الزمان”في السير الذاتيةالمنتقاة من الأدب الإسلامي الحديث”
الباحث عبد الوهاب. ك باحث الدكتوراه في كلية يم إي يس ممباد تحت إشراف د. عبد الله نجيب، ممباد، كيرلا ______________________________________________________________________ Abstract: Biographies play a very important role in personification of the future. It is considered to be one of the most important sources that tells the political, social, religious, economic conditions of… View Article
الباحث عبد الوهاب. ك
باحث الدكتوراه في كلية يم إي يس ممباد
تحت إشراف د. عبد الله نجيب، ممباد، كيرلا
______________________________________________________________________
Abstract: Biographies play a very important role in personification of the future. It is considered to be one of the most important sources that tells the political, social, religious, economic conditions of the Biographer’s era. In this article, the researcher attempts to shed light on one of the narrative techniques ‘time’ used by novelists and writers. The study is based on four biographies of this kind, namely, “Ibnulkariyathiwalkithabmalamihuseerahwamaseera” by Youssef Al-Qaradawi. “Kashf Al Masthoor by Munir Al-Ghadban, “Ayyam min hayathi” by Zainab Al-Ghazali, and “Dhikravath” by Ali Tantawi. The researcher only focuses on the technique ‘time’ without considering the other narrative techniques.
Time is one of the import narrative techniques used by writers to make their work more attractive and artistic. Modern critics and researchers differ in defining time, with their differences they agree on that the time is inseparable from the self, and time in literature is related human time. Most of the ancient biographers intended to follow chronological order during writings, but this does not mean to be necessary. At the same it is noticed in modern biographies, some of its writers adhered to the chronology, while some break chorological order in their writings.
The study noticed that most of the Autobiographies in modern era are written in chronological order starting from birth to old age in these selected biographies, while Ali-Tantawi differs from the time line, does not maintain chronology in narrating his life. Time is related to events and incidents according to Islamic biographers. The study also reveals the techniques used by writers to break chronological order in these biographies such as flashback, anticipation, omission with examples from these biographies.
:مقدمة
يحاول الباحث في هذه المقالة أن يسلط الضوء على تقنية ‘الزمان’ في السيرة الذاتية من الأدب الإسلامي. واختار الباحث لهذه الدراسة أربع سير من هذا النوع وهي ‘ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة’ليوسف القرضاوي و’كشف المستور’ لمنير الغضبان و’أيام من حياتي’ لزينب الغزالي و’ذكرات’ لعلي طنطاوي. إنما ركز الباحث فيها على تقنية ‘الزمان’ دون التقنيات الأخرى في السيرة الذاتية.
:السيرة الذاتية
السيرة لها أهمية بالغة في تشخيص المستقبلوهي أهم مصادر تعبر طبيعة عصر المترجم السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وغيرها ولا نراها إلا بجد بين نصوص الكتابات النثرية الأخرى فضلا عن معلومات حياة المترجم الخاصة والعامة. السيرة الذاتية هي أن يؤلف الكاتب بنفسه قصة حياته ويذكر فيها تجاربه وأخباره من حياته. وضعت تعريفات عديدة للسيرة وفقا لفهم الكاتب طبيعة السيرة، عرف عبد المحسن بدر السيرة الذاتية: أنها تحاول تفسير تاريخ حياة مؤلفها في رحلة زمنية محدودة، وتحفظ بالترتيب الزمني للأحداث كما وقعت لصاحبها، ولا يقتصر المؤلف على سرد الأحداث، ولكنه يقف فيها موقف الدارس المحلل كما أن الرابطة التي تربط بين أحداثها مجرد رابطة سطيحة تتمثل في وقوع الأحداث بعينها في زمن محدد، وكذلك بعكس الرواية التي لا تكتفي فيها الرابطة الخارجية وحدها، ولكنها تفترض وجود رابطة داخلية بين الأحداث، وتتمثل في إحساس المؤلف الذي تتطور أحداث الرواية لإبرازه.[1]
:مفهوم الأدب الإسلامي
كان الأدب الإسلامي موجودا من أقدم العصور حتى من عصر النبي إلا أنه اشتهر بمذهب أدبيٍ في الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، وكان الشعراء الإسلاميون يدافع عن الإسلام ورسوله والمسلمين من أعدائهم بأبياتهم عالية القيم ذات الصفات الإسلامية. له عدّة تعريفات متشابهة منها هو : “الأدب الذي يحاول فيه الأديب أو الكاتب أو الشاعر لبيان اعتقاد الإسلام وتعاليمه السمحة بالمعنى الشامل، وهو ماينبع من روح الإسلام و مبادئه”،وهذامصطلح جديد هو تعبير الأديب في العملية الابتداعيةمن رؤية أخلاقية مع التزام العناصر الأدبية لخدمة تعاليم الإسلام وقيمه ومقاصده ويحاول الكاتب خلال هذا تبيين إيجابياتهعند معالجة المشكلات وقضايا العصر والحياة. كما عرفه الأستاذ الشاعر محمد المجذوب بقوله: أن الأدب الإسلامي هو الفن المصور للشخصية الإنسانية من خلال الكلمةالمؤثرة[2].
