Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/images.jpg

سمات الغزل في العصر الأموي و آفاقه

(الإباحي و العذري)

البروفيسور يسين أحمد شاه[1]           

تعود الأدب العربي في بناء القصيدة أن تبدأ بذكر الحب والحنين ولا يعرف أحد ذلك الفنان المجهول الذي خلق وأسس هذه العادة والعرف النبيل. وهذه القصائد التي تضم عشرات من الأشعار من المدح والهجاء والفخر، كانت مبدوءة بهذا الأسلوب المفترض السالف الذكر على السواء، وهذا يعني أن شاعراً كان يمر بالديار العتيقة فيذكر هناك أنه كان يزرو حبيبته في هذا المكان ويتمتع بوجودها ولقائها، فيكثر في البكاء ويلتمس من زملائه أن يشاركوه فيه ثم يشرع في الثناء على حبيبته ويذكر ما تحمله من الجمال والبهاء جسدا، من حيث لا يترك شيئا من جسمها إلّا ويحمده ويثنى عليه، تتكون بداية كل قصيدة – كما ذكرناه من قبل – بمثـل هذه الأشعار التي أصبحت بذرة أولى للغزل في الأدب العربي، رغم أنها لم تسم آنذاك غزلًا صراحة بل كانت تندرج صنفا تحت أصناف النسيب والتشبيب (Amatory prelude). مع ذلك أن هذه الأشعار تحمل في طيـها جميع العناصر التي تتحتم لنموذج من الشعر أن يدخل في صنف الغزل.

وعلى قدر العموم أنها ما كانت تتصل بعواطف الشاعر الودية مباشرة، وكذلك هذه العواطف الحبية المتولدة من خلال هذه الأشعار كانت تافهة وفارغة من الحقيقة والصواب.22

فنظرا إلى ما قاله ابن قتيبة أن هذه الأشعار البدائية في القصائد هي الشكل الأول للغزل في الأدب العربي، رغم أنه سماها نسيبا.

"وسمعت بعض أهل العلم يقول أن مقصد القصيدة ابتدأ فيها بذكر الديار و الدمن (آثار الناس) فشكا و بكى وذلك بالنسيب فشكا شدة الشوق و ألم الوجد والفراق وفرط الصبابة". 23

معاني الغزل وحدود الغزل العربي المحددة:

تناول العرب شخصية المرأة كروح الغزل وخياله البنائي، وأما الغزل فيستخدم في معاني عديدة باللغة العربية كالحب للمرأة أو الكلام عنها،و الف النساء والتخلق بما يوافقهن"24. وقال أبو الهلال العسكري معترفا بأن البدائيات والعناصر للغزل هي الحب والعشق و لواذع الهوى، واستطرد قائلا:

وينبغي أن يكون التشبيب دالا على شدة الصبابة وافراط الوجد والتهالك في الصبوة و يكون بريّا من دلائل الخشونة والجلادة، وأمارات الإباء والعزّة  ". 25

ازداد الغزل الأردي في العصر الحديث عمقا و سعة إلى حد كبير، فتبدل التعريف الكلاسيكي القديم للغزل وهو "الكلام عن النساء والعشق معهن" من حيث أن الشاعر اليوم يستطيع أن يأتي في الغزل بكل ما يريد من المعاني والأحاسيس، بل الشاعر الأردي يُدخل في غزله في الأيام الراهنة تجاربه الذاتية و أهوائه وعقائده وعواطفه حتى يضم فيه أفكار الحكمة والفلسفة مع كل من الحب واللقاء والوداع بالنسبة إلى حبيبته كما أصبح الشعر الآتى لــــ "ساحر لدهيانوي" تعريفا صحيحا للغزل اليوم.

دنیا نے تجربات و حوادث کی شکل میں

جو کچھ دیا ہے مجھے لوٹا رہا ہو ں میں

الترجمة :"أدفع كل ما جادتنــي به الدنيا من الحوادث والتجارب"

ولكن الشعر المذكور آنفا لا ينطبق على الغزل العربي تماما لأن العرب استخدموا الغزل كما استخدم اسلافهم النسيب والتشبيب في العصر الجاهلي، ولذا أن الشاعر العربي لا يذكر في غزله الا ما ورد عليه من أحوال الحب والحنين والحرق والشجن.

