Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 07, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

الحريم العثماني وتدخلهم في سياسة الدولة العثمانية خلال القرن 11ه/ 17م (ماه بيكر كوسم و خديجة تورخان أنموذجاً )

  أ.د / أماني جعفر الغازي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم التاريخ والآثار جامعة الملك عبدالعزيز ،مملكة العربية السعودية __________________________________________________________________________ مقدمة: دائرة الحريم العثماني هي جزء من كيان الدولة العثمانية وقد أثرت الحريم العثماني في السياسة العليا للدولة خاصة في عصر الضعف منذ القرن 11هـ/7م، وقد برزت في هذا القرن ماه بيكر كوسم أم السلطان… View Article

الحريم العثماني وتدخلهم في سياسة الدولة العثمانية خلال القرن 11ه/ 17م  (ماه بيكر كوسم و خديجة تورخان أنموذجاً )

 

أ.د / أماني جعفر الغازي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

قسم التاريخ والآثار

جامعة الملك عبدالعزيز ،مملكة العربية السعودية

__________________________________________________________________________

مقدمة: دائرة الحريم العثماني هي جزء من كيان الدولة العثمانية وقد أثرت الحريم العثماني في السياسة العليا للدولة خاصة في عصر الضعف منذ القرن 11هـ/7م، وقد برزت في هذا القرن ماه بيكر كوسم أم السلطان مراد الرابع والسلطان  إبراهيم الأول وجده السلطان محمد الرابع وقد دخلت في صراع مرير مع زوجة إبنها إبراهيم الأول خديجة تورخان والدة السلطان محمد الرابع ، وقد أثر هذا الصراع سلباً على الدولة العثمانية وبقي هذا التأثير إلى يومنا هذا.

ماه بيكر كوسم :

ماة بيكر كوسم كانت امرأة سلطوية ومسيطرة تعشق اللعب بالسياسة.

هي الزوجة الأكثر شهرة في تاريخ أسرة آل عثمان وهي المرأة الأكثر نفوذاً في الحرم العثمانية على الإطلاق ولا توجد معلومات وافية عن السنوات الأولى من حياتها في المصادر التاريخية. ولكن على الرغم من عدم توفر معلومات كافية عن أسرتها وعن زمن دخولها إلى السراي العثماني ولكن الشيء المعلوم هو أنها كانت بنتاً لقسيس من طائفة الأرثوذوكس القاطنين في أطراف البوسنة([1]).

لقد جاء إسمها في المصادر التاريخية على شكل ماهبيكر وفقاً لتقاليد القصر، ثم أعطي لها إسم كوسم كلقب وشاع إستخدامها اللقب في السراي .

وتعني كلمة كوسم البشرة الناعمة والمساء الخالية من الشعر. هذا إضافة إلى أن كلمة كوسم تعني أيضاً الكبش أو الحمل الذي يسير في مقدمة الأغنام، وربما دل هذا المسمى على تقدمها على بقية الزوجات وهي دلالة إلى مطامحها في القيادة والتحكم([2]).

لا تتوفر معلومات وافية عن طفولتها أو أسرتها، أو عن زمن دخولها ووصولها إلى القصر العثماني، أما عن أصلها فقد أختلف حوله المؤرخون، فمنهم من أرجع أصلها إلى الروم وأنها إبنة أحد القساوسة الرومان الذي يمتلك مقاطعة قرب إستانبول، وكان اسمها أناستيا – أما الفريق الثاني، فيرجح أنها ابنة قسيس أرثوذكسي من البوسنة، وأن آغا البنات أحضرها من أحد ولاة البوسنة([3]).

ومن المحتمل أن ولادتها تصادف عام ٩٨٨هـ / ١٥٨٩م، ووصولها ودخولها إلى القصر العثماني في حدود عام 1000هـ / 1591، وقد أهديت إلى القصر العثماني من قبل والي بوسنة في زمن السلطان محمد الثالث، وكان عمرها آنذاك في حدود 13 سنة([4]).

لقد لفتت بجمالها إنتباه السلطان أحمد الأول حيث أنها جميلة ولبقة وجذابة، عقب توليه عرش السلطنة بعد وفاة أبيه السلطان محمد الثالث، فجعلها الزوجة الخاصة له. وقد ذاع صيتها عقب ولادة إبنها مراد في سنة 1021هـ/١٦١٢م)، ثم إبنها ابراهيم في سنة 1024هـ / ١٦١٩م)، وإبنها قاسم في سنة 1027هـ / 1617م.

وبعد أن أصاب السلطان أحمد الأول بمرض الحمى المميت، قامت كوسم سلطان بنشاطات مختلفة من أجل إعداد أبنائها لتولية الحكم، لأن السلطان أحمد الأول كان له إبنان من زوجته الأولى ماهفيروز([5])، وهما أكبر في العمر من أبناء كوسم، فحاولت الاقتراب من أركان الدولة بشتى الطرق وذلك لكسب تأييدهم ودعمهم. وعقب وفاة السلطان أحمد الأول في أواخر عام 1027هـ / 1617م، أنتقلت كوسم سلطان إلى السراي العتيق حسب بروتوكول البلاط العثماني. وقد لعبت كوسم سلطان دوراً مهماً في تولية الأمير مصطفى شقيق السلطان أحمد الأول على عرش السلطنة بدلاً من الأمير عثمان أكبر أبناء السلطان أحمد الأول من زوجته الاولى ماهفيروز([6]).

وكانت كوسم سلطان تمهد الطريق أمام أولادها الذين كانوا في أعمار صغيرة في ذلك الوقت، لأنها كانت تعرف بأن مصطفى لا يستطيع الاستمرار كثيراً في الحكم بسبب خلل في عقله، بالإضافة إلى أنه كان عقيما، فكانت تعرف بأن الحكم سوف ينتقل إلى أبنائها في يوم ما. وبهذا فتحت كوسم سلطان الطريق إلى تغيير مهم في نظام الحكم في الدولة العثمانية؛ لأنه إلى ذلك اليوم كان الحكم ينتقل من السلطان إلى أبنه، ولأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية أصبح الحكم ينتقل من السلطان إلى شقيقه بدلاً من إبنه على أساس الأكبر والأرشد وذلك بفضل دهاء كوسم سلطان ومخططاتها المستقبلية([7]).

وفعلا لم يستمر سلطنة مصطفى كثيراً، إذ خلع من الحكم بعد أربعة شهور فقط، ثم تولى العرش من بعده عثمان النجل الأكبر للسلطان أحمد الأول من زوجته الأولى ماهـفيروز .

وأنتقلت كوسم سلطان إلى السراي العتيق في فترة حكم السلطان مصطفى والسلطان عثمان الثاني، وقامت بتنشئة أبنائها وإعدادهم لتولية عرش السلطنة. وبعد فترة قصيرة لا تتجاوز خمس سنوات خلع السلطان عثمان الثاني من العرش، ثم قتل إثر مؤامرة غادرة، فأنفتح الطريق أمام أبنها الأمير مراد لتولي عرش السلطنة، وبالفعل اعتلى مراد على عرش السلطنة في يوم ذي القعدة 1033هـ / ٩ سبتمبر ١٦٢3م، فرجعت كوسم سلطان الى سراي طوب قابو ضمن احتفالات رسمية بصفتها والدة السلطان مراد الرابع. وكان السلطان مراد الرابع في السنة الثانية عشرة من العمر عند إعتلائه العرش عديم الخبرة السياسية فأصبحت كوسم سلطان صاحبة السلطة والكلمة في الدولة العثمانية، ساعد على ذلك وفاة أم السلطان أحمد (خاندان خاتون) فأصبحت تشارك في الاجتماعات مع أركان الدولة وتساهم في حل شئون الدولة وإصدار القرارات([8]).