الزمانفي تقنيات فن السيرة الذاتية
تعددت التعريفات والمسميات للزمن عند المعاصرين مع اختلافهم اتفقوا على أمر هام وهو أن الزمن لا ينفصل عن الذات إذ أن الإنسان لا يدرك نموه النفسي والمعنوي إلا في إطار الزمن وليس في خارجه والزمن بالنسبة للأدب هو الزمن الإنساني.أنواع الزمن في النص الروائي خمسة كما يرى محمد أيوب أن الآراء اختلفت حول أنواعالزمن، فمنهم من قسم الزمن إلى:
۱. زمن طبيعي فيزيائي كاختلاف الليل والنهار وما ينشأ عنها من: أيام وشهور وسنوات.
- زمن حدثي موضوعي وهو زمن الأحداث التي تغطي حياتنا كمتتالية من الوقائع.
۳. زمن لساني هو ما يرتبط بالكلام ومنبعه الحاضر.
- زمن نفسي سيكولوجي ويبدو في الخبرة الإنسانية كما تحسه وتراه وهو الزمن الأكثر أهمية في الأدب عموما وفي الرواية خصوصا.
- زمن تاريخي وهو الذي تقع فيه الأحداث.[3]
ويركز الدارسون والنقاد على النوع الرابع لما له من أهمية بالغة في الأدب، حيث يقول ليون في كتابه فن السيرة “إن ساعة زمنية تدخل في نطاق ذلك العنصر الغريب من النفس البشرية قد تمتد لتصبح خمسين أو مائة ساعة بالحساب الآلي، وهذا هو الزمن النفسي أو السيكولوجي.
فاليوم له قيمة زمنية عند الكبير تختلف عن الطفل الصغير، كما أن قيمة اليوم عند السجين تختلف عن قيمته عند الإنسان خارج أسوار السجن، والساعة عند المريض تختلف في وقعها عند السليم المعافي، وهذا ما يؤكده محمد أيوب بقوله: “الزمن السيكولوجي زمن نسبي داخلي يقدر بقيم متغيرة باستمرار، بعكس الزمن الخارجي الذي يقاس بمعايير ثابتة”[4]، كما أن الزمن السيكولوجي له دور في تحديد رأي القارئ فإذا كانت الرواية تتحدث عن آلام السجن وعذاباته والقارئ يعيش في جو من الظلم والقهر تفاعل القارئ مع أحداث القصة، وأحس بمشاعر شخوصها وريما سالت الدموع من عينيه تأثرا، وهذا ما يشعر به عند قراءة أيام من حياتي، فكلما يقرأها القارئ يشعر وكأنهيقرأها للمرة الأولى فينفصل عن واقعي المعاش وتنهمر الدموع من عينيه ويتذكر كل أسير فلسطيني داخل السجون وما يعانيه من مرارة السجن والسجان.