يقول الناقد المعاصر محمّد سامي الدهان:

إن الغزل العربي له موضوع ومعنى خاص به حتى اليوم و هو "رضاء المرأة " الغزل ألصق الفنون الأدبية بحياة الرجل و المرأة لأن المرأة نصف الرجل وتمام عيشه وحياته وهي مبعث الرضاء والغضب لأنها مظهر الجمال الحي في دنياه ... منذ دبت الحياة البشرية على الأرض سعى الرجل إلى رضاء المرأة في أساليب شتى،الأصوات والآلات والأقوال، والرجل في هذا كله فنّان يسعى إلى قلب المرأة، فهو بذلك (بالفن) يتحدث عنها ويتحدث إليها وحديثه هو الغزل".26

هكذا يثبت أن الغزل حسب أسلوب العرب هو التخطيط الفني للكلمات المستعملة فيه، وبذلك يسترضى الشاعر حبيبته وشريك حياته،و دار كل من النسيب والتشبيب والغزل حول المرأة في كل عصر و مصر. وأحلت المرأة مكانة الروح في الغزل و شأنه وبُحْبُوْحَتَه دائما، ويرى عند إمعان النظر في أن عمر بن أبي ربيعة و امرؤ القيس وجميل بثينة و حتى قيس و ما إلى ذلك من الشعراء لم تملك قلوبـهم الا هذه المرأة و ما زالت ولا تزال مصدرا ومنبعا لما قرضوه من الشعر و الحكمة27. واتفق بالاجماع معاجم اللغة العربية على معنى الغزل والتعريف به،و هو الكلام عن النساء والثناء على حسنهن وجمالهن والحب والتمتع بهن. 28

وهنا يبرز خيال و سوال عن العواطف الحبية للمرأة لأن لها حقا سواء على الحب والهوى والتحميد بالنسبة للرجل على ما يتجمل به من الجمال والمروءة والشجاعة؟ وبمعنى آخر هل لها حق على بيان الغزل وقرضه؟ فلا شك في ذلك ولا مِرْيَةَ أن لها حقا فيه سواء مثلما يستحقه الرجل. فنظرا إلى ذلك أن الغزل هو اسم آخر للتعبير عما يدور في قلوب الرجال والنساء معا من العواطف الحبية.

ومع ذلك أنّ الأدب العربي لا يسع إلاّ عددا قليلاً من النساء اللاتي قرضن الغزل وتقدّمن في هذا المجال، وهذا لأن الحياء والعفاف يحولان بينهن وبين غزلهن. "ويظهر أن قلة الغزل الصادر عن المرأة في الشعر العربي راجعة إلى خجلها قديما فكتمت حبـها في نفسها حتى مات معها"29. وعلى هذا فإن الشعر الغزل لا يحتوي إلّا على الحب والهوى و ذكر المرأة وحسنها، بناءً على هذه الخلفية الواقعية يثبت أن الغزل العربي هو أقرب إلى الشعر الإنكليزي وهو الشعر الوديّ/  الشعر الحبـي (love lyric/ lyrical poetry) من الغزل الجديد باللغة الأردية.

وعندما نلقي نظرة عابرة على ما قدمه الشعراء العرب من الشعر الغزل في العصر الجديد ومنهم جميل صدقي الزهاوي و بشار الخوري و أبو القاسم الشابي، ومحمود حسن إسماعيل و الياس أبو شبكة وما إلى ذلك، فيمكن لنا القول بأن المرأة حتى اليوم لم تتخلص ولم تنفصل من أكناف الغزل العربي، بل هي تملكه قلباً وقالبا على مر العصور و الدهور، وتشكو ذلك الأديبة العربية المعاصرة إلى شعراء الغزل العربي بالكلمات التالية:

"فإن الغزل لا يعنينا نحن معشر النساء ما دام لا يقرر حقا و لا يدفع باطلاً. لقد شبعنا غزلاً يتغنى بنجل العيون ولـمى الشفاه،و برد الرضاب و ليل الشعور و ضمور الخصور وشموخ الصدور و لا أنكر أنه يطرب حواء ولكنه بعد التطريب والتحبيب لا يكسبـها حقا، ولا يرتفع بها عن الدمي إلى مقام الرجل الشرقي بما وقر له في نفوس قومنا من احترام وما له من هيل وهيلمان".30