وقد تربى السلطان على يد أم قوية لا تترد في عمل أي شيء في سبيل السلطة وكان السلطان الصغير يرافق والدته في هذه الاجتماعات ليتعلم شئون الدولة فقد كان يمسك بطرف حجابها ليدخل الإجتماع وهو لا يعرف شيء، إلا أنه كان ينتظر من جهة أخرى اليوم الذي يتسلم فيه حكم الدولة من والدته. لكن كوسم سلطان لم تكن تنوي أبداً في تسليم حكم الدولة إلى إبنها السلطان. ولكن الأحداث الداخلية تطورت في إستانبول والأناضول أدت إلى عزل الصدر الاعظم خسرو باشا وتعيين طوبال رجب باشا في منصب الصدارة العظمى، والذي قام بمناورات عديدة ضد كوسم سلطان وأستطاع أخيراً إنهاء نفوذها وإعطاء دفة الحكم إلى السلطان مراد الرابع في سنة 1.41هـ/ 1631م.

 ومع هذا فقد كان السلطان يستمع الى كلام والدته، لأنه لا يزال تحت تأثيرها حتى بعدما أخذ زمام الأمور بيده وقد هددها بإعادتها للقصر العتيق كذا مرة.

 وبعد وفاة السلطان مراد الرابع، أعتلى على عرش الدولة العثمانية أخيه والابن الآخر لكوسم سلطان وهو الأمير إبراهيم. وكان السلطان ابراهيم يعاني من مرض الشقيقة ما يعني إبتعاده في بعض الأحيان عن مهام السلطة ، مما أدى إلى ازدياد مسئولية كوسم سلطان، حيث بدأت تمسك زمام الأمور بيدها مرة اخرى.

لقد قامت كوسم سلطان بتقديم عدد كبير من النساء والجواري إلى إبنها السلطان إبراهيم لإنجاب ولي عهد لأجل استمرار السلطنة في آل عثمان وفيما يبدوا أنه كان عقيماً لا ينجب الأبناء. ولكن الازدياد المفرط في عدد النساء والجواري أدى الى الإفراط في الإسراف من جهة، وإلى قيام البعض من أولئك النساء في التدخل في شئون الدولة من جهة اخرى مما أدى إلى ضعف سلطة كوسم سلطان في البلاط العثماني. وأصبح السلطان إبراهيم لا يستمع الى كلام والدته نتيجة وقوعه تحت تأثير النساء والجواري، فقام بإبعاد والدته وإجبارها على الإقامة في جنينة إسكندر جلبي “القصر العتيق”. وهنالك رواية تفيد بأن السلطان إبراهيم أراد أن ينفي والدته الى جزيرة رودوس للتخلص منها([9]).

لكن كوسم سلطان لم تخضع لأوامر إبنها، بل قامت بالاتفاق مع أركان الدولة وشيخ الإسلام عبدالرحمن أفندي على خلع السلطان ابراهيم وسجنه بحجة جنونه في رجب 1058هـ / أغسطس ١٦٤8م)، وبتولية حفيدها الأمير محمد بن السلطان إبراهيم السلطان محمد الرابع، الذي كان إبن سبع سنوات في مقام السلطنة. وتفيد بعض المصادر التاريخية بأن لكوسم سلطان دور كبير في مقتل إبنها إبراهيم في سجنه فيما بعد([10]) . وإن كان هذا مخالف لطبيعة الأمومه.

وكان البروتوكول السائد في البلاط العثماني يقر على إنتقال والدة السلطان المتوفى أو المخلوع إلى السراي القديم الكائن في منطقة بايزيد، والابتعاد عن شئون الدولة، واعطاء صلاحياتها الى والدة السلطان الجديد. ولكن كوسم سلطان لم تفعل ذلك، بل بقيت في طوب قاب سراي وحافظت على مكانتها في الحريم وفي البلاط كجدة السلطان الجديد محمد الرابع وبحجة أن خديجة تورخان والدة السلطان محمد الرابع شابة وعديمة التجربة، فواصلت تدخلها في شئون الدولة في السنوات الأولى من سلطنة حفيدها وذلك بدعم من القوات الإنكشارية. فلم تتمكن خديجة تورخان والدة السلطان محمد الرابع من الوقوف ضد كوسم سلطان([11]).

لكن بمرور الزمن استاءت خديجة تورخان من سلطة ودكتاتورية كوسم فقد بدأت في هذه الأثناء خديجة تورخان والدة السلطان محمد الرابع بالتدخل تدريجياً في شئون الدولة بصفتها والدة السلطان وبمساندة بعض أركان البلاط، فبدأ النزاع والتنافس بين جدة السلطان محمد الرابع ووالدته، فتسبب ذلك في ظهور المشاكل والاضطرابات في إدارة الدولة مما أدى إلى إستقالة الصدر الأعظم من منصبه. ثم تسببت التدابير التي أخذها الصدر الأعظم الجديد ملك أحمد باشا لسد العجز في الميزانية في تمرد وعصيان الأهالي وأرباب الحرف والتجارة، والذين تظاهروا وساروا الى طوب قابو سراي لتقديم احتجاجهم ومطالبهم الى السلطان. ومن جهة أخرى أنقسم رجال الدولة الى قسمين، قسم بجانب كوسم سلطان والقسم الآخر بجانب خديجة تورخان.

وفي الوقت الذي قامت فيه خديجة تورخان بمفاوضات سرية مع بعض من رجال الدولة لكسب تأييدهم ودعمهم لها ووقوفهم ضد كوسم سلطان([12])، ومن جهة أخرى كانت كوسم سلطان تقوم بتدبير مؤامرة مع مؤيديها لقتل خديجة تورخان والتخلص منها نهائياً.

وفي هذه الأثناء سار رئيس المتمردين أبشير مصطفى باشا على رأس مجموعته المسلحة نحو استانبول والذي كان يشكل خطرا على كوسم سلطان، وعندما علمت بمجيئه إلى العاصمة تدبرت مؤامرة مع أعوانها تتضمن خلع السلطان محمد الرابعوالتخلص من خديجة تورخان، وتولية الأمير سليمان أخ السلطان محمد الرابع من أم أخرى.

وكانت هذه المؤامرة تستهدف تحقيق استمرار تحكم كوسم سلطان على شئون الدولة.

ولكن الخطة باءت بالفشل نتيجة انتقال المؤامرة إلى إسماع خديجة تورخان بواسطة إحدى جواسيسها المدعوة “ملكي قادين” فبدأت تسبق كوسم سلطان في ذلك، وقامت بتوظيف أحد حراسها المدعو اوزون سليمان لمباغتتها، فقام هذا الحارس برفقة بعض رجاله بقتل  كوسم سلطان في غرفتها بدائرة الحريم في يوم 16 رمضان 1061هـ / 2 سبتمبر 1651م) وكان عمرها آنذاك ٦٢ سنة([13]). ودفنت داخل ضريح زوجها السلطان أحمد الأول الكائن في أحد أركان فناء جامع السلطان أحمد في استانبول([14]).

وقد تسببت هذه الكارثة التي انتهت بمقتل كوسم سلطان إلى إنهاء تدخل أغوات  السراي في شئون الدولة، حيث قام الصدر الأعظم سياوش باشا بأخذ التدابير  اللازمة لتقليص نفوذهم بصورة تامة. وتم نقل الجواري اللاتي يعملن في خدمة كوسم سلطان الى السراي العتيق مع اعطاء لكل واحدة منهن عشرة  آلاف آقجة وصندوقين من الجهاز من اموال كوسم سلطان، كما تم تزويجهن من بعض موظفي الدولة([15]).

