحببتها” [12]

الممرض الشاب المعروف في مستشفى الجليل بإسم الدكتور خليل، ليس دكتوراً في الحقيقة بل سافر إلى الصين لدورة عسكرية وهناك تم رفضه لكسر في عموده الفقري، فيتم قبوله في دورة تمريضية ليعود ممرضا ويعرف في مستشفى الجليل طبيباً دون أن يجيد الصينية ولا الانجليزية وفيما يبدو أيضاً فإنه لا يجيد الطب.

تأثير اللجوء على سكان المخيمات:

تجسد الرواية التناقض في حياة اللاجئين الفلسطينيين والتصرفات غير المتوقعة خاصة بعد مذبحة شاتيلا عام 1982م، فأولاً يصمت الجميع أمام الصحافة بشأن المذبحة، ويبررون ذلك بانهم لا يريدون إيقاظ أرواح موتاهم والتي يسمعونها ليلاً تسري في أزقة المخيم! إلا أن البعض منهم يتسول باسم الجرحى والمصابين للحصول على أموال الدعم من المؤسسات والمنظمات الدولية والإغاثية.

التغير في السلوكيات:

تصور الرواية التغيرات في السلوك على شخصيات الرواية بسبب الهجرة واللجوء والتي شملت كثيراً من اللاجئين الذين قد فقدوا توازنهم النفسي بفقدهم الوطن وتغيرت بالتالي سلوكياتهم وهذه من القضايا الاجتماعية التي ضمنها إلياس خوري في رواية باب الشمس.

يقرر يونس الانتقام لموت ولديه، ويحمل سلسلة القنابل ويربطها معا بصاعق واحد ويضعها قرب قاعة احتفالات اسرائيلية كبيرة . ويحلم بالجثث تتكدس وتتطاير ويحلم ويرتوي انتقامه في الحلم لكنه في لحظة الفعل الحقيقي يتراجع وينسحب لأنه أدرك أن رد الفعل الاسرائيلي سيكون كارثياً على أبناء مخيمه، عائلته الكبيرة، فيتراجع عن الانتقام الفردي كما وعد زوجته نهيلة وكما وعد نفسه ويقدم مصلحة الجماعة أمام الانتقام الفردي، فالفلسطينيون عائلة واحدة.

نرى أن نهيلة تحبل وتلد لمرات، وزوجها  يونس الأسدي مختفٍ في المغارات جوار القرية، تتسلل إليه، وتعود متسللة، وكل القرية تعلم بالحكاية وتتستر عليها، يلقى عليها القبض وتوضع في زنزانة منفردة، وتتعرض للتحقيق: كيف حملت وأين زوجها؟ ولكنها تدعي أنها شرموطة وتحمل عارها أمام المحققين ولا تذكر كلمة عن زوجها المطلوب للاحتلال.

الفقر في المخيمات:

الفقر الذي عاشه الفلسطينيون في حياة اللجوء إثر خروجهم من بيوتهم إلى أماكن متفرقة من العالم العربي، وكانوا بطبيعة الحال بلا مسكن وبلا عمل يعيلهم، فكان نتاجا طبيعيا لتلك المرحلة أن تعيش الفقر وأكثر، يعيشون على المؤنة التي تقدم إليهم كمساعدات من وكالة الغوث، ولا يجدون في بيوتهم ما يأكلونه غير الخبز، وحتى الخبز لا يجدونه أيضا، فتجد في أكثر من موضع هذا المشهد على طول الرواية وبأشكال مختلفة، فتجد قصة لرجل كان يذهب للمسجد كي يأكل، وآخر صار شحاذا وغيرها من القصص التي تمثل الواقع المرير الذى عاشه الفلسطيني، في حوار لأبو أحمد مع الطبيب يقول فيه:

“كل حياتنا يا أخي لم نأكل من اللحم سوى الخيط، كنا نتعارك على الخيط ” [13].

ثم يعود ليقول مرة أخرى في نفس الصفحة وكأن يريد أن يظهر للقارئ تلك المعاناة بأبهى صورها ليضيف: “الآن رحلت الثورة، ولم تترك وراءها هنا في المخيم .. سوى هذا الفقر الذي يفترسنا” ص [14].

حُرم اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات من كافة التسهيلات الأساسية بما فيها التعليم والصحة وغيرها من التسهيلات اللازمة، أشار الكاتب إلى هذا الأمر في عدد من الأماكن في هذه الرواية، على سيل المثال لا الحصر:

” اضطررت إلى أن اشرح له من جديد حالتنا، وكيف أننا منذ الاجتياح الإسرائيلي وما تلاه من مذابح وحصار ودمار، لم نعد نملك التجهيزات اللازمة.” ولماذا تسمونه مستشفى”؟[15] .

لا تخاف شخصيات الرواية الموت، فما يخافونه ليس الموت الحقيقي بل يخافون ويرتعبون من عدم حدوث الموت، الموت البطيء، السرطان، تفتت العظام، المرض العضال، العجز، الإحباط، أمراض غريبة ومبهمة أصيبت بها الشخصيات ولم تجد لها علاجاً، ولكن أي علاج وأي أطباء وأي مستشفيات؟ والمكان يفتقر دائماً إلى كل شيء.