نوعا الغزل الكبيران :

و للغزل نوعان كالحب،الأول أفلاطونيٌّ و الثاني ماديٌّ، وتسمى العقيدة الافلاطونية للحب "الحب العذري" أو "الحب العفيف" أو الحب الأفلاطوني والنوع المادي للحب يشتهر "بالحب المفحش أو "الحب المحقق". عندما يزاول الشاعر العقيدة العذرية فيستطرق طريقة "افلاطونوية" إلى بيان الغزل (Platonic). وإن كان يعتقد إعتقاد الحب المادى والجسدي فيظهر في كلامه الشعري المفحش والجرأة والجانب المادي.

قسم النقاد المعاصرون بالإجماع الغزل إلى هذين القسمين فحسب. ومنهم طه حسين و شوقي ضيف. أعنى "القسم العذري" (platonic love poetry) والقسم المفحش (obscene love poetry).

 "الأول غزل العذريين الذين كانوا يتغنون في شعرهم هذا الحب" الأفلاطوني العفيف .... والثاني غزل الإباحيين الذين أسميهم(المحققين) وهم الذين كانوا يتغنون الحب ولذاته العملية" 31

قدم محمّد سامي الدهان بحثا قيما في هذا الخصوص وفحوى قوله:

"أن الغزل العربي كان حواه حب الشاعر وأمنياته، فكان يمنع" الحياء والصبر بعضا من الشعراء في بيان حبـهم إلى المرأة هكذا يتضح في كلامهم الشعري الغموض والرعاية الحسنة فسمى كلامهم الحبي هذا بالغزل العذرى و الأفلاطوني. ومن الجانب الآخر كان بعض من الشعراء يصارحون في الحب مع  النساء ويجرؤون على بيان جمال أجسامهن وأعضائهن الجسدية، و كلام هؤلاء العشاق اشتتهر بين الأدباء والنقاد بالشعر المفحش أو الغزل المادي، وفي الواقع أن الغزل العملي هذا كان يبني على قصة من الحب".32

وحسبما قال الأديب الناقد خورشيد فارق أن هاذين النوعين للغزل العربي يتفرقان إلى غزل العشاق الصادقين (love poetry of true lovers) وإلى غزل الهوى لأصحاب الطباع الجميلة (love poetry compared by armatures).33

أخذا في الاعتبار ما ورد فيما سبق يتحتم أن العقيدة الودية للشاعر تجعل الغزل في الواقع العذري أو العفيف و المفحش أو المادي.

إن كان الشاعر يظن الشوق والإلتهاب والظمأ روحا لحبه فهذا يعني أن غزله يعبر قمة مجد الحب والمحبة، وإن كان يصر على وصال الحبيب والتمتع به فهذا يدل على صبغة حبه بعمق اللون القذر الملون. وهكذا يتجلى فرق واضح بين معاني هذين النوعين من الغزل.

الغزل في العصر الجاهلي:

إن القصائد السبعة التي تسمى بالمعلقات السبع، هي في الواقع نماذج جميلة وبصمات عظيمة للشعر العربي القديم، وسميت أيضا بالعمل المجدي لمنتجيها والنموذج الذهبـي لمن قام بها، واتفق النقاد بالإجماع على امرئ القيس و زهير بن أبي سلمى و النابغة الذبياني والأعشى و لبيدبن ربيعة و عمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد، هم أصحاب المعلقات السبع، كما قال ابن الرشيق تعريفا بالمعلقات اسمًا و قدرا:

"وكانت المعلقات تسمى المذهبات وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر    فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة فلذلك يقال مذهبة فلان إذا كان أجود شعره".35

1. العواطف والغزل الجاهلي:

العاطفة والحب جزءان لا يتجزءان بينهما، و أمّا الحب والمودة فهي صورة عاطفية عميقة وهكذا يتعلق الغزل بعواطف الشاعر الشديدة مباشرة ولكن قيل على سبيل العموم، لما نشأ من الغزل في العصر الجاهلي أن شعراءه لم ينتجوه تحت ضغط عواطفهم الشديدة بل أنشئوه لبقاء العرف الأدبي الحسن الذي لا يجحد طوال الزمن، كما أشار إليه عزيز الفهمي فقال:

 "الغزل وليد العاطفة ولكن الغزل الجاهلي كان مقدمة لفنون أخرى، للمدح،للهجاء، للفخر36، إن الغزل الجاهلي هو مقدمة في الحقيقة للعناوين الأخرى.