الزمان في السيرة الذاتية المنتقاة (موضوع المقالة)
قصد كتاب السير قديما إلى عناية التسلسل الزمني أثناء الكتابة ونرى ذلك في كتب الطبقات والتراجم في أعلب الأحيان يعتمد كاتب السيرة في سيرتهم الالتزام بالترتيب الزمني ولكن هذا لا يعني بالضرورة الالتزام فالسيرة الغيرية اعتمدت التسلسل الزمني في معظم الأحيان. أما السير الذاتية فبعض كتابها التزموا بالتسلسل الزمني خاصة القدماء وبعضهم خرج عن هذا الالتزام خاصة المحدثين.
ولقد قسمت ندى محمود السيب النصوص من حيث الترتيب الزمني إلى ثلاث مجموعات:
- نصوص كانت بدايتها في طريقة تقليدية حيث تبدأ بالاستهلال، بالحديث عن الأسلاف والأهل والولادة.
- نصوص بداياتها أقل تقليدية، تبدأ زمن الطفولة الواعية.
- نصوص حديثة تبدأ من التركيز على صراع رئيس للمادة الذاتية.[5]
والنوعين الأول والثاني يعتمد فيهما كتاب السيرة على التسلسل الزمني التقليدي للأحداث، بينما يعتبر النوع الثالث حديثا اعتمد تقنيات حديثة في السرد الروائي.
قسم الشيخ يوسف القرضاوي سيرته إلى أربع أقسام، كل قسم يتحدث عن فترة زمنية ذات أهميه في حياته ولو فتشنا الصور على الأجزاء الأربعة نرى خطوط الزمن تزداد اتساعا من جزء لأخر وكأننا نركب معه قطار الزمن في الجزء الأول نرى صورة له وهو لم يزل فنيا وفي الجزء الثاني تبرز صورته وهو في مرحلة الشباب، بينما صورة الغلاف على الجزء الثالث فهي صورته في طور الرجولة، في الجزء الرابع نرى صورته تعبر عن مرحلة الشيخوخة، في الجملة سيرته من النوع الأول التقليدي، حيث صور القرضاوي عن مولده ونشأته وقريته صفط تراب، يقول القرضاوي في مقدمته: “وسيجد القارئ الكريم الجزء الأول من حياتي أكثر إسهابا من الأجزاء الأخرى، لأني أتذكر هذا الجزء بتفاصيله جيدا بخلاف الأجزاء الأخيرة مع أنه قريب الزمان، ولكن الذاكرة في الأخير قد شاخت، ولم تعد كما كانت في الماضي”[6]. ومن هنا نلمح إرادة القرضاوي في استخدام التسلسل الزمني في الأحداث.
قسم منير الغضبان في كتابه كشف المستور حياته إلى مراحل، وكل مرحلة محددة بفترة زمنية حسب السنوات فالمرحلة الأولى على سبيل المثال سنوات وسماها “في الجذور مرحلة إلقاء البدار” ١٩٤٢-١٩٥٢م لذلك يمكن أن نعد سيرته من النوع الثاني وهو شبه التقليدي، نرى شاهده لذلك، من قوله: “هذا ما تبقى في الذاكرة من أول وعيي على الدنيا “[7] حيث يحكي علينا حكايةشهد فيها الموت وهو في الرابعة من عمره ولا يتذكر شيئا سواها في هذه المرحلة العمرية، كما أنه لا يتذكر أي حدث وسبقها.