الحنين إلى الوطن:

أراد الكاتب في روية باب الشمس أن يقنع القارئ بحقيقة أن كل شخصية فلسطينية أساسية أو فرعية، ترغب بالعودة إلى الوطن، وسأموا من الأمل والانتظار في مخيمات اللجوء قال قائلهم:

“القضية بسيطة، نحمل حالنا ونرجع هناك ..وننصب خيامنا هناك كما نصبناها هنا ونستطيع ترميم البيوت التي هدمت في أيام” [16].

يقول الرواي الممرض الدكتور خليل، لمريضه في المستشفى، يونس الأسدي بطل الرواية، أنه سوف يذهب إلى بيته ويأتي بالصور التي يشتاق أن ينظر إليها يونس وتجدّد ماضيه.

“أعلق كل الصور على الحائط هنا.. ونعيش بين الصور، أنزل صورة عن الحائط وأعطيك إياها، فتروي حكاية، ثم أنزل صورة  أخرى وتأتي حكاية جديدة وتتوالى الحكايات، هكذا نؤلف حكايتنا من الأول ولا نترك أي منفذ يدخل منه الموت” [17].

الخاتمة:

يتبين جلياً مما ورد أعلاه أن إلياس خوري في روايته “باب الشمس” نجح في تصوير الوضع المأساوي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة 1948م، من التهجير القسري والشتات واللجوء والعيش المخيمات، بحانب إبراز جوانب مختلفة تتمثل في الحالة الإنسانية المتردية في المخيمات الفلسطينية في لبنان. كما صوّر شتى أساليب الحياة المأساوية في المخيم، حيث خاض في أدقّ التفاصيل التي لم يستطع الوصول إليها الكتّاب الآخرون الذين عالجوا نفس القضية في كتبهم ورواياتهم .

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

  1. إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1998م.
  2. إلياس خوري، يالو ، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2012م.
  3. إلياس خوري، الوجوه البيضاء، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1981م.
  4. إلياس خوري، رحلة غاندي الصغير ، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1989م.
  5. إلياس خوري، مملكة الغرباء ،دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1993م.
  6. إلياس خوري، مجمع الأسرار، (دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1994م.
  7. المخيمات الفلسطينية في لبنان بين الواقع والحلول،أعمال المؤتمر الخامس، مركز عصام فارس للشؤون اللبناني، دار سائر المشرق للنشر والتوزيع ، بيروت لبنان، 2010م.
  8. د. مومنة بشير العوف، رحلة إلياس خوري من “أبواب المدينة” إلى “باب الشمس” مجلة المشرق، لبنان، الجزء الأول يونيو 1999م.
  9. رفيف رضا صيداوي، النظرة الروائية إلى الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 2003م.
  10. د. سامي مسلم، يالو إلياس خوري صرخة ضد الحرب ولوحة دامية للإنسان المعذب، صحيفة الأيام اليومية، 06 أكتوبر 2004م.
  11. عز الدين الناصرة، مقال بعنوان، “باب الشمس هي الرواية الأهم بين الروابات العربية والفلسطينية منذ ربع قرن” ، مجلة الجديد في عالم الكتب والمكتبات، العدد (18-19) صيف وخريف 1998م، ص 17
  12. صبحي فحماوي، معالم الحرب الأهلية في رواية ( يالو) صحيفة الرأي، 8 أبريل 2017م.
  13. فوزية طرشي، الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) ودور دول الجوار فيها، رسالة الماجستير ، كلية العلوم الإجتماعية، قسم العلوم الإنسانية، جامعة خيضر، بسكرة، الجزائر، 2013-2014م.
  14. محمد دكروب، روايات إلياس خوري، جديد في المحاولة جديد في الشكل الحكائي، صحيقة الرأي، الرأي الثقافي، العدد 11695، 20 سبتمبر 2002م. ص32.

 

[1] – المخيمات الفلسطينية في لبنان بين الواقع والحلول،أعمال المؤتمر الخامس، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، ص 14

[2] – وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين.

[3] — المخيمات الفلسطينية في لبنان بين الواقع والحلول،أعمال المؤتمر الخامس، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية ص 174

[4] –  عز الدين الناصرة، مقال بعنوان، “باب الشمس هي الرواية الأهم بين الروابات العربية والفلسطينية منذ ربع قرن” ، مجلة  الجديد في عالم الكتب والمكتبات، العدد (18-19) صيف وخريف 1998م، ص 17 .

[5] – إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، عام 1998م، ص 5

[6] – باب الشمس ص 199

[7] -م. ن. ص 255

[8] – مؤمنة بشير العوف، رحلة إلياس خوري من أبواب المدينة إلى باب الشمس، المشرق، كانون الثاني- حزيران 1999م، ص 222

[9] – إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، عام 1998م، ص 23

[10] – إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، عام 1998م، ص 116

[11] – إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، عام 1998م، ص 25

[12] – إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، عام 1998م، ص 25

[13] – إلياس خوري، باب الشمس ص 327

[14] – إلياس خوري، باب الشمس ص 327

[15] – إلياس خوري، باب الشمس ص 352

[16] – إلياس خوري، باب الشمس ص 233

[17] – إلياس خوري، باب الشمس ص 512