يحزم ابن قتيبة على أن غزل الشعر الجاهلي لا يتصف بعواطف الشاعر الحقيقية أصلا، ولا يقرض الشاعر هذه الأشعار إلّا لإلتفات السامعين ويجعلهم يستمعون إلى كلامهم الواقعي فيستخدمون له عنوان الحب والحنين الرشيق.37

يوافق ابن رشيق على هذا الرأى أن الأشعار الغزلية للقصيدة جزء لا ينفك منها، ولكن لا يتحتم أن يكون لسان حال لما طرأ عليه من العواطف والأحاسيس، وبداية القصيدة بذكر الديار الحبية فله مكانة مرموقة في العرف الأدبي الحسن من حكم النسيب الذي يفتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجا بما بعده من مدح أو ذم"38.

و لكن النقاد المعاصرين ومنهم طه حسين وعز الدين اسماعيل و فيصل شكري يخالفون ما قطعه ابن رشيق من الرأى ومن وافقوه من القدماء مخالفة صريحة لما لاحظوه من أثر شدة العواطف في الغزل الجاهلي، أن هذه الأشعار لا تحتل في القصيدة إلّا مكانة العرف الفني والتقديم الاعتيادي، نتيجة لما سبق، يدل هذا الكلام على عواطف الشاعر الحقيقية طبعا لأنهم يعتقدون أن الشعراء الجاهليين لم يدونوا هذه الأشعار من النسيب والتشبيب إلّا تعبيرا عما يدور بباطنهم من العواطف الحقيقية بالنسبة إلى الحب والحبيبة وهي في الواقع رد فعل من قبل الشاعر عن الجمال،39 و ازداد كلام شكر فيصل في هذا الجمال عاطفة أكثر فبدأ يقول:

"إن  هذه العاطفة التي نلمحها في هذا القسم من الشعر الغزلى لم تكن عاطفة عريضة فقط ولا إنسانية فحسب، ولكنـها كانت إلى جانب ذلك عاطفة صحيحة سلمية وعاطفة قوية".40

ومع ذلك، فلا ضير في أن نضع رأى القدماء في الاعتبار أن الشعراء الجاهليين زاد كلامهم تأثيرا من حيث أن هذه الأشعار تمس عواطف القارئ مباشرة.

ومع ذلك أن ابن قتيبة وغيره من النقاد يقطعون الرأي في خصوص هذه الأشعار أنها كانت تقرض في بداية الأمر لجلب التفات السامعين وقرائها، و أنهم يظنون أن الشاعر لا ينجح في أخذ ميلان القراء إليـهم إلّا بعد إظهار شدة العواطف والإنطباعات ولذا أنه يتعرض أولاً العناوين لمؤثرة للحب واللقاء والوداع والالتهاب وجمال النساء، "شكا شدة الشوق و ألم الوجد والفراق وفرط الصبابة ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه ويستدعي به اصغاع الأسماع إليه لأن النسيب قريب من النفوس"41. و ميزة الغزل الجاهلي الأخرى تؤيد ما قاله القدماء مزيدا من التائيد فلننظر:

2- التطابق بين الأحداث والشخصيات في القصائد الجاهلية.

إنما يصدق ما قاله القدماء في مجال الغزل الجاهلي أنه عرف من الأعراف وعادة من العادات، أكثر من العواطف الحبية حينما نجد في القصائد الجاهلية كلها تطابقا غريبا و توافقا عميقا و لونا واحدا بين أشعار النسيب والتشبيب، فلنتفكر في أشعار هؤلاء الشعراء الأربعة.

أ. امرؤ القيس:

فقا نبك من ذكرى حبيب و منـزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالصراط لم يعف رسمها

لمــــا نسجتـــــــها من جــــــــــــــنوب وشـــــــــــمأل 42

ب. طرفة بن العبد:

   لحولـــــــــة أطلال ببرقـــــــــــــــــــــة تهـــــــــمـــــــــــد

تلوح كبافي الوشم في ظاهر اليد

وقــــــــــوفـــا بها صحبي على مطبهم

يقـــــــــولون لا تهلك أمسى وتجــله

ج. زهير بن أبي سلمى:

أمن أم أوفى دمنة لم تكلـم

بحومانة الــــــــــــــدراج فالمتثلــَّم

وأدار لها بالرقمتين كأنــــــهــــــــا

مراجيع وشم في نواشرمعهم

د. لبيد بن ربيعة:

    عفـــــــــــت الديـــــــــــــار محلها فما مهــــــــا

    بمنى تأبــــــــــــــــــد غولــــــــها فرجا مـــــــــــها

    فـــــــــمدافع الريــــــان غرى رسمــــــــــها

          خلقا كما ضمن الوحى سلامها 43

ويثبت بعد إمعان النظر في هذه النماذج الأربعة، أن الشعراء الأربعة صوروا بيئة تغلب فيـها عناصر الوحدة، والأطلال والشدة الصحراوية، اللهم إلّا أنّه يصعب تقينا أن الشعراء الأربعة أو كلهم من الشعراء الجاهلين لعلما واجهوا نفس النتيجة في الحب والمودة، ثم ذهبوا إلى مكان واحد من الأطلال للبكاء عليه وبيان الألم والقلق والإضطراب الذي  لاقوه، فلذا هذا أقرب قياسا وظنا أن أشعار النسيب والتشبيب في العصر الجاهلي لم تر نوراً إلّا اتباعا للأعراف الأدبية وحفاظا عليـها، ولكن الشاعر تحت ضغط الاضطرار الفني يزين هذه الأشعار من الجاذبية والتأثيـر بما أن القارئ يظنـها به أحوال الحب والمحبة الواقعية للشاعر الذي أنشأها.

تمشيا مع هذا الإضطرار الفني حسبما أظن أن الشعراء من الصحابة الكرام أقبلوا على ذكر الحب والحبيبة في بداية القصائد التي كان قصد قرضها أحيانا المدح والثناء على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم 44. ونرى في أشعار هؤلاء الشعراء الإسلاميين بيان الوحدة و ذكر الأطلال والخراب مع ذكر الحب والحبيبة حسب العرف الجاهلي نفسه، فلذا هذه الأشعار للنسيب والتشبيب تتعلق بالحفاظ على العرف الفني أكثر من الحب الحقيقي للشاعر. كما قال عزيز فهمي :

"وكان المذهب في الإستهلال والإنتقال كان له شيئ من القداسة وشيئ من الحرمة لا يجوز أن يتخطاهما شاعر، فقد عرف الشعر ابن خلدون فقال "هو الكلام الموزون المقفى ... الجاري على أساليب مخصوصة". 45

الكلمات المنتخبة واللغة المناسبة الشعرية:

من ميزات كلام الشعراء الجاهليين البارزة اللغة الصحراوية التي تحمل الكلمات المنتخبة والتراكيب المتينة، فنظرا إلى هذه اللغة الجاذجية سماهم ايج، أي، آر غب (H. A. R. Gibb) باسم "القادرين على اللغة السلسلة". 46

إن الغزل العربي القديم مثمرة وجميلة جدا بالنسبة إلى الكلمات والتعبيرات وهذا ليس من عجب العجائب لأن العربي الجاهلي كان يشتبك مع حياته الصحراوية وبيئته اشتباكا لم يتيسر به له التصادم واللقاء مع ما كان موجودا في دنياه الخارجية من الثقافة الإجتماعية والالتجاهات اللسانية، فلذا لم يتعرض لسانه لتأثير اللغات والثقافات الأخرى ولم يكن مهددًا لهذا الخطر.

ومن رغم هذه اللغة الخالصة انتخب الشاعر الكلمات الجيدة منها لقرض الأشعار أي أنه لم يتناول من الذهب الخالص إلّا قطعات من التبر، وهكذا تملأ لغته الشعرية بالعظمة اللفظية والأسلوب المتين، ومن أجل ذلك لعلما عدّ "عرفان شاهد" الشعر الجاهلي فاقد المثال من نوعه في أدب اللغات السامية كلها. كما قال:

A highly artistic poetry, unique in the literary history of the Semites” 47

لاحظ ما يلي من لغة الشعر وبداعته كيف ابتدع الشاعر في اختيار الكلمات المناسبة والسلسة لتشبيه دموع حبيبته بالأسهام الواردة في القلب:

     و ما ذرفـــــــــت عينــــــاك إلّا لتضربي

          بسهميك في أعشار قلب مقتل 48

وصور الشاعر في الأشعار التالية تلعب حبيبته وصديقاتها بقطعات لحمه المقدم إليهن من قبله فدعمت براعة اللغة ضعف الموضوع المصور له.

ويوم عفرتُ للعذاري مطيّتي

فيا عجبًا من كورها المتحمل

فظلي العذاري يرتمين بلحمها

      وشهم كهداب الدمقس المفتل 49

فانظر ما ورد في شعر زهير بن أبي سلمى من الأسلوب والكلمات يترشح من ذلك بديهة أن كلماته تساعد بعضها بعضا.

فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقَــــاً جِـمَـــــــــــامُهُ

 وَضَـعْنَ عِـصِيَّ الـحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ
 
ظَهَرْنَ مِنَ السُّوبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَـهُ

    عَلَى كُلِّ قَـيْنِيٍّ قَـشِـــــــــــيبٍ وَمُـفْــــــــــأَمِ50

وإن كلمات عمر بن كلثوم الشعرية والتعبيرات اللغوية هي أيضا متينة ومحكمة وقوية البنية، ومن براعته أن الكلمة الواحدة لا تدل على حدة الكلام ولا تشعرنا بأنها زائدة، وذكر فيها الشاعر ميزات كأس الخمر الذي قدمته حبيبته ويبين أحوال جسدها السمين:

مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا

         إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا

         ذِرَاعِـي عَيــــــــــْطـــَلٍ أَدَمَـــــــــــاءَ بِكْـرٍ

         هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأ جَنِيْنَـا51    

بيان الأهواء والعواطف صراحةً:

ومما تميز به الغزل الجاهلي وأصبح بصمة له، هو صراحة الشاعر في بيان أهوائه الودية ولا يشير إليها  بالرمز والإبهام ويشعرنا بداهة بأنه يعتقد في التمتع بالنساء ويصرح في بيان ما تلذذ به من النساء، ولا يحاول في ذكر ما فعله من هذه القبائح بالأسلوب الجاد والطريقة الحسنة، وفي الواقع أن اهتمامه المادى بالمرأة وتلذذه بجسمها جعل غزله "الغزل المفحش" وقد أصبح الشاعر الجاهلي من أصحاب البراعة والمهارة في تصوير الجمال الجسدي للمرأة لإهتمامه المادي هذا بها، وما زال عنوان الغزل الجاهلي جسد المرأة عامةً، كما اعترف شكري فيصل وجعله أمراً هاما بأن الشاعر الجاهلي كان يشتهي الحب المادي والتلذذ الجنسي بالنسبة إلى المرأة ولذا أنّه يذكر شهوته الجنسية صراحة لأعضاءها الحساسة و منها، الثدى والفخذ والخدالرفيع والأسنان اللامعة. ولكنه رغم بيانه هذه الأعضاء البدنية لا يقدر على تصوير ما ينبعث منها من الحس والإرتعاش و الاهتزاز نتيجة لما سبق أن الشعراء الجاهليين وقعوا في حب الحسن الظاهري للمرأة فقط بدلا من حسنها الروحي وخلقها الحسن.

"يصف "الشاعر الجاهلي" الجيد والقد والشَّعر والفم والكشح والأرداف وغيرها، وصفوا لنا السوق و الأثداء في تعبير صريح جريء .... فهؤلاء الشعراء لم يحاولوا أن يعبروا عن شيئ من هذا الحسن تعبيرا مقتصدا فيه بعض الإستحياء أو بعض الرمز ... ولكن ما هو تأثير هذه الصورة الجميلة في نفوسنا ذلك ما تجاوزه أكثر الشعراء الