Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

September 15, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

الإكسير” قصة قصيرة للمنشئ بريم تشاند”

  ترجمة: د. قمرشعبان أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية الآداب  جامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند  _________________________________________ Abstract: The Chastity, commitment to charitable work, upholding human values, and taking care of family responsibilities—all of these ensure the happiness of humanity and society, and strengthen family and kinship ties. This short story, translated from Urdu and titled… View Article

الإكسير”  قصة قصيرة للمنشئ بريم تشاند”

 

ترجمة: د. قمرشعبان

أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية الآداب

 جامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند

 _________________________________________ Abstract: The Chastity, commitment to charitable work, upholding human values, and taking care of family responsibilities—all of these ensure the happiness of humanity and society, and strengthen family and kinship ties. This short story, translated from Urdu and titled “The Elixir” by Munshi Prem Chand, tells the story of a poor family, one of the sons falls in love with a girl from his village, who the family dislikes because she appears to be a defaulter, over-dressed girl who cares only about makeup, adornment, and unveiling. However, a surprise visit to the boy’s mother at a neighbor’s house reveals that the girl is, in fact, a committed, modest, and charitable volunteer. Her dedication is the elixir that brings about the marriage of the two lovers, uniting the two families, and extinguishing the flames of suspicion and doubt. Undoubtedly, suspicion and doubt often lead to the fragmentation of families, relatives, and communities, and sometimes even to the outbreak of discord, hypocrisy, and bloody wars. Munshi Prem Chand, through his novels and short stories, always tries to shed light on the tragedies and tribulations that human societies suffer from, individually and collectively, in a simple style and in a simple and easy language that is understandable to the common men and the intellectuals of all levels.

 

الملخص:  العفاف، والالتزام بعمل الخير، والمحافظة على القيم الإنسانية، والعناية بالمسؤولية العائلية؛ هذه كلها مما يضمن لسعادة البشر والمجمتع، وبها تتوطد أواصر القرابات والعوائل. وإن هذه القصة القصيرة المترجمة من اللغة الأردية بعنوان: “أمرت”، للمنشئ بريم تشند؛ تحكي لكم عائلة فقيرة؛ يُغرم أحد أولادها بفتاة قريته؛ التي لاتعجب بها العائلة، لأنها تبدو كفتاة من الفتيات الُمهمِلات، والمتبرجات بالزينة؛ وكأنها لايهمها إلا المكياج، والتزخرف، والسفور. ولكن زيارة مفاجئة لأم الولد تلك الفتاة في منزل بعض الجيران تكشف أنها في الحقيقة فتاة ملتزمة، ومحافظة، ومتطوعة بالخير. وتطوعها هذا هو الإكسير؛ الذي  يتسبب في عقد قران الحبيبين، وربط حبال الأسرتين، مع إخماد نار الشبهات والظنون. ولاشك أن الشبهات والظنون لطالما تُفضي إلى تشتيت العوائل والأقارب والمجتمعات، كما وتؤدي أحيانا إلى نشوب الشقاق والنفاق والحروب الدامية.

 وإن المنشئ بريم تشند يحاول، دائما، من خلال إبداعاته الروائية والقصصية أن يزيح الستار عن المآسي، والفتن التي تعاني منها المجتمعات البشرية؛ فرادى، وجماعات؛ في أسلوب بسيط، وفي لغة سهلة ومفهومة لدى العامة والخاصة من الناس، ولدى المثقفين من جميع المستويات.

الكلمات المفتاحية: العفاف، الغرام، الشقاء، القيم الإنسانية، الرضيع، الأم، الفتاة اليافعة، والمكياج، عقد قران، اللبان، الحليب، الحلوى، التنبول.

نص القصة

                باتت السيدة بوطي متوترةً بعض الشيء بعدما أرملت، وعندما تكتئب من أجل الأعمال المنزلية المنهِكة تطعن زوجها الراحل: “فارقتَ حياتَك، وتركتَني على جمر من النار، وإن كنتَ مستعجلا على الفراق، فلِمَ كنتَ تزوجتَني؟ ألم يكن لك شغل سوى الزواج؟”. لو شاءت بوطي لتزوجت من رجل بعده، كعادةٍ معروفةٍ لدى اللبَّانين؛ فإنها لازالت جميلةَ المُحيا، وأنيقةَ الديباج؛ وثمة رجال، أيضا، يريدون التزوج منها؛ ولكنها كرهت ذلك؛ فينزل كل غضبها على أكبر أولادها موهان؛ البالغ السادسة عشرة من عمره. وأما سوهان فهو لازال صغيرا، ومينا ابنتها الوحيدة فهي مافتئت طفلة؛ ومعظمهم عالةٌ على الأم الأرملة؛ وهؤلاء هم الذين تتكبد من أجلهم ما تتكبد من المتاعب، وإلا لكانت اشتغلت في بعض المنازل لكسب ما يكفي لها من القوت، وتزوجت من أحد عندما شاءت؛ ولكنها، الآن، لاتستطيع أن تفعل ذلك، ولو فعلت ذلك مع تواجد هؤلاء الأولاد الثلاثة لرماها الناس بالطعن والاستهجان. وإن موهان يحاول دوما أن يساعدها قدر المستطاع؛ يجهز للمواشي العلف، ويأتي لها بالكلأ؛ ولكن أمه بوطي لاتعجب به، بل تلومه لؤما، وتسبه سبا؛ فلايبالي بكل ذلك موهان. تشتكي بوطي أن زوجها حمّل كل أعباء المنزل على كتفيها، وذلك ما دمّر حياتها تدميراً؛ لا متعة في المأكل، والملبس؛ كأنها ألقيت على التنور بعد الزواج، وتعيش صراعا مستمرا بين الإرمال والحرمان، ونكدت حياتها بنار البغضاء والحسد. وكانت تملك بعد وفاة زوجها مجوهرات ثمنها خمس مئة روبية تقريبا؛ ولكنها نفدت روبيةً تلو روبية. وإن هناك الكثيرات من النساء؛ اللاتي يسخرن منها بعرض خلاخيلهن الرنانة، وعيونهن المكحولة، ومفارق رؤوسهن الزنجفرية؛ فعندما ترمل إحداهن تشعر بوطي بنوع من سعادة الحسد. ويسرها أن ترى نساء العالم على بكرة أبيهن على الحالة نفسها التي تعاني منها. ولم يكن لها إلا أن تتسلى عن طريق وصف حرمانها بالعفاف، وعن طريق النيل من النساء الأخريات. وتود أن تكون عائلتها أنموذجا لأعلى القيم، ومكارم الشيم. ويكون أولادها بمعزل عن الأهواء والرغبات. لأن هذه السمعة الطيبة لاتزيدهم إلا فخرا وعفافا؛ فيستحيل لها أن تتعامى عن عيوب أكبر أولادها موهان. ومن أجل معايشتها وسط النمامين، والمغتابين؛ باتت تظن بالناس ظنونا؛ فدائما تتغاضي عن هذه البيئة المسمومة الملوثة، لتتجلى أمام الناس عظيمةً وعفيفةً. لقد استاءت اليوم، عندما عاد موهان من بيع الحليب؛ فرعدت عليه غضبا، وبرقت: “أراك، تزل قدماك”.

لم يفهم موهان هذه الكناية؛ فألقى عليها نظرة متسائلة، مستفسرا إياها:

“لم أستطع أن أفهم ما تقصدين يا أمي”؟

“لاتخجل، ولاتقاطع سؤالي، هلا تغازل روبا بخيفة؟ ألا تغار شيئا؟ يعيش أهلك على الكفاف، وأنت تنعم عليها بالبذل، والعطاء، والتنبول، وتلوين الملابس”؟

استباح موهان العذر: “أي جريمة اقترفتها، إن كنت وفرت لها التنبول بعد طلبها بثمن بخس؛ فلوس معدودة؛ فماذا كنت أفعل، هل كنت أقول لها: “أعطيني الفلوس لكي أشتري لكِ التنبول، وقد أعطتني الساري لألوِّنه؛ فهل كنت أطلب منها أجرته”.

“أ أنت السخي الوحيد في الحارة كلها؟ فلِمَ لم تطلب أحداً غيرك”؟

“من يدري؟ لم لم تطلب أحداً غيري”؟

“هل اشتريتَ لأحد في بيتك التنبول قط؟” أم هذه مراودتك للآخرين”؟

“فلمن أشتري التنبول في البيت”؟

“هل مات أهلك كله؟ ما رأيك؟”

“ما كنت أدري؟ أنك تحبين التنبول”.

“أجل، أجل! لا أحد يتناول التنبول في الكون كله، سوى روبا”؟

“ولكن، للموضة أيضا عمر خاص!”

ثارت بوطي حسدا، وقد أهانها الشعور بالشيخوخة؛ وما لهذه الموضة من وزن في الشيخوخة، عندما كانت تمشي مفتخرة على تقواها، وتواضعها على رؤو النساء، فكيف لها أن تتحمل هوانها من أجل أولادها الذين أفنت لهم شبابها. وقد مضت خمسة أعوام على وفاة زوجها، كانت عند وفاته على ذروة الشباب، ثم تحملت بمسؤولية هؤلاء الأولاد الثلاثة من دون ذنب، وهي لازالت شابة، لو شاءت لباتت تختال مميلة متمائلة، محمرة الشفاه، مبلطة الرجلين بالحناء، مرتدية الفستان المزركش؛ ولكنها ضحَّت بكل ذلك من أجل الأولاد؛ ولكنها، رغم ذلك، امرأة عجوز في عيون الأولاد، فنطقت: “بلى”، إنني مسنة، وقد آن لي أن ألبس الخرق، عندما توفي أبوك، كنتُ أكبر من روبا بأربع سنوات فقط. ولوكنتُ تزوجتُ من أحد وقتذاك لما كان لكم من تعولون عليه، ولكنتم مضطرين إلى التكفف، والتسول في زقاق القرى، وشوارع المدن؛ فأحذركم جيدا، وإن كنتَ التقيتَ بها من جديد ستبقى أنت في هذا البيت أم سأبقى أنا فيه”.

لفظ موهان منذعرا: “لقد وعدتها يا أمي”.

“أي وعد”؟

“الوعد بالزواج”.

“لو دخلت روبا هذا البيت لطردتها طردا؛ فإن هذا هو كل ما تريد أمها، وهي التي تنتزع مني ابني؛ يا لها من امرأة حاسدة! تستغله لكي تؤذيني”.

نطق موهان متألما: “بالرب، على رسلك يا أمي، كنت ظننت أن أختي مينا سوف تغادرنا إلى بيت زوجها في أيام عديدة، وستبقين أنت وحيدة، فأردت أن أتزوجها، وإن لم تعجبك روبا فدعيها وشأنها”.

ألقت يوطي عليه نظرة ريبة وشك، وقالت: “منذ اليوم، ارقد هنا في فناء الدار”.!

“فماذا عن المواشي؛ الجاموس والبقرة هل أتركها خارجا”؟

“دعها في الخارج، لا أحد يسرقها”.

“هل ترتابين فيَّ لهذا الحد يا أمي”؟

“أجل”!

رد موهان بغيرة وإباء: “لن أرقد هنا”.!

“إذن، اشرد من بيتي”.

“إن أنتِ راضية بذلك، سأخرج بكل تأكيد”.

حضَّرت مينا الطعام، فتلفظ موهان: “لست جائعا”.

ولم تراوغه أمه بوطي، ولن يكون عناد موهان أن يرضى بكل ما أمرته أمه لغاية من الغلظة والقسوة:

“أجل، هذا بيت أمك، ولسوف أبحث عن بيت آخر”.

عندما كان يتكبد موهان تقلبات الدهر، وكانت حياته فريسة بين مخالب الهموم والأحزان، فارغة عن الرغبة، والمتعة والأنس؛ تفتحت في حياته “روبا” كالربيع الذي يتحلى بالبراعم الناضرة، والمتغنج بأسجاع البلبل، وأصبحت حياته الآن حافلة بالطرب. وكلما يشتغل بعمل يكون قلبه معلقا بروبا، ويتمنى دائما إرضاءها بالهدايا والتحف، حتى اجترأ أن يحكي عليه آلامه. ولكنه، بعدما ردعته أمه، متململ ومتفكر؛ فكيف يلتقي بها اليوم؟ هل سيقول لها: “إن أمي نهتني عن لقياك”. ولم يمر يوم على تبادلهما الحب، متغازلين تحت ظلال الدوحة في المرعى، مشيدا بجمالها: “مآت العشاق فداء جمالك وبهائك، وإن الرجل الذي ستتزوجين منه، لسوف يتنور بأنوارك، وليس لك شيء في بيتي”. فردت عليه روبا: “أنت تجري في كل عرق من عروق بدني مجرى الدم، وروحي مستمتعة بأنغامك اللطيفة والناعمة:

“لجَّ قلبي في التصابي               وازدهى عني شبابي”

 ولو أصبحتَ أنتَ يا موهان رئيس المنقطة، لبقيتَ لي موهان نفسه؛ ولو أصبحت أنت أجيرا وعاملا لكنتَ لي أيضا موهان نفسه؛ ولسوف أكابد الإفلاس، والهوان، والمجاعة من أجلك ياموهان؛ فكيف يبوح لموهان أن يقول لروبا : “ما لي ولك ياروبا”؟

كلا! هذا مستحيل؛ إنه لايبالي في سبيلها بزيد ولا ببكر، ولسوف يقضي حياته مع روبا متعاميا عن أمه، ولو في حارة أخرى، وعسى أن روبا سوف تنتظره هناك أيضا. يا لمهارتها في تحضير التنبول! تلتذ به الروح والنفس معا، كأنها تمزجه من الحب والهوى، ولكن كيف الطريق إليها؟ ولم تسمح له أمه بالذهاب إلى روبا، ولكنه لوذهب إليها لماتت أمه أسفا.

“ولكنني لن أخسر شيئا بموتها، فلتمت، من يدري ما هو قدرها؟ امرأة كريمة سوف تحترمها، ولكن لاندري لم تحسدها، ولاندري لماذا تسخر منها لهذا الحد؟  روبا امرأة هشاشة محتشمة، تأكل بعض التنبول، وترتدي الملابس الملونة، فإنها لازالت في سنوات الاستمتاع والتنزه بمسرات الحياة في المأكل والملبس، ولا أظن أن ذلك أمر سيء”.!

“أسمع فرقعة الأسورة، عسا أن روبا قادمة، أجل، هي روبا”. لقد تهلل موهان بشرا، وأخذ كل عضو من أعضائه يرقص طربا؛ انتهت روبا إلى مصراعي بابه؛ ولكن، كيف لموهان أن يرحب بها؟ وماذا سيفعل في استقبالها؟ هل يضع رأسه على قدميها؟.

جلست روبا على قرب من مخدته، متلفظةً: “هل نمت يا موهان؟ لازلت أنتظرك منذ أمد طويل، لم لم تأتني؟”

ظل موهان طريحا على فراشه؛ كأنه يغط في النوم، لقد حركت روبا رأسه قائلةً: “هل نمت يا موهان، ها هو ذا التنبول، خذه.”

من يدري ما كان في أصابعها من سحرٍ! فاهتزت روحه تنغما، وقفزت نفسه أن تضع الرأس على قدمي روبا، فإن السيدة الكريمة ماثلة أمامي بالتباريك، والدنيا كلها في طرب، وبدا أن جسمه ذاب لها راقصا محلقا كالأصداء المترننة بالأجواء: “تستيقظ موهان أو  لاتستيقظ، فإنني ذاهبة من هنا”.

لم يستطع موهان بعدئذ أن يتصبر أيما صبر: “أجل، لقد أخذَتني سِنةٌ، لم جئتِني هذا الوقت المتأخر من الليل، لو أتتني الآن أمي لقتلتني”.

وضعت روبا التنبول في فيه وسألت: “لم لم تأتني اليوم؟”

“لقد تشاجرت اليوم مع أمي”.

“ماذا هناك؟”

“قالت لي أمي: لو لاقيتَ روبا لمِتُّ”.

“هلا سألتها: لم تحسدني هذا الحسد”؟

“لاتسألي عنها يا روبا، لاتستطيع أن ترى أحدا هنيئا وسعيدا”.

“ليس الأمر كذلك يا موهان، المهم أنها لاتثق بي، كنت نوعاما ماجنة عند المراهقة، ولكنني الآن لست كما كنت؛ فإنني الآن لا أتبسم أمام الأجانب”.

“كيف لي أن أقنع أمي”؟

لا أريد منك إلا أن تختلف إليَّ مرة واحدة كل يوم”، إذ انفتح باب بيت موهان صدفةً، عسى أن بوطي مقبلة، انسابت روبا قليلا، وانتهض موهان مذعورا.

                هب موهان من النوم بكرةً مغمورا بالسعاة والطرب، وبدلت همومه وغمومه فرحةً ولذةً. وقبل ذلك، كان يوبخ أخاه الأصغر سوهان على تكاسله في أمور المنزل، ولكنه اليوم هو أيضا مشغول بتنظيف إزاره تجهيزا لزيارة معرض غازي ميان، ولكنه إثر ما رأى موهان، أخفى صابونه مستعجلا بالهروب، فناداه موهان مبتسما: “هل تدنّس إزارك جدا، فلم لا تعطيه الغسالة”؟

“ألا تقتضي الغسالة الفلوس”؟

“لم لا تطلب الفلوس من الأم”؟

“أجل، أجل، لقد أعطتني أمي الفلوس؟! وبالعكس، سوف تزجرني زجرا”.

“إذن، هاهي ذي الفلوس، خذ مني”. ورمى إليه موهان آنةً[1]، وفرح منه سوهان فرحا لايوصف، لأن أمه وأخاه كلاهما يطعنه طعنا، فذاق بعد مدة طويلة حلاوة الحب، ولذة التآنس؛ أخذ الآنة، وترك الإزار مكانه، وذهب ليعلف البقرة.

قال له موهان: “اترك أنت البقرة، وإنني سوف أعلفها”.

فربط سوهان حبالها، وجاء أخاه مخاطبا: “هل أُشعل لك النارجيلة”؟

                وأبدى، اليوم، سوهان تبجيله تجاه أخيه الأكبر، فما السر وراء ذلك؟ لم يدرك ذلك موهان، وتفتحت ملامس وجهه من هذا الاحترام الأخوي، فرد عليه: “أشعلها إن كانت ثمة النار”. وكانت مينا أختهما الصغرى تحفر الأرض وسط الفناء، مفتوحة الشعر، وبرؤية موهان دمّرت الحفر بالتو، وهرعت إلى المبطخ ساترة رأسها، فإن جميعهم كانوا يخافون بطش موهان.

سألها موهان: “ماذا كنت تلعبين أخيتي”؟

ردت مينا بفزع: “لاشيء”.

“إذن، أنت تحفرين حفرا جيدةً، أريني كيف تحفرينها؟”

لم تكن مينا مقتنعة بهذا التقلب المدهش في سلوك موهان؛ ولكنها، رغم ذلك، فرحت فرحا؛ يا له من سحرٍ في كلمة “الحب”!، ما إن انطلقت من الفم، فاح مسكها فوق السماء، وكل من شمه ابتهج سرورا، وبدل خوفه اطمئنانا، وظنه ثقةً ووفاءً، وبُدِّل النفور بالحبور. ثم انشغلوا جميعا في أعمالهم انشغالا متطوعين لا مكرهين؛ فإن الناس يرتقون إلى المناصب، ويُكرَّمون بالألقاب، وينتصرون على الخصوم؛ ولكن السعادة التي يسعد بها الإنسان من خلال هذه السعادات العائلية، يفقدها الإنسان في حصاد الحقول الخضراء، والرواتب الوظيفية. لقد فاض اليوم صدر موهان حبا وولاء؛ وتتفجر من جوارحه ينابيع البهجة والأنس والصفاء.

                جلست مينا لحفر الحفير، ومشط موهان أشعارها الملتوية، ناطقا بدلال: “متى ستتزوج عروسك؟ فإنني أتطلع إلى فرص أكل الحلوى”.

                تحلقت مينا فوق السماء فرحا: “يا له من أخ طيب كريم! كلما سيطلب مني الماء، سأنظف له الإبريق بالرماد تنظيفا، ثم آتي له بالماء”.

“لاتعطيني أمي الفلوس، لقد تم عقد قران عروسي، ولكن، كيف لي أن أرسل بطاقات الوليمة إلى الأقارب؟”

“كم من فلس، تحتاجين إليه”؟

“سأشتري حلوى البطاشا بفلس، واللون الوردي بفلس آخر لتلوين الزوجين”.

“فهل سيتم زواج عروسك بفلسين”؟

“أجل، أعطني فلسين وكفى، سأكمل بهما تزويج عروسي بأبهة وصيت”.

أخرج موهان فلسين، وأراهما مينا، فقفزت إليهما مينا، فرفع موهان يده، فحاولت مينا أن تجر يده، ولكنها لم تفز بذلك، فصعدت إلى أحضانه وفازت بالفلوس، وهبطت على الأرض راقصة طربا، ثم هروعت إلى صديقاتها لتبشرهن بزواج العروس.

وفي حينه، خرجت بوطي بروث الجاموس، إذ رأت موهان واقفا هناك،  فخاطبته متوعدة: “لازلت تتسكع هنا وهناك، متى ستحلب الجاموس”؟

لم يرد عليها موهان اليوم بعنف وغلظة، بل حمل على رأسه ماكانت تحمله من كومة الروث الجاف، إذ لفظت أمه بوطي: “دعني وشأني، اذهب واحلب الجاموس، وإنني سأحمل الروث”.

“أمي، كيف تحملين الحمل الثقيل على رأسك، لِمَ لاتنادينني”؟

رق له قلب بوطي من الأمومة:

“اذهب وأنجز عملك، لم تتعرض لي”؟

“من واجبي أن أنظِّف الروث”.

“متى سيُحلب الجاموس إذن”؟

“لاتقلقي أمي، وإنني سوف أحلب الجاموس أيضا”!

“كيف لك أن تنجز معظم الأعمال بوحدك”؟

“سوف أنجز ما أعدك به”.

“إذن، ماذا سأفعل أنا”؟

“اعتني بالأولاد، وقومي بتربية من يضل الطريق، أصلحي ما بدا لك من أخطائهم، هذه هي مسؤوليتك أنتِ يا أماه”.

“من ذا الذي سيطيعني؟”

ولما عاد موهان من السوق اليوم، اشترى علبة صغيرة للتنبول، والفوفل، والبُن، وقليلا من الحلوى، فسألته بوطي منزعجة: “هل ربحت اليوم مالا زائدا؟ ولو أسرفت في الإنفاق لصار العيش عليك عسيرا”!

“لم أسرف حتى فلسٍ واحدٍ يا أمي، ما كنت أدري أنك تحبين التنبول من ذي قبل، فلم أشتره لك قط”.

“إذن، منذ الآن، سوف أكون متقاعدة أتناول التنبول”

“أي بأس به يا أمي؟ ألا تستحقين هذه النعمة والهناء؟ ولكِ ابنان شابان”؟

لقد امتلأت بوطي بشرًا بعد البؤس والشقاء. وأصبحت كأنها بلبل صغير، طريٌّ نديٌّ رطبٌ، متمتع بالحيوية والنشاط؛ وأضحت تجاعيد وجهها المصفرِّ ناعمة لمساء، واكتحلت العيون بسعادة الود والرخاء، وتهلل قلبها الملول بالترانيم، وأعطت قطعة من الحلوى سوهان، وأخرى مينا، وأوشكت تقدم قطعة لموهان أيضا، إذ تفوه موهان: “اشتريتُ الحلويات للأولاد، يا أمي”.

“هل صرتَ شيخاً هرماً”؟

“لست إلا بشيخ هرم بالنسبة إليهم”!

أخذ موهان الحلوى، وقد كانت مينا ألقتها في فيها إثر ما أخذت، ولم يبق حلاها على اللسان بعدما تطرقت إلى المعدة، فطفقت تحملق إلى القطعة التي هي بيد موهان، فأعطاها موهان مينا، وقد بقيت هناك قطعة واحدة أخرى، نوّلتها بوطي لموهان، ناطقة: “حبذا، لوكنت اشتريت الكثير من الحلوى”؟

قال لها موهان: “تناوليها أنتِ يا أمي”.

“سيسرني أن أراكِ تتناولينها؛ فإن لذتها أشهى من حلاها”.

تناول موهان الحلوى، فخرج، وجعلت بوطي تمعن النظر إلى علبة التنبول. وكان  هذا اليوم أسعد الأيام بالنسبة إلى بوطي، هنيئا لها أنها حظيت اليوم في مملكة ابنها بما لم تحظه قط في مملكة زوجها؛ ثمة العديد من الخانات في علبة التنبول، بعضها للنَّورة، والبعض الآخر للبُنّ، وفي بعضها الفوفل، والتبغ؛ يابشرى! فيها ملعقتان صغيرتان أيضا لطلي البنّ والنورة على ورقة التنبول؛ لكي لاتدنس الأصابع؛ وأما الغطاء فهو مربوط بالحلقة، أينما شئت ذهبت بها معلقة بالأصابع؛ سوف يوضع التنبول على السكرّجة العلوية؛ ولكن لامكان فيها للمِقَصّ، ولا داعي لذلك. ثم نظفت بوطي العلبة، ووضعت فيها البُن، والنَّورة، وقرم الفوفل، ووضعت في السكرجة التنبول المبلل، ثم تناولت قطعة تنبول. بدا لها أن عرق التنبول لقد غيَّر قساوةَ تأرملها نعومةً، وسعادةً، وقلبها يبتهج بنعمة العطاء والسخاء. فكيف لها أن تترك الأعمال المنزلية، فإن قلبها رقيق وشفاف؛ تتجلى عليه آثار هذا الحظ السعيد. وكانت في بيتها مرآة قديمة، رأت فيها قسمات وجهها، فلم تجد حمرة التنبول على شفتيها، فمضغت التنبول مضغا جيدا لتحمر الشفتان؛ إذا بجوارها امرأة من قريتها، اسمها دهنيا، تخاطبها: “عمتي، امنحيني الحِبال، لقد تمزقت حِبالي”.

لقد كانت أعلنت بوطي يوم أمس أن حِبالها ليست من أملاك أهل القرية.

“إذا تمزقت حبالك؛ فلم لاتصلحينها بالفتل إصلاحلا”؟، منحتها بوطي حبلها اليوم بكل تواضع، وسألت مستأنسة: “هل برئ رضيعك من الإسهال، أم لا”؟

“كلا! لازال الإسهال مستمرا طوال النهار”.

“ربما تنبت له الأسنان، أو لربما هناك مشكلة أخرى، أم به عيون لامة”؟

“لا أدري عمتي، ولكن، من يصيبه بالعيون”؟

“إن الأطفال المدللين، تصيبهم العيون بسرعة؛  فإنهم يهرعون إلى كل من يريد أن يحتضنهم”.

“وما أدراكِ عمتي! كيف كان يضحك طرباً، قفزاً وركضاً!”

“أحياناً، تصيب الأطفالَ عيونُ الأمهات أيضاً”.

“ويل لكِ عمتي! هل تصيب الأمهات بعيونهن الأطفال”.

“لاتستطيعين أن تفهمي ذلك، هذه هي المشكلة، لا أحد يستهدف بالعيون، إنها تصيب الأطفال تلقائياً”.

أحضرت دهنيا الماءَ، ومشت معها بوطي لعيادة رضيعها”.

“أنت وحيدة هذه الأيام، إذن، ربما تواجهين المشكلة في أعمال المنزل”!؟

“لا ياعمتي، بل، روبا تختلف إلى بيتي كل يوم، فإنها تساعدني بجد، وإلا لكنت في المشكلة”!.

فوجئت بوطي مندهشةً؛ فإنها كانت تظن أن روبا كالفراشة المتدللة؛ تتنزه فيما بين الزهور والورود، متسكعة هنا وهناك؛ فلفظت باستعجاب وحيرة: “روبا!؟”.

“أجل ياعمتي، المسكينة، فتاة شريفة النفس، تكنس بيتي، وتغسل الأواني، وتعتني برضيعي، فمن يفعل كل ذلك في هذا الزمان”؟

“هل لديها فرصة سوى الاكتحال والمكياج”؟

“هذه هِواياتها يا عمتي! فإن المساعدات؛التي ساعدتني بها المكتحلات، وعاملات المكياج؛ لم تساعدني بها المتعبدات الزاهدات قط!، باتت الليلةَ البارحةَ ساهرةً من أجل طفلي الرضيع من دون مكافئة ونظير. نعم؛ إنني سوف أقدرها تقديرا، ولسوف أمتدحها ما دمت على قيد الحياة”.

“أنتِ لا تعلمين؛ من أين لها الفلوس لشراء التنبول؛ وما أدراكِ؛ من يشتري لها الساريات الملونة؟”

“مالي و لهذه الأشياء التي لاتتعلق بي!؟ ومن لا تستهويه الزينة، والمكياج؛ ثم هي لازالت في مقتبل عمرها”.

                وصلتا بيت دهنيا؛ إذا بالصحن روبا تحتضن الرضيعَ، وتنيمه بالتهدئة؛ فأخذت دهنيا المولود منها، وأرقدته على السرير، فوضعت بوطي يدها على رأس المولود، وفحصته في بطنه، وأمرتها بطلي الحلتيت المعجون فوق السرة، وكانت روبا تحرك عليه المروحة، فخاطبتها بوطي: “آتيني المروحة”.

“هل سأتصغر لو حركت أنا المروحة”.

“أنت تنعكفين على الأعمال طوال النهار، عساك متعبة”.

“يا لكِ من نبيلة أنتِ يا روبا!

“ولكن الناس يعيبونك بالوقاحة واللؤم؛ وأنك لاتخاطبين غيرك إلا بالسب والطعن.

“وعلى هذا، ما كنتُ أتشجع أن أزوركِ”.!

تبسمت بوطي ونطقت: “الناس لايكذون؛ فإنني أصدِّق ما أرى صادقا بصرامة وقوة”.

كانت روبا، اليوم أيضا، مكتحلة العيون؛ ترتدي الساري الملون؛  وقد تحمر شفتاها لتناول التنبول؛ ولكن بوطي أدركت اليوم أن الزهور ليست ملونة فحسب، بل إنما هي عطرة أيضا؛ فإن البغضاء التي كانت تكنها بوطي إزاء روبا قد انقشعت عن قلبها كانقشاع الغبار عن المرآة الصافية؛ يا لها من فتاة خجولة وخلوقة وعطوفة! ويا لها من عذوبة صوتها! فإن البنات اليوم لايبالين بالأطفال؛ فمن ذا الذي يسهر الليالي لغيره؛ سهرت روبا الليلةَ البارحةَ من أجل رضيع دهنيا؛ لعل موهان لقد أفصح لها عما جرى بيني وبينه؛ لو كانت هناك فتاة غيرها لصرفت عني البصر؛ يبدو أنها لاتدرك شيئا؛ أو لربما لم يقل لها موهان شيئا؛ بكل تأكيد لم يقل لها شيئا”!.

                بدت لها روبا اليوم رائعة و زاهية؛ صحيح، أنها تتزين بالزينة؛ إن لم تتزين الآن فمتى ستتزين؟ فإن هذا لها عمره، وإن هذه الهوايات أحيانا لاتعجب الإنسان؛ لأنها تفضي إلى الإهمال والترف، ولأنها تجعل صاحبتها لاتبالي بما يجري حولها؛ اندلع الحريق أو حدثت الحادثة؛ فهي منغمسة إلى مكياجها؛ مائلة ومميلة ومتمائلة؛ كأن زيناتها تنادي المارّة للاستمتاع بها”. ولكن زينة الكريمات أمثالهن ليست بسيئة، بل هي تسر الناظرين؛ ومن لايحب أن يعجب بديباجة وجهه، وقسمات محياه الآخرون؛ ومن لايستهويه أن يحتل مكانا في الأفئدة والصدور. لقد زال شباب بوطي منذ أمد طويل؛ ولكنها، رغم ذلك، تتمنى تلك المكانة والإعجاب؛ فتمشي مرحا؛ وأما روبا فهي لازالت شابة يافعة.

                طفقت روبا، منذ اللحظة، تزور بيت بوطي مرة أو مرتين كل يوم. وأصرَّت بوطي على موهان أن يشتري لها الساري من طراز جيد، ولو زارتها روبا من دون اكتحال، مرتديةً الساريَ الأبيضَ لنبهتها: “لاتحلو للزوجات والكنائن والفتيات هذه الملابس المتقشفة الرهبانية؛ فإنها لنا نحن العجائز”.

تلفظت روبا: “متى صرتِ أنتِ العجوز يا أماه!؟ لو سمحتِ الرجال لحلقوا عليكِ كالنحل والفراشات، متجمهرين على مصراعي بابكِ”.

ردت بوطي في يأس وملل: “لست إلا ضرة أمك”.

“لقد صارت أمي عجوزاً منذ زمان”.

“هل لازال جدك شابا”؟

“أجل يا أمي، إنه رشيق القد”!

ولما عاد موهان من السوق اليوم بعدما باع الحليب، قالت له أمه بوطي: “اكتنز بعض الفلوس عزيزي؛ فإنني خاطبةٌ روبا لأمها عن قريب لعقد قرانك بها”.

 

  

  

[1]                     العملة الهندية القديمة تساوي القرش.