لقد ورد اسم كوسم سلطان في المصادر التاريخية بألقاب مختلفة مثل: “الوالدة

المعظمة” و”الوالدة الكبيرة” و” أم المؤمنين” و”صاحبة المقام” و”المهد العليا”” و”الوالدة العتيقة”([16]).

ولكنها ذكرت بعد وفاتها بلقب ” الوالدة الشهيدة ” و ” الوالدة المقتولة”([17]) فقد كان لكوسم سلطان إيرادات كثيرة من العقارات التي امتلكتها في أماكن عديدة من الدولة العثمانية، حيث تركت بعد وفاتها أموالاً طائلة ومجوهرات ثمينة، انتقلت جميعها إلى خزينة الدولة([18]).

وقد قامت بجدارة بدور أساسي في المؤامرات السياسية فترة سيطرتها على الحكم، فقد كانت ذكية إلى درجة استثنائية ماكرة ومراوغة، أستاذة في صنع الخطط السياسية والمؤامرات متعددة الوجوه، مؤثرة ومقنعة في كلامها، أهتمت بإرضاء الشعب، لذا تركت كثير من المؤسسات الخيرية التي استفادت منها شريحة عريضة من الفقراء والمحتاجين.

ومع حبها للحكم والسياسة، تميزت بالخبرة والمعرفة والحنكة السياسية، فنجد أنها عالجت كثير من مشاكل الحكم والإدارة بشخصية قوية وعقل مفكر، فمثلاً استطاعت أن تقضي على تمرد للإنكشارية في عهد إبنها السلطان مراد الرابع، حينما لم تدفع لهم العطايا المتبعة نظر للقصور المالية في خزينة الدولة، فأمرت الصناع بأخذ مقدار من الأواني الذهبية والفضية من القصر السلطاني وصهرها لتحويلها إلى نقود منحتها للإنكشارية، وبذلك قضت على تمرد اعتادوا عليه([19]).

وعلى الرغم من الدسائس والمكايد التي قامت بها كوسم سلطان للوصول الى تحقيق أهدافها ومطامحها في البلاط العثماني، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في العديد من انجازات الدولة العثمانية وحماية مصالحها وذلك في زمن سلطنة إبنيها السلطان مراد الرابع والسلطان ابراهيم وفي السنوات الأولى من سلطنة حفيدها السلطان محمد الرابع.

على الرغم من الحياة السياسية التي عاشتها ماه بيكر كوسم، والمكائد والدسائس التي خاضتها في سبيل الوصول إلى تحقيق أهدافها ومطامحها داخل القصر السلطاني، إلا أنها تركت خلفها أعمالاً خيرية كثيرة تلقي بضوئها على الجانب الخير والحسن في شخصيتها.

لقد كانت ماه بيكر كوسم ذات ثراء واسع، حيث امتلكت كثيراً من الأراضي الزراعية في أماكن عديدة من الدولة العثمانية وخاصة في الأناضول وقبرص، كانت تهدى إليها من الدول المجاورة، إضافة إلى أنها عند وفاتها أنتقلت صناديق مجوهراتها القيمة وأموالها التي يقال أنها بلغت عشرين صندوقا مليئا بالعملات الذهبية «السلطاني» إلى خزينة الدولة العثمانية([20]).

كانت تؤدي الأعمال الخيرية بنفسها حيث تذهب سنويا لزيارة السجون، وتقوم بتسديد قروض المساجين لإنقاذهم من العقوبة، بالإضافة إلى توزيع الأعطيات والهدايا عليهم، كما أن حبها للخير دفعها أيضا إلى أن تؤدي دور الأم الحنون للفتيات الفقيرات المقبلات على الزواج، إذ تقوم بإعداد جهاز العرس، والإشراف على تزويجهن ولم يقتصر الأمر على الفتيات الفقيرات فقط بل حتى الجواري اللاتي يعملن بخدمتها، حيث تزوجهن على نفقتها الخاصة([21]).

كما أسست مؤسسة خيرية باسم «عطايا السادات» كان يستفيد منها حوالي ٢٠٠ فقير ومسكين، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الأسبلة التي أنشأتها في مختلف أحياء إستانبول، مثل سبيل بجوار جنيلي جامع «جامع الخزف» وسبيل بجوار تكية أبو الهدى، وسبيل آخر بجوار تكية معمار عجم، بالإضافة إلى سبيل كوسم سلطان في حي يني قابي، وأخيراً سبيل ملحق بمسجد الصدر الأعظم أوزد ميرأ وغلي عثمان باشا، فضلاً عن تأسيسها أوقافا في قبرص ومديللي([22])           ” واكريبوز([23]).

وأنشأت جنيلي جامع Cinili Comi Kulliyesi أي جامع الخزف 1050هـ /١٦٤٠م، وقد أحاطته بمدرسة ومكتبة وخصصت أعمالاً خيرية للصرف على أجور الأئمة، أما عن المدرسة فقد أدت دورها العلمي، وألحقت بها مدرسة للأطفال ودار للحديث، وأنشأت حماما مزدوجا بجوار الجامع، وهو مقسم إلى قسمين: قسم للنساء وقسم للرجال، وأنشأت مسجد قواغي في نهاية الأناضول بجانب البسفور إلى عدد من الأسيلة في مختلف أحياء استانبول، وأنشأت كذلك نزلاً غرف باسم «والدة خاني» قدم خدمات لكل الأشخاص والقوافل، دون النظر إلى لون أو دين أو لغة أو ثقافة ومذهب. فضلا عن أعمال خيرية موسمية توزع على أكثر من مائتي رجل وامرأة في الأشهر المباركة شعبان ورمضان([24]).

كما قامت كوسم سلطان أيضا بتأسيس وقف لتأمين متطلبات الحجاج من المياه في طريق الحج ولمساعدة الفقراء في الحرمين الشريفين ولتلاوة القرآن الكريم في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وبلغت ميزانية هذا الوقف الذي اشرف على إدارته آغا دار السعادة ستة آلاف من السكة الذهبية([25]).

كذلك يعتبر ( خان وكاله) الوالدة الكبيرة في منطقة مرجان من أهم الأثار المعمارية التي تركتها كوسم سلطان في استانبول([26]).

حيث خصصت مبالغ معينة لأعمال عينية، وجزءً آخر لأعمال معنوية كقراءة القرآن الكريم، وقامت بتمويل مشاريع الري في مصر، بالإضافة إلى إنشائها لخزانات مياه في طريق الحجيج، حتى لا يهلك الحجاج نتيجة لقلة المياه وشدة الحرارة، وترسل الأموال إلى مكة والمدينة لمساعدة الفقراء والمساكين مع الصرة سنويا، وكانت ترسل الكسوة لمائة فقير من فقراء مكة ومثلها لفقراء المدينة حتى إنها كانت تقدم إعاشة للحجاج([27]).

ورغم أن ماه بيكر كوسم والدة سلطان كانت متسلطة ومستبدة، فإن هذا لا يمنع أنها أحست بشدة بحاجات الفقراء والمحتاجين وصرفت جزءا كبيرا من أموالها على أعمال الخير، وهذا ما يجب أن يذكره لها التاريخ.

خديجة تورخان سلطان :

أما عن الكفة الثانية في الميزان والتي جعلت ميزان القوى في السياسة يختل، هي خديجة تورفان سلطان زوجة السلطان إبراهيم الأول وأم أول ابن ذكر للسلطان وأم السلطان محمد الرابع.

یروی آنها من اصل روسي، ولدت سنة 1027هـ / ١٦٢7م، وقعت أسيرة بيد تاتار القرم وهي في الثانية عشرة من العمر، ثم أشتراها(كور سليمان باشا) وأهداها إلى كوسم سلطان، وعلى الرغم من المعلومات التي تفيد بأن كوسم سلطان هي التي أسمتها باسم خديجة سلطان، غير أن المؤرخ العثماني عشاقي زاده إبراهيم يقول بأنها

أخذت تورخان أولاً، ثم أخذت اسم خديجة فيما بعد([28]).

وقد وردت أسمها في المصادر التاريخية على شكل تورخان خديجة، فيما جاء اسمها في الدراسات والأبحاث الحديثة على شكل خديجة تورخان. وقد نشأت خديجة تورخان التي امتازت بجمالها وأناقتها في الحريم العثماني بقصر طوب قابوا سراي، وكانت أول جارية من جواري السلطان إبراهيم والتي أنجبت ولداً([29])لأن بقية الجواري كن ينجبن البنات فقط.

وفي غضون ذلك توفي السلطان مراد الرابع وتولى مكانه في السلطنة شقيقه إبراهيم أشرفت «كوسم سلطان» على تربية الفتاة الروسية المقدمة إليها من أجل إرضاء إبنها خلال وقت قصير وفقا لتقاليد القصر، وأطلقت عليها اسم «خديجة تورخان»، ثم قدمتها هدية إلى السلطان إبراهيم بعدما انتهت من تربيتها. كانت «تورخان سلطان» جميلة جدا، وطويلة القامة ورشيقة، حيث زادت آثار حبوب الجدري على وجهها من جمالها أكثر فأكثر. فتن السلطان إبراهيم ببياض بشرتها الجذاب ولون عينيها الأزرق الداكن مثل المخمل ولمعان شعرها الأشقر الباهر، وأحبها بمجرد رؤيته لها ولم يعد يهتم ببقية الجواري، وفي سنة 1052هـ / 1642م أنجبت السلطان محمد الرابع([30]).

فعندما انجبت خديجة تورخان طفلها الأول محمد (السلطان محمد الرابع فيما بعد) كانت في الخامسة عشر من عمرها فترقت إلى درجة خاصكي سلطان. وقد أقيمت إحتفالات بهيجة بمناسبة ولادة الأمير محمد والذي اعتبروه بشارة في استمرار ذرية آل عثمان.

وقد أنيطت وظيفة تعليم خديجة تورخان سلطان في الحريم العثماني في قصر طوب قابو إلى الأميرة عاتكة إبنة السلطان أحمد الأول. ويمكن القول بأن حياة خديجة تورخان سلطان في هذه الفترة كانت خالية من الأحداث المهمة([31]).

بدأت شهرة خديجة تورخان وظهور دورها المهم في إدارة الدولة وسطوع نجمها بعد خلع زوجها السلطان إبراهيم بحجة خلل في عقله وتولية ابنها الأمير محمد عرش السلطنة بإسم السلطان محمد الرابع في 18 رجب 1058هـ / أغسطس 1648م وهو في السابعة من العمر، حيث ترقت إلى درجة والدة السلطان وبقيت تحافظ على هذا الموقع الهام لمدة خمس وثلاثين سنة([32]).

وكانت خديجة تورخان سلطان عديمة التجربة لأنها كانت في سن الواحدة والعشرين من عمرها عندما صارت والدة السلطان، فقد كانت بريئة لا تفهم الحيل والمكائد ولا الطموحات المشاكل لأنها بقيت تحت ظل نفوذ كوسم سلطان التي كانت والدة السلطان منذ خمس وعشرين سنة بصفتها والدة لكل من السلطان مراد الرابع والسلطان إبراهيم.

وكان المفروض أن تنتقل كوسم سلطان إلى السراي القديم وفق البروتوكول العثماني بجلوس السلطان محمد الرابع على عرض السلطنة، لكنها أستطاعت البقاء في سراي طوب قابو بدعم من رجالة الدولة وإستغلال قلة خبرة خديجة تورخان وبقيت بحجة أنها جدة السلطان الصغير السن لتكون نائبة أو وصية للسلطان، فأصبحت تعرف بـ “الوالدة الكبيرة” أو “الوالدة المعظمة” بينما أطلقت على خديجة تورخان سلطان “الوالدة الصغيرة” وكانت رئاسة دائرة الحريم خلال تلك الفترة بحوزة كوسم سلطان التي كان راتبها اليومي من الدولة 3000 آقجة، فيما كان الراتب اليومي لخديجة سلطان ۲۰۰۰ آقجة([33]).

وفي الفترة التي كانت فيها كوسم سلطان هي الوالدة الكبيرة او الوالدة الجدة كانت علاقاتها جيدة مع أغوات الفرقة الإنكشارية والذين قاموا بمساندتها وإبقائها على رأس الحريم في البلاط العثماني وأدى ذلك الى تصاعد نفوذهم حيث استطاعوا الاستيلاء على إدارة الدولة العثمانية. ولكن بمرور الزمن تجمع حول الوالدة الصغيرة خديجة تورخان سلطان بعض أركان الدولة؛ أمثال سليمان آغا رئيس مربي الأمراء السابق في البلاط العثماني وريحان آغا معلم السلطان وإسماعيل آغا المصاحب([34])، مما أدى إلى نشوب الصراع بين طرفي الوالدتين الكبيرة والصغيرة، إذ حاول رجال كلا الطرفين من تصعيد نفوذهم في إدارة الدولة. وقد أدت المشاكل الناتجة من قيام سياوش باشا الوزير منذ عهد السلطان محمد الرابع بالوقوف ضد تحكم آغوات الإنكشارية إلى شدة الصراع والنزاع بين طرفي خديجة تورخان سلطان و کوسم سلطان. وتحرك أغوات الإنكشارية للقضاء على الواقفين بجانب خديجة تورخان سلطان وذلك بتحريض من كوسم سلطان.

 مما أدى هذا الوضع إلى انفجار شديد من جانب أركان البلاط العثماني من ناحية ودائرة الحريم في السراي ضد كوسم سلطان ومن ناحية أخرى ساءت الأمور أكثر عندما نقلت ملكي قلفة إحدى جواري كوسم سلطان خبر نية الوالدة الكبيرة بخلع السلطان محمد الرابع وتنصيب الأمير سليمان على عرش السلطنة ، حيث أتفق أربعة عشر شخصا من الأغوات الموالين لخديجة تورخان سلطان على قتل الوالدة الكبيرة كوسم سلطان، حيث تم اغتيالها على يد أوزون سليمان آغا بتاريخ 16 – ۱۷ رمضان 2061/ ۲- ۳ سبتمبر 1651)، كما تم اغتيال الأغوات الموالين لها أيضا([35]).

وتولت رئاسة القصر والحرم منذ ذلك التاريخ وفي في الرابعة والعشرين  من عمرها أمسكت بزمام الأمور بيدها في السراي العثماني. ولكن لعدم خبرتها وصفاء قلبها بقيت تحت تأثير كل من أوزون سليمان آغا البنات والجاريه ( ملكي قلفة) حيث بدأت تدير الدولة نيابة عن إبنها السلطان الصغير وفق أهوائهما، فأنتشرت الرشاوى والفساد في شئون الدولة وبدأ تعيين غير اللائقين في الوظائف الرسمية وكانت أوامر وفرمانات التنصيب والعزل تتم بإسمها كنائبة السلطان وتختم بختمها المكتوب عليه ” مظهر لطف الصمد والدة السلطان محمد”([36]).

ولأنها امرأة طاهرة القلب حريصة على إدارة شؤون الدولة على نحو جيد أدت بعض الأمور التي حدثت في السنوات الخمسة الأولى إلى دخول خديجة تورخان سلطان في مأزق سياسي في إدارة الدولة.

ولكن في هذه الأثناء أقترح إليها المعمار قاسم آغا سرا بتنصيب (محمد باشا كوبرولو»([37]) على الصدارة العظمى نظراً لاستطاعته في القيام بحل مشاكل الدولة، ويتميز بحسن التدبير والموهبة السياسية فاقتنعت خديجة تورخان سلطان بهذا الاقتراح ووافقت على مجيئه إلى السراي للتشاور معه في هذا الخصوص. وعندما قدم الباشا إلى السراي طلب منه خديجة تورخان سلطان ترشيحه على منصب الصدر الأعظم، فصرح الباشا بأنه يوافق على تولية هذا المنصب، لكنه اشترط عليها أربعة شروط؛ هي:

اولا: عدم الاعتراض على آرائه وتنفيذ قراراته الصادرة حول شئون الدولة.

ثانيا: عدم التدخل في اختيار أركان الدولة.

ثالثا: عدم التدخل في شئون الوزراء ورجال الدولة.

رابعا: عدم إعطاء فرصة للمشاغبين الذين يتحدثون ضده. ([38])

فوافقت خديجة تورخان سلطان على شروط محمد باشا([39])، وقررت تنصيبه على الصدارة العظمى([40]) في سنة/١٦٥٦ مع منحه جميع الصلاحيات في ادارة شئون الدولة([41]).

ومنذ ذلك التاريخ لم تعد تدخل في شؤون الدول واعتزلت الحياة السياسية ثم رافقت خديجة تورخان سلطان إعتبارا من خريف1068هـ / 1657م) ابنها السلطان محمد  الرابع الذي كان يقيم في مدينة أدرنة منذ فترة طويلة بسبب قيامه بالحملات العسكرية، تاركا شئون الدولة الى الصدر الأعظم محمد باشا كوبرولو. ولكنها كانت تأتي إلى استانبول بين حين وآخر، كما أنها أمرت ببناء دائرة خاصة لأبنه داخل سراي طوب قابو في عام ١٠٧٢ هـ/ 1661 – ١٦٦٢ م عرفت بدائرة السلطان محمد خان الصياد. ثم رافقت خديجة تورخان سلطان ابنها السلطان محمد الرابع في حملته العسكرية على بولندا، حيث خرجت من أدرنة بموكب رسمي في 8 صفر ۱۰۸3هـ   ٥ يونيو ١٦٧2م مع إبنها فوصلت إلى منطقة باباداغي في رومانيا، وبقيت هنالك حتى عودة إبنه السلطان محمد الرابع والجيش العثماني من بولندا. وقد كلف بعض الوزراء بحماية خديجة تورخان سلطان في فترة مكوثها في رومانيا. كما كان حفيدها الأمير مصطفى البالغ من العمر ثمانية أعوام معها في هذه الفترة. ولكن خديجة تورخان سلطان لم تنتظر عودة الجيش من الحملة حيث غادرت باباداغي وتوجهت الى استانبول. وعندما عاد الجيش إلى أدرنة عقب إنتهاء الحملة العسكرية كانت خديجة تورخان قد وصلت إلى استانبول.

وبعد أسبوع من الزمن أرسل السلطان محمد الرابع الوزير الثاني مصطفى باشا إلى استانبول ليجلب والدته إلى أدرنة. ([42])

    لقد ابتعدت خديجة تورخان سلطان عن شئون الدولة تدريجيا بعد تنصيبها محمد باشا كوبرولو على الصدارة العظمي فقد كان هذا القرار صائب إلى حد بعيد، فدخلت في فترة هادئة نسبيا من حياتها اعتباراً من عام 1067هـ/١656م وحتى وفاتها، وقد بلغت هذه الفترة سبعة وعشرين عاما.

وقد أشير إلى اسم خديجة تورخان سلطان دائما بالثناء والمدح بسبب دورها في تنصيب محمد باشا كوبرولو على الصدارة العظمى. فارقت خديجة تورخان سلطان الحياة في أدرنة في يوم 10 رجب من عام ١٠٩4هـ /٥ يوليو ١٦٨3م في الوقت الذي أقترب فيه الجيش العثماني الى مشارف فيينا وفي الوقت الذي وصل إبنها السلطان محمد الرابع الى بلغراد. وتم نقل نعشها إلى استانبول في اليوم التالي تحت إشراف الكتخدا حسین آغا(القائم بأعمالها)،حيث أستقبل في وقت العصر من يوم الخميس من جانب القائم قام والعلماء، وفي اليوم نفسه، يعني في ٢ رجب ١٠٩4هـ/ يوليو ١٦٨3م) تم دفنها بداخل الضريح الواقع بقرب يني جامع (الجامع الجديد) الذي بناها بنفسها في منطقة أمين أوني في استانبول([43]).

تشير المصادر التاريخية إلى أن خديجة تورخان سلطان كانت تأخذ مواقف معتدلة في شئون الدولة، كما كانت وتبذل جهودا لأجل عمل الصواب دائما، كما كانت تستشير رجال الدولة في الأمور المستعصية عليها. هذا إضافة إلى أنها منعت ولو نسبياً حوادث القتل المعتادة داخل السراي العثماني. فعندما قرر إبنها السلطان محمد الرابع قتل أخويه الأمير سليمان (السلطان سليمان الثاني فيما بعد) والأمير أحمد (السلطان أحمد الثاني فيما بعد) وذلك بتأثير زوجته كلنوش أمة الله عقب إنجابها لولديها الأمير مصطفى (السلطان مصطفى الثاني فيما بعد) والأمير أحمد (السلطان أحمد الثالث فيما بعد)؛ وقفت خديجة تورخان سلطان ضد هذا القرار وأقنعته بالعدول عن قراره، وبهذا قامت خديجة تورخان سلطان بمنع سفك دماء الإخوة الذي كاد أن يكون تقليداً سائداً في الدولة العثمانية([44]). كما أستطاعت خديجة تورخان سلطان إنقاذ حياة الوزير الأعظم سياوش باشا من الموت وذلك بعد عزله من منصبه. لكنها مع ذلك لم تستطع الوقوف ضد قرار مقتل شيخ الإسلام خواجه زاده مسعود افندي عقب الاتهامات التي وجهت إليه نتيجة المكايد والمؤامرات الجارية في تلك الأيام حيث أنهم بتورطه في محاولة تولية الأمير سليمان على عرش السلطنة بدلا من السلطان محمد الرابع.

ويمكن القول بأن خديجة تورخان سلطان لم تستغل نفوذها وسلطتها لمصالحها الشخصية كما فعلت ذلك كوسم سلطان وصفية سلطان ونوربانو سلطان من قبلها إنما بذلت ما بوسعها من أجل مصالح الدولة العثمانية ومن أجل رفاهية المواطنين الذين يعيشون في اراضي الدولة العثمانية([45]).

وكانت خديجة تورخان سلطان تتمتع بنفوذ قوي على إبنها كما كان السلطان محمد الرابع مرتبطا إرتباطا شديدا بوالدته. وتؤيد المصادر التاريخية بأن السلطان كان يحزن كثيرا ويبكي عند إستقبال والدته وعند توديعه. وكان لخديجة تورخان سلطان دور مهم في إدارة الدولة، وقد قيلت بعض العبارات بعد وفاتها مثل: أنتقلت إلى رحمة الله تعالى “الركن الأعظم للدولة” ([46])، ومثل: كانت المرحومة هي “الركن الركين للدولة”([47]).

خديجة تورخان سلطان اشتهرت بتدينها وبسخائها وبتواضعها وبشغفها بالأعمال الخيرية. وأول عمل خيري لخديجة تورخان سلطان ذكرته المصادر التاريخية هو السبيل الذي بناها في منطقة بشيكطاش عام 1064هـ/1653م، ولكن لم يصل هذا الأثر إلى يومنا هذا، ثم قامت بتشييد حصنين على طرفي مضيق جاناق قلعة (الدردنيل)، وهما حصن سد البحر في الجانب الأوروبي من المضيق، والحصن السلطاني في الجانب الأناضولي من المضيق. واحتوت كل واحد من هذين الحصنين على مسجد ومدرسة للصبيان وحمام ودكاكين وأسواق تجارية. إضافة إلى ذلك قامت خديجة تورخان سلطان بترميم وتجديد حصن كليد البحر (قفل البحر) الذي شيده السلطان محمد الفاتح على مضيق الدردنيل في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي([48]).

قامت ببناء قلاع على مضيق «شاناکاله» من عائدات الأراضي الأميرية في سنة 1071هـ / 1660م. كانت «كوسم سلطان» ترغب بإقامة هذه القلاع فيما مضى، ولكنها فشلت في ذلك بحجة أن الأهالي سيتعرضون للإعتداءات بإستمرار في حال وضع جنود داخل القلاع. لكن «تورخان سلطان» عارضت هذه الفكرة عن الأهالي وقامت ببناء القلاع من مالها الخاص، كما لم تغفل بناء مسجد بالقرب منها([49]).

ثم قامت خديجة تورخان سلطان بإتمام عمارة الجامع الجديد (يني جامع) في منطقة أمين أوني باستانبول، والذي بدأت ببنائه صفية سلطان زوجة السلطان مراد الثالث ووالدة السلطان محمد الثالث عام 1007هـ / 1598م وكانت أعمال البناء تسير ببطء نظراً لقرب المكان من البحر، وبوفاة السلطان محمد الثالث في 1012هـ / 1603م وانتقال صفية سلطان إلى السراي القديم في عام 1014هـ / 1605م بموجب البروتوكول المعتاد في الحريم العثماني، ولكل هذه الأسباب لم تكمل بناء الجامع([50]).

وبعد ست وخمسين عام من ذلك التاريخ أرادت خديجة تورخان سلطان بناء مسجد يحمل أسمها، فأقترح عليها رئيس المعمارين مصطفى آغا بإتمام هذا المسجد بدلاً من بناء مسجد جديد، فوافقت على ذلك وانتهت عمارة المسجد وأفتتح المسجد للعبادة في يوم الجمعة المصادف 20 ربيع الآخر عام 1076هـ / 30 أكتوبر سنة 1665م ضمن احتفال رسمي. وقد صرفت لعمارة المسجد 3080 كيس آقجة([51]). وشمل الجامع ملحقات كثيرة حوله تتكون من : محفل السلطان ودار القراء وكتاب للصبيان وششمة (سبيل) وضريح وسوق مصر. وقد أوقفت خديجة تورخان سلطان مجموعة قيمة من الكتب إلى الجامع([52]).

 إضافة إلى ذلك لقد تم تعمير وترميم الأبنية الكائنة داخل قلعة قندية بعد فتحها في عام 1080هـ / 1669م بإسم خديجة تورخان سلطان، كما تم تحويل دير سانت سلفادور إلى مسجد يحمل أسم خديجة تورخان. كما قامت خديجة تورخان سلطان ببناء مسجد جامع يوسف آغا في منطقة روميلي قاواق في إستانبول، وخان (وكالة تجارية) ومسجد وكتاب للصبيان وتوجد باسمها وقفية لبعض أوقافها مؤرخة في 27 رجب 1073هـ / 7 مارس 1663م بمكتبة السليمانية في إستانبول تحت رقم 150، تورخان والدة سلطان ([53]).

الخاتمة: من العرض السابق لدور الحريم في قيادة الدولة العثمانية وسياستها الداخلية والخارجية نكتشف أن تدخلهن في السياسة لم يكن سيئا على جميع الأصعدة، فقد كانت لهن بعض الخيرات التي أثرت في المجتمع حولهن، كذلك أثرت بشكل مباشر على بعض طبقات المجتمع كالمصريين والصبيان، وكذلك الجواري الخاصة بهن، ولاشك أن له أثرا جميلا في واقع الأمر.  لكن تدخلهن المباشر في السياسة الداخلية والخارجية كان له أبلغ الأثر في الدولة العثمانية، فمن ناحية أعطى صورا مشرقة للحريم العثماني بتسجيل الاحترام والتقدير من قبل السفراء الأجانب والملكات المعاصرات لهن. لكن بالمقابل فقد كان لهذه التدخلات تأثيرها السلبي؛ إذ حكمن وأمرن ونهين وفقا لمشاعرهن ورغبة في السيطرة والتحكم ومد النفوذ مما أدى إلى ضعف السلاطين وبالتالي ضعف الدولة ذاتها.

لكن أسوأ أثر كان في تدخلهن لاختيار من سيتولى العرش، وفي سبيل ذلك صغن عملًا شنيعا جلب على الدولة العثمانية الوبال، وتتابعن عليه حتى صار كالقانون، هو قانون قتل الإخوة في سبيل تأمين العرش، فأغلب حوادث قتل الإخوة كان سببها التدخل السافر للنساء في سياسة الدولة، وهو ما انعكس سلبا على شخصية بعض السلاطين العثمانيين من ضعف إرادة وإنصياع تام للحريم. وتعتقد الدراسة أن هذه أهم نتيجة توصل إليها البحث.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً : الوثائق :

  • أرشيف طوب قابي سراي، أرشيف E ، رقم 2477.

 

ثانياً : المراجع العربية :

  • أميرة علي مداح : خبرات ماه بيكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين صورة للتضامن الاجتماعي والديني من خلال العصر العثماني، المؤرخ المصري دراسات وبحوث في التاريخ والحضارة، كلية الآداب – جامعة القاهرة، العدد 24، يناير 2001م.
  • س. موستراس : المعجم الجغرافي للإمبراطورية العثمانية، ترجمة : عصام محمد، ط أ، بيروت : دار ابن حزم، 1423هـ / 2002م.
  • مصطفى تشاتاي أولوتشاي : زوجات السلاطين وبناتهم، ترجمة : ألاء الجعفري، قطر : دار جامعة حمد بن خليفة، الطبعة الأولى، 2020م.
  • يلمازا أوزتونا : تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة : عدنان محمود سليمان، مراجعة : محمود الأنصاري، د . ط، إستانبول : منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1988م، ج الأول.

ثالثا المراجع التركية :

1-All Akyildiz Safiye Sultan islam Ansiklopedisi.c.35.starbed.

2 -Al Akyildiz Haremin Padisati Valide Sultan Harem de Hay ve eskat istanbul2017.

3- Ahmet Akgunduz islam Hukununda Kolelik Cariye Muessesesi Ve Osmanlid da Hsmanlida osmanlida Harem Baski Osmanli Arastirmalari Vakfi yayinlari Istanbul.6

4-Akyildiz Pinar Kayaalp.the Empress Nurbanu and ottom Politics in the sixteenth century building the atik Valide N york 2018.

5-Bekir Kutukoglu Muradi.Dia .c.31 istanbul2006

6-G.Goodwin. A History of ottoman Architecture London 1971

7-L.P.Peirce Harem-1 Humayun:Osmanli Imparatorlugu Hukumranik ve Kadinlar Tercume Ayse Berktay.

8-M.gagatay ulucay:padisahl Arim kaddinar ve Kizlari Aal Turk Tarih Kuramu Yayinlari 1980,bo430

9-Nimet BayraktarOskodar kotophaneleri Vakiflar sayi16.1982

10-Yilmaz Oztuna.Osmanli Devleti Tarihi.c2 Faisal Finanal FI Kuru Yayintari.istanbul 1986.s18

11-Vakif Kadiniar Vakiflar Genel Mudorlogo.11mayis 2018

12-Qztuna.sOc Haseki Sultan Peirce

13-Ozlem Kumrular Haremde That Kuranlar/Nurbanu ve Safiye

Sultan.istanbul2017 peirce Necipoglu sinan Cagi.

14-Lihan Sahin Nurbanu Sultan Dia.c 33.istanbul2007

15-Fatma Kaytaz Nurbanu Valide Sultan.in Hayab ve Sahsiyeti.

16-Stephan Gerlach Turkiye Gunlugo1577-1578 Cev Turkis Noyan .ed.Kemal Beydiilli c.2 istanbu 2007.

1- Meral Altındağ, Osmanlı’da Harem, Altın Kitaplar, İstanbul 1993,s.100  

2- M. Çağatay Uluçay, Padişahların Kadınları ve Kızları, Ankara 1980, s. 48

3- Yılmaz Öztuna, Osmanlı Hareminde Üç Haseki Sultan, İstanbul 1988, s. 80

4- Yıldıray Kara,, Osmanlıda Kadın Saltanatı, İstanbul 2010, s. 82

5- ماه فيروز سُلطان، هي الزوجة الأولى للسلطان أحمد وأم الأمراء محمد وسليمان وبايزيد وحسين، إلى جانب السلطان الشاب عثمان الثاني، ويعتقد أنها عاشت سعيدة حتى دخول ماه بيكر كوسم حيات السلطان أحمد، حيث دخلت الزوجتين في صراع مع بعض حتى توفي السلطان أحمد الأول عام 1617م، وتولى عثمان الثاني السلطنة فأصبحت السلطانة الأم ونقلت منافستها إلى القصر القديم.

ثم وافتها المنية بعد ذلك بثلاث سنوات عام 1029هـ / 1620م ودفنت في “أيوب سلطان” يقال أنها رفضت الدفن في تربة زوجها السلطان أحمد بسبب إهماله لها على الرغم من حبها الشديد له.

مصطفى تشاتاي أولو تشاي : زوجات السلاطين وبناتهم، ترجمة ألاء الجعفري، قطر : دار جامعة محمد بن خليفة، الطبعة الأولى، 2020م، ص70.    

6- Meral Altındağ, Osmanlı’da Harem, Altın Kitaplar, İstanbul 1991, s. 100

7- Mücteba İlgü, “Kösem Sultan”, Türkiye Diyanet Vakfı İslam Ansiklopedisi, c. 26, Istanbul, s. 27T

8- Yılmaz Öztuna, Osmanlı Hareminde Üç Haseki Sultan, Istanbul 1988, s.

9- ilgü, “Kösem Sultan”, Türkiye Diyanet Vakfı İslam Ansiklopedisi, c. 26, İstanbul, s. 27

10- Mücteba Karacelebizade Abdulaziz Efendi, s. 15 – 17; Ahmet Refik, Osmanli Saraylarinda Kadınlar Saltanati. Istanbul 1984, s. 188-191

11- Mücteba ligü, “Kösem Sultan”, Türkiye Diyanet Vakfı İslam Ansiklopedisi, c. 26, Istanbul, s. 27

12- Naima Tarihi, V, s. 106

13- M. Çağatay Uluçay, Padişahların Kadınları ve Kızları, Ankara 1980, s. 49

14- Karaçelebizade Abdülaziz Efendi, s. 118-119

15- Mücteba İlgü, “Kösem Sultan”, Türkiye Diyanet Vakfı İslam Ansiklopedisi, c. 26, İstanbul, s. 27°

16- Naima, IV, s. 276, 290, 315, 450; V, s. 108

17- M. Çağatay Uluçay, Padişahların Kadınları ve Kızları, Ankara 1980, s. 49

18- أميرة علي مداح : خيرات ماه بيكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين، ص296.

19- يلماز اوز رتونا : تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة : عدنان محمود سليمان، مراجعة : محمود الأنصاري، د . ط، استانبول : منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1988م، ص489.

20- أميرة علي مداح: خيرات ماه بكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين، ص ٢٩٦.

21- M. Cagatay ulucay. Padisahlarin Kadinlari ve Kizlari. Ankara. 1980. S. 49.

22- مديللو: ،midillon جزيرة في الأرخبيل، وهي مركز ولاية الجزر العثمانية في البحر المتوسط، اشتهرت الجزيرة قديما بكثرة مدنها، فتحها العثمانيون عام ٨٦٧هـ / ١٤٦٢م، وبها ميناء ومدينة بنفس الاسم وهي عاصمة جزر الأرخبيل العثماني. س. موستراس: مرجع سابق، ص ٤٥٦ – ٤٥٩.

23- اكريبوز: Egri-Gueuz بلدة في تركيا الآسيوية، الأناضول في ولاية حذاوندكار، لواء كوتاهية، س. موستراس: مرجع سابق، ص88 انظر :

Turkiye Diyanet Vakfi Islam Ansiklopedisi. cilt 26. Istanbul 2002. S. 275

أميرة علي مداح: خيرات ماه بكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين، ص 301.

24- أميرة علي مداح: خيرات ماه بيكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين، ص ۲۹۷ – ۳۰۲.

25- Mahpeyker Kösem Valide Sultan’ın Haremeyn-i Şerifeyn Vakfiyesi, Çamlıca Basım Yayın, İstanbul 2005, s. 97

26- M. Çağatay Uluçay, Padişahların Kızları ve Kadınları, Ankara, 1980, s. 49

27- أميرة علي مداح: خيرات ماه بيكر كوسم والدة سلطان ووقفيتها لخدمة الحرمين الشريفين، ص ۲۹۷ – ۳۰۲

M.Cavid Baysun: Kosem Sultan the Encyclopaedia of Islam. Volume VI. P. 273.

28- CA Uşşakizade, s.89

29- Uluçay, s. 57

30- مصطفى أولو تشاي : مرجع سابق ، ص۸۲

31- Nurdan Şafak, “17. Yüzyılda bir Valide Sultan: Hatice valide Sultan ve Vakıfları”, s. 242, Vakıf Kuran Kadınlar Vakiflar Genel Müdürlüğü, İstanbul, 11 Mayıs 2018

32- Uluçay, s. 58

33- Filiz Karaca, “Turhan Sultan”, DIA, c. 41, s. 425  

34- جميع الواردة أسمائهم من رجال البلاط العثماني، لم تتمكن الدراسة من الحصول على ترجمة خاصة بهم.

35- Naima Tarihi, 3, s. 1326

36- ‘ Uluçay, s. 58

37-  محمد باشا كوبرولو :ولد في قرية رودنيك (روزنيك) التابعة الى سنجق (لواء) براة في ألبانيا. ودخل إلى السراي العثماني عن طريق الدؤشيرمة، حيث عمل في مطابخ السراي أولا، ثم صار من كبار خدام السراي في زمن السلطان مراد الرابع. ثم خدم في خزينة السراي. ثم انتقل بعد مدة قصيرة الى وحدة الخيالة وسافر الى ناحية أو قصبة کوبرو (وزیر كوبرو) التابعة الى ولاية أماسيا في الأناضول. وهنالك تزوج بعائشة خانم. وقد اشتهر بلقب كوبرولو بسبب اقامته في هذا المكان. وعندما تولى خسرو باشا الذي كان على معرفة سابقة به الصدارة العظمى؛ جعله خازنا له. وبعد مقتل خسرو باشا أصبح متصرفا على سنجق أماسيا. ثم عاد الى اسطنبول وتقلد مناصب مختلفة؛ منها رئيس المحتسبين وناظر مصنع المدافع ومحافظ الأسلحة. ثم صار متصرفا على سنجق جوروم في الأناضول وشارك في الحملة العسكرية على بغداد عام 1048 هـ/ 1638 م. وعندما تسلّم قارا مصطفى باشا منصب الصدارة العظمى؛ قام بتعيينه رئيس بوابي البلاط العثماني ومحافظا للإسطبل الهمايوني في السراي. ثم عين مرة أخرى على متصرفية أماسيا. وفي صدارة محمد باشا سلطان زاده تم تنصيبه واليا على طرابزون الواقعة على البحر الأسود وبرتبة وزير. وفي عام 1057 هـ/ 1647م صار متسلّما على الشام، ثم أصبح واليا على قرامان في الأناضول. وفي هذه الأثناء أنيطت له وظيفة قمع عصيان علي باشا واروار الذي تمرد على الدولة، ولكنه خسر المعركة ووقع في الأسر في منطقة جانقيري. ثم وصل الجيش العثماني بقيادة مصطفى باشا إيشبير الى إمداده وأنقذه من الأسر. ثم تخلى عن مناصبه الرسمية فترة من الزمن وقضى وقته في ناحية كوبرو (وزير كوبرو). وعندما تم تنصيب مصطفى باشا إيشبير بمنصب الصدر الأعظم؛ قام بتعيينه والياً على إيالة طرابلس الشام، لكنه غزل عن هذه الوظيفة قبل أن يباشر بمقامه الجديد، فرجع مرة أخرى الى قصبة كوبرو واستقر فيها.

وفي هذه الحقبة حدث أن خلع السلطان ابراهيم من عرش السلطنة بحجة خلل في عقله وتولى ابنه الأمير محمد العرش (السلطان محمد الرابع في يوم 18 رجب من سنة 1058 هـ / 8 اغسطس ١٦٤8م) وهو في السابعة من العمر؛ حيث قامت والدة السلطان الجديد خديجة تورخان بإدارة الدولة وصية عن ابنها الصغير. ولكنها كانت ضعيفة في شئون الدولة، فانتشرت الرشاوى والفساد وبدأ تعيين غير اللائقين في الوظائف الرسمية. كما ادت بعض الأمور التي حدثت في السنوات الخمسة الأولى من هذا العهد كواقعة جينار وهزيمة الجيش العثماني أمام البندقيين وسقوط جزيرتي بوزجا ولمني إلى دخول خديجة تورخان سلطان في مأزق سياسي في إدارة الدولة.

 ولكن في هذه الأثناء اقترح عليها المعمار قاسم آغا – وهو القائم بأعمال خديجة تورخان – بتنصيب أهل قريته محمد باشا كوبرولو على الصدارة العظمى نظرا للياقته واستطاعته في القيام بحل مشاكل الدولة. فاقتنعت خديجة تورخان سلطان بهذا الاقتراح ووافقت على مجيئه الى السراي للتشاور معه في هذا الخصوص. وعندما حضر الباشا الى السراي وطلب منه خديجة تورخان سلطان تسلّم منصب الصدر الأعظم؛ فصرح الباشا بأنه يوافق على تولية هذا المنصب، لكنه اشترط عليها اربعة شروط؛ هي:

أولاً: عدم الاعتراض على آرائه وتنفيذ قراراته الصادرة حول شئون الدولة.

ثانياً: عدم التدخل في اختيار اركان الدولة.

ثالثاً: عدم التدخل في شئون الوزراء ورجال الدولة.

رابعاً: عدم اعطاء فرصة للمشاغبين الذين يتحدثون ضده.

فوافقت خديجة تورخان سلطان على شروط محمد باشا، وقررت تنصيبه على الصدارة العظمى في ٢٦ ذي القعدة 1067 هـ / 5 سبتمبر 2657م مع منحه جميع الصلاحيات في ادارة شئون الدولة.

وقد قام الصدر الأعظم محمد باشا كوبرولو بإجراءات عظيمة وإصلاحات مهمة في الدولة العثمانية وأعاد الرخاء والهدوء وقضى على الفوضى والفساد، حيث قام بنفي قادة المشاغبين والمرتشين والمتمردين الى جزيرة قبرص. ثم قام بإعدام بعض الرجال الذين قاموا بالتعاون مع الدول الأجنبية ضد الدولة العثمانية. وقام بإرسال الحملات العسكرية الى أوروبا واستطاع استرجاع بعض الجزر التي انتزعها الدول الأوروبية من العثمانيين في فترة الفوضى. كما قام بعقد اتفاقيات ومعاهدات مع الدول الأجنبية، حيث أعاد للدولة العثمانية اعتبارها الذي فقدته في فترة الفوضى والفساد.

وكان محمد باش كوبرولو كبيرا في العمر، فأصابه المرض والإرهاق فطلب من السلطان محمد الرابع أن يوافق على استقالته من الصدارة ويقوم بتنصيب ابنه فاضل أحمد باشا الذي كان واليا على إيالة حلب آنذاك مكانه في الوظيفة. فوافق السلطان على هذا الاقتراح وقام بتنصيب الأبن على الصدارة العظمى. وبعد فترة قليلة من الزمن توفي محمد باشا كوبرولو في في مدينة أدرنة التي كان يتواجد فيها السلطان محمد الرابع آنذاك في 7 ربيع الأول 1072هـ / 31 أكتوبر ١٦٦1م) في عمر يناهز ست وثمانين سنة. وتم ارسال نعشه إلى اسطنبول، حيث دفن في فناء الجامع والمكتبة التي كان قد بناهما في حي جمبرلي طاش الواقع بين منطقتي بايزيد والسلطان أحمد.

38- Naima Tarihi, 4, s. 1701

39- Nazım Tektaş, Sadrazamlar, s. 278

40- Abdülkadir Özcan, “Mehmed IV”, DIA, s. 417

41- Filiz Karaca, “Turhan Sultan”, DIA, c. 41, s. 425

42- istanbul Yeni Cami ve Hünkar Mahfill, s. 73

43- Altınay, Kadınlar Saltanatı, s. 356-357

44- Öztuna, Üç Haseki Sultan, s. 174

45- Silahtar 2, s. 116

46- Defterdar Sarı Mehmet Paşa, s. 156

47- Nurdan Şafak, “17. Yüzyılda bir valide sultan”, s. 245, Vakıf Kuran Kadınlar Vakıflar Genel Müdürlüğü istanbul, 11 Mayis 2018

48- كتب في الأرشيف النص التالي من المعلوم أن صاحبة الدولة حضرة السلطانة الوالدة السخية قامت ببناء هذه القلاع بمالها الخاص (أقجة)، وبعد وصولها برفقة فلذة كبدها وحاصل عمرها حضرة السلطان الغازي محمد خان إلى بورصة المحروسة بعدة أيام سافروا إلى أدرنة وعبروا بالسفن إلى غاليبولي آنذاك. وأخيراً عبرت حضرة السلطانة الوالدة برفقة السلطان الهمايوني بعد يوم واحد إلى ضفة الأناضول بالسفن من أجل رؤية المضائق وهذه الآثار الرائعة»، ثم أعطي البقشيش للعاملين في البناء، بعدها ذكر الشاعر عبدي تاريخ البناء، طوب قابي، أرشيف E، رقم 2477.

49- Selaniki,2.s.733,761

50- Abdurrahman Abdi Pasa,s. 214

51- istanbul Yeni Cami ve Hünkar Kasrl, s. 16 – 17.

52- Nurdan Şafak, “17. Yüzyilda bir valide sultan”, s. 245, Vakif Kuran Kadınlar Vakiflar Genel Müdürlugu, istanbul, 11 Mayis 2018

53- Nurdan Şafak, “17. Yüzyilda bir valide sultan”, s. 245, Vakif Kuran Kadınlar Vakiflar Genel Müdürlugu, istanbul, 11 Mayis 2018