أما زينب الغزالي فقد اعتمدت في سيرتها “أيام من حياتي”على النوع الثالث وهو إبراز الصراع من الصفحة الأولى، ولم تعتن بالتسلسل الزمني وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على قوة الصراع وإحساس الكاتبة القوي به، ففي الصفحات الأولى من السيرة نجد زينب الغزالي في المستشفى وقد أصبيت في حادث سير، ومع مرور الصفحات نكتشف أن الحادث كان مدبرا -حسب اعتقادها – كما أنها لم تصور في السيرة جميع حياتها أي من مولدها حتى كتابة السيرة بل صورت فترة زمنية محدودة -عدة سنوات لا تتجاوز سبع سنوات من حياتها، وهي تلك الفترة التي تعرضت فيها للمضايقات في البداية ثم السجن والقهر والتعذيب عندما سجنها جمال عيد الناصر تقول زينب الغزالي:” في مساء يوم من أيام الشتاء، وفي أوائل شهر فبراير عام ١٩٦٤م كنت عائدة إلى بيتي، حين انقلبت بي عربيتي إثر اصطدامها بعربة أخرى، كانت الصدمة قاسيةفي شبه إغماءة.”[8]أخذت الكاتبة بذكر الكلمات مساء يوم من أيام الشتاء من أوائل شهر فبراير عام ١٩٦٤م متعاقبة، فقد حددت الزمن الذي وحدثت فيه الحادثة بالضبط فهو زمن المساء بما حمل المساء عند الكاتبة من معاني الآلام والتعذيب، وهو زمن الشتاء بما يحمل من قسوة البرودة ومعاناتها وزمن بداية فبراير أي في أوج البرودة، وزمن الستينات من القرن العشرين الزمن الذي رفع فيه عبد الناصر الحرية في وجه الإسلاميين.
كذلك وضعت الكاتبة عنوانا بائنا للباب الأول وهو “عبد الناصر يكرهني شخصيا”. حيث لم تترك للقارئ الفرصة لإصدار حكم على عبد الناصر وأعوانه. تذكر زينب الغزالي الأحداث المهمة العامة في حياتها باليوم والشهر والسنة ومنه قولها: “وعقد مجلس إدارة السيدات المسلمات اجتماعا عاجلا في 9 جمادى ١٣٨٤هـ الموافق ١٥-٩-١٩٦٤وهو نفس اليوم الذي وصل فيه قرار الحل”[9].
الجدير بالذكر أن الكاتبةتنظر إلى الزمن في جميعأجزاء السيرة فبعد العنوان مباشرة نجد للزمن حضوره، تقول تحت عنوان كلهم أحمد راسخ: “لم يمض أسبوعان على الزيارة الأولى حتى فوجئت بزيارة رجل يدعى أحمد راسخ قدم لي نفسه على أنه من المباحث العامة وتحت عنوان “وكانت بيعة” تقول أيضا : لم تكن صلتي بجماعة الإخوان المسلمون حديثة كما توهمها العابثون إذ كانت تعود بتاريخها إلى سنة 1357هـ -۱۹٣٧م ، استعملت المؤلفة بعض الكلمات التعبيرية التي تدل على الزمن، فزمن المساء له حضور قوي عند الكاتبة تكاد لا تمر صفحة بدون ذكره فالمساء عندها الوقت الذي يشتد فيه العذاب وتلهبها السياط، تقول: “فذات مساء فتحت الزنزانة وفاجئني الشيطان صفوت بالسوط يضرب به كل شيء ويضرب به الحائط ثم أخذني من ذراعي بوحشية وأخرجني من الزنزانة إلى حوش السجن ، وتقول أيضا: “وعقب صلاة العشاء فتح باب الزنزانة ودخل الشرير صفوت الروبي وسعه جندي آخر وأخذاني إلى المكتب الذي سبق أن دخلته مرتين قبل ذلك”.[10]
كتب علي الطنطاوي في سيرته ما استطاع أن يتذكر من حياته، لذلك نراه يلتزم بالتسلسل الزمني حينا ولا يلتزم في أوقات أخرى يقول: “بدأت كتابة الذكريات وليس في ذهني خطة أسير عليها ولا طريقة أسلكها، وأصدق القارئ أني شرعت فيها شبه المكره عليها، أكتب الحلقة ولا أعرف ما يأتي بعدها، وكثيرا ما كنت أنسى ما الذي كتبته في التي قبلها فجاءت غريبة عن أساليب المذكرات وطرائق المؤرخين”[11]كما يرى أن ذكرياته جاءت مشوشة ويعدنا إن مد به العمر أن يعود إلى ما كتب فيستأنف النظر فيها، ويرتبها ترتيبازمنياً يقول مؤكدا على ذلك:”فأنظمها في خيط واحد،يقصد الذكريات أضم النظير إلى نظيره، أجمع الأشياء وأولف بين النظائر حتى يأتي الحديثمسلسلا.[12]
ولقد أكثر الباحثون الكلام عن الترتيب الزمني للأحداث في السير ترى ندى الشيب التي تقول وغالباً ما يعتمد كتاب السيرة في سيرهم الالتزام بالترتيب الزمني، ولكن هذا لا يعني بالضرورة الالتزام بوصفه قاعدة[13] حيث يبدأ الكاتب بذكر مولده مع وصف القرية أو المدينة التي نشأ فيها ثم يتحدث عن طفولته الأولى ثم مراحله التعليمية المختلفة ثم أحداث هامة في شبابه كالزواج والإنجاب والعمل ومن خلال هذا الترتيب الزمني التقليدي للأحداث يعرج على الأحداث العامة التي كان لها صدى في حياته وكان لها تأثيرا قويا عليه وعلى من حوله.فالقرضاوي في سيرته يعتمد التسلسل الزمني حيث يقول في مقدمة الجزء الثالث “وتشمل هذه المذكرات من سنة 1965م إلى سنة ١٩٧٨م. قد رتبت هذه المرحلة من حياتي على نظام الحوليات الذي اتبعه مؤرخونا الإسلاميون الكبار، مثل الطبري وابن الأثير وغيرهم، وإن كنت قد اخترت أن يكون ترتيبها وفق السنوات الدراسية لسهولتها علي وتمايزها عندي بوضوح”.[14]
بينما لم يعتنعلي الطنطاوي ذلك حيث لا يتصاعد الزمن بخط مستقيم بل يقصد إلى كسره ويرجع ذلك إما بسبب ميله الواضح إلى الاستطراد، أو يرجع إلى آفة النسيان ويعتقد أن النسيان هو السبب الرئيسي؛ ألف سيرة حياته وهو في الثمانين من عمره، فهو يصور أحداثا وبعد أن ينتقل إلى أخرى يتذكر جزءا من الأحداث لم يكتبه، فيرجع مرة أخرى لكتابته، يقول: “مهما يكن الأمر فلابد لي من رجعة إلى الوراء، أرجع سنة أو أكثر لأن هذه السنة ١٩٣٦م ومثلها السنة التيقبلها 1935م كانتا حافلتين بالأحداث”.[15]كما يعتبر الزمن في السيرة زمن تخيلي زمن مضى؛ لأن السارد يقص علينا أحداثا يعرف بدايتها ونهايتها أحداثا عاشها بنفسه.واذا نظرنا نظرة أوسع تجد أن بعض الأدباء يرجعون إلى تحطيم الترتيب الزمني واستخدام ما يسمى بالتقنيات الزمنية الحديثة للرواية، ومنها الاسترجاع، الاستباق، الحذف.
:الاسترجاع
تعتمد السيرة الذاتية على تقنية الاسترجاع لأن المؤلف يكتب أحداثا انقضت منذ سنوات يسترجعهاوينقلها للقارئ، “ينشأ زمن الاسترجاع، أي استرجاع الذكريات من تناقض بين المعيش والزمن الذي مضى، فالذكريات الجميلة تعتبر مكافأة لصاحبها عن معاناته من واقعه المرير، وهي تنبعث مجددا كلما اصطدم الواقع بصور مختلفة لصورة الماضي”[16] ولكن لا يمكننا أن نعتبر هذا الرأي لمحبة معتوق قاعدة؛ لأن المؤلف قد يرجع للماضي مستذكرا لحظات السعادة، بالرغم من حياته المستقرة الناجحة.
علي الطنطاوي وقد تغرب عن بلده سوريا متجها تارة إلى العراق وأخرى إلى مصر وثالثة إلى السعودية ومكث زهرة شبابه ورجولته خارج الوطن وعندما رجع إليها أخذ يسترجع ذكرياته ومظاهر مدينته ليعيش لحظات من السعادة يسرقها من ماضيه، ومن ذلك ما قاله عن أستاذه، عندما زار سوريا بعد غياب وشاهد مدرسته حيث يعبر حنينه المتدفق إلى ماضيه في المدرسة ولأستاذه الفلسطيني، يقول: “وكان من معلمينا فيها شاب أي أعني أنه كان يومئذ شابا، من نابلس، وهو أول من علمني الإنشاء العربي، كان يأخذ مقالات المنفلوطي فيجعلها بحيث نفهمها ثم يكلفنا أن نكتب مثلها، وكانت مزيته الأولى صوته، فما عرفت على كثرة ما سمعت من الأصوات ما هو أحلى منه وأطرب، ولك الشد يوما في اجتماع عام نشيد “ويلي على أوطاني… من غارة العنوان” أمام الشريف فيصل فأعجب به وجعله مدرس الموسيقى في السلطانية الأولى.”[17]
وقد يسترجع المؤلف بعضا من ذكرياته المؤلمة، ومن ذلك تذكره لهجوم الجراد على دمشق، حيث عند زيارته لها، يقول: “حتى كان يوم رأيت فيه سماء الصحن الواسع مغطاة بسحابة سوداء دانية منها ليست بعيدة عنا، وكان يساقط شيء منها على رؤوسنا… لا، لم تكن قطرات المطر علم تكن سحابة ممطرة، وإنما كانت رجلاً من الجراد، ملا سماء الشام وأرضها وأتى على الأخضر واليابس من زرعها، وكان شيئا رهيبا”،[18] وذهب أحمد النعيمي إلى أن الاسترجاع ” هو سرد حدث في نقطة ما من الرواية بعد أن يتم سرد الأحداث اللاحقة على ذلك الحدث”.[19]ويبرز ذلك عند الغزالي حيث ذكرت في بداية السيرة حادث السيارة المدبر ثم حكت الأحداث التي سبقت ذلك، ومنها على سبيل المثال محاولة النظام الناصري ضم زينب الغزالي إلى الاتحاد الاشتراكي العربي، وحل مركز الأخوات المسلمات، ثم العرض المغري الذي قدم إليها وهي أن تكون رئيسة تحرير مجلة شهرية مع راتب عال، وبيعتها لجماعة الإخوان المسلمين، ثم بعد ذلك ترجعللحديث عن حادثة السيارة التي بدأت سيرتها بها تقول: “وخرج الأستاذ سيد قطب من السجن، وسبق خروجه بشهور عملية محاولة اغتيالي التي لم تنجح، والتي تحدثنا عنها في بداية هذه المذكرات.”[20]
:الاستباق
الاستباق يعتبر من تقنيات السرد الروائي الحديثة، ولقد سماه هذا آخرون بالاستشراف، وهو توطيد لأحداث لاحقة يحمل القارئ على توقع حادث ما، أي أنه أشبه بمنظار وجه نحو المستقبل، ويرى حسن بحراوي أنه كل مقطع حكائي بروي أو يثير أحداثاً سابقة عن أوانها أو يمكن توقعها ويقضي هذا النوع بقلب نظام الأحداث في الرواية عن طريق تقديم متواليات حكائية” كما إن الاستباق يعني فيما يعنيه الولوج إلى المستقبل، إنه رؤية الهدف أو ملامحه قبل الوصول الفعلي إليه.”[21]
لم يقل أصحاب السير المنتقاة في هذا النوع كثيرا ومن ذلك قول الكيلاني في مذكراته: كان الطالب هو سكرتير اللجنة الوفد للطلبة بمحافظة الغربية، وكان يمشي في مدرستنا الثانوية منتفخ الأوداج، يتكلم من أطراف أنفه، ويتعالى على خلق الله، رغم وضعه العلمي العاديوملابسه المنفرة، وطربوشه العتيق، وذات يوم أمره أحد مدرسي اللغة الانجليزية بالرجوع إلى فصله، فلم يمتثل للأمر وحدثت حادثة كانت نتيجتها للأسف الشديد أن ضرب الطالب أستاذه بالكتب التي معه، وهنا ثارت ثائرة الأستاذ، وذهب على الفور، وهدد بالاستقالة إذا لم يفصل الطالب، وفوجئنا إذ رأينا المدرسين عن بكرة أبيهم يمتنعون عن إلقاء الدروس، ليس هذا فحسب بل قدموا استقالتهم تضامنا مع زميلهم، كانوا يعرفون مكانة الطالب في التنظيم الحزبي ، والحزب لا يمكن أن يضحي بأحد اتباعه المخلصين، وكان الطالب هو أيضا واثقا من ذلك حتى أنه قال: ولا الملك فاروق نفسه يستطيع أن يصدر قرارا بفصلي. وهذا السرد للأحداث يدفع القارئ إلى توقع أحداث بغض النظر عن ماهيتها فلا يمكن أن يتوقع فصل الطالب ويمكن أن يتوقع قبول استقالة المعلمين وخاصة أن وزير المعارف في تلك الفترة فؤاد سراج الدين أحد رؤساء حزب الوفد في ذلك الوقت.
وحسن بحراوي أطلق لفظ الاستشراف على الاستباق حيث يقول: ” في حالات كثيرة يكون الاستشراف مجرد استباق زمني الغرض منه التطلع إلى ما هو متوقع أو محتمل الحدوث في العالم المحكي، وهذه هي الوظيفة الأصلية والأساسية للاستشراف بأنواعها المختلفة”.[22]
قال القرضاوي في ذلك: “وبعد عدة سنوات من قدومي إلى قطر عرض علي سكرتيري في المعهد الديني أن أشترك معه في شراء أرض للبناء” [23] فوافق على ذلك إلا أن ثمن الأرض لم يتغير بمرور السنين فباعها بثمن شرائها، وبعد سنة واحدة تضاعف سعرها؛ لأنها أصبحت أرض مبان، و يذكر حظه في التجارة والمال في مصر وفي قطر مستبقا الأحداث ثم يرجع مرة ثانية للحديث عن زمن ما قبل المعهد عندما كان طالباً.
يقول ليون في معرض حديثه عن الاستباق والاسترجاع مادحا من يستخدم هذه التقنيات: من ثم لا أجد هناك سبباً يمنع كتاب السير من الخوض في لجة الزمن بيسر مستبقين أزمان الحوادث في سردهم، مقدمين ومؤخرين، كما كان يفعل بروست في سرده لذكرياته وما اتصل بها من أمور … وقد أوضحت في محاضرتي الأخيرة أننا بهذه الطريقة تجعل السيرة أكثر حيوية، وليست مجرد حياة إنسان يعيشها حسب التقويم الزمني والساعة.
الحذف
تختلف أهمية كل مرحلة من مراحل العمر من كاتب إلى آخر حسب الأحداث المؤثرة التي عاشها صاحبها، لذلك فقد يقصد إلى حذف بعض الفترات الزمنية عن قصده وهذا ما يسمى بالحذف أي أنه “يؤشر على الثغرات الواقعة في التسلسل الزمني وتتميز بإسقاط مرحلة بكاملها من زمن القصة ولذلك فهو يعتبر مجرد تسريع للسرد”[24]، ونور الدين صدوق في كتابه يحدد الهدف من الحذف بقوله: إنه يواجه إنجاز النص بالحذف: حذف ما يتصور أنه لا يضيف إلى النص أو أنه يشوهه ، حيث أن الكاتب يقفز فوق الأحداث في فترة زمنية محددة دون أن يذكرها.، كما ظهر ذلك جلياً واضحاً عند زينب الغزالي حيث ترى علامة الحذف (…) لتنبه القارئ إلى الكلمات المحذوفة، وكثيراً ما تكون سباب وشتائم تعففت الكاتبة عن ذكره، ومنه قولها: “وانطلقت القذارة من فم حمزة البسيوني بأبشع ما يمكن أن يتخيله إنسان… سب فاضح صارخ وقال: يا بنت ال… انقدي نفسك وقولي كل شي”.[25]
وتقول أيضاً: “وخرجت سهام نارية من عيني شمس بدران إلى حمزة البسيوني ومن معه. وقال وهو يضغط على الألفاظ: ما هذا؟ ألف سوط يا صفوت، البنت سخرت منا كلنا.. أين كنت يا حمزة أين كنتم جميعاً؟ فانهالت السياط كالعادة وألقي الورق على الأرض واستطرد: البنت سخرت منا. لعبت بعقولنا كلنا يا حمزة.. إنها أكثر من خطيبة على منبر.. يا بنت …”.[26]
خلاصة: لاحظنا عند كتاب السير الإسلامية أن التسلسل الزمني يغلب من الولادة حتى الشيخوخة على معظم السير الذاتيةالإسلامية المنتقاة في هذه الدراسة، بينما يختلف الطنطاوي من خط الزمن فنجده يتقدم مرة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف. الزمان يرتبط بالأحداث عند كتاب السيرة الإسلاميين، وعادة ما تكون أحداثا عامة فمثلا لم يذكر بعض إلا الأوقات المهمة جدا من وجهة نظره.
:المصادر والمراجع
- بدر، عبد المحسن طه. تطور الرواية العربية الحديثة في مصر. دار المعارف، القاهر، 1963.
- مجلةالبعث الإسلامي،العددان (1ـ 2)، رمضان وشوال 1401 هـ، عددممتاز عن الندوة العالمية للأدب الإسلامي .
- النعيمي، أحمد حمد، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنسر، 2004.
- الشيب، ندى محمود، فن السيرة الذاتية في الأدب الفلسطيني بين 1992-2002، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، 2006.
- القرضاوي، يوسف، ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة، مصر القاهرة، دار الشروق، ط – 2، 2006م.
- الغضبان، منير، كشف المستور، ط – 1، 2006م.
- زينب، الغزالي، أيام من حياتي مصر القاهرة دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط -1، 1999م.
- الطنطاوي، علي، الذكريات علي الطنطاوي، السعودية جدة، دار المنارة، ط – 5، 2007.
- معتوق، محبة حاج، أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية، دار الفكر اللبناني، 1994.
- بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي، بيروت لبنان، المركز الثقافي العربي، ط – 1، 1990م.
[1]بدر، عبد المحسن طه. تطور الرواية العربية الحديثة في مصر. دار المعارف، القاهر، 1963، ص 299
[2]مجلةالبعثالإسلامي،العددان (1ـ 2)، رمضانوشوال 1401 هـ، عددممتازعنالندوةالعالميةللأدبالإسلامي.
[3]أيوب، الزمن والسرد في الرواية الفلسطينية المعاصرة ص 103
[4]النعيمي، أحمد حمد، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنسر، 2004، ص 25
[5]الشيب، ندى محمود، فن السيرة الذاتية في الأدب الفلسطيني بين 1992-2002، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، 2006، ص 76
[6]القرضاوي، يوسف، ابن القرية والكتاب ج-1، ص 10
[7]الغضبان، منير، كشف المستور، 26
[8]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص -9
[9]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص 15
[10]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص 81
[11]الطنطاوي، علي، الذكريات، ج – 1، 15
[12]الطنطاوي، علي، الذكريات، ج – 1، 16
[13]الشيب، ندى محمود، فن السيرة الذاتية في الأدب الفلسطيني بين 1992-2002، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، 2006، ص 76
[14]القرضاوي، يوسف، ابن القرية والكتاب ج-3، ص 8
[15]الطنطاوي، علي، الذكريات، ج – 3، ص 317
[16]معتوق، محبة حاج، أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية، دار الفكر اللبناني، 1994، 259
[17]الطنطاوي، علي، الذكريات، ج – 1، ص 75
[18]الطنطاوي، علي، الذكريات، ج – 3، ص 55-56
[19]النعيمي، أحمد حمد، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنسر، 2004، ص 32
[20]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص 47
[21]النعيمي، أحمد حمد، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنسر، 2004، ص 38
[22]بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 133
[23]القرضاوي، يوسف، ابن القرية والكتاب ج-1، ص 138
[24]بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 120
[25]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص 117
[26]زينب، الغزالي، أيام من حياتي، ص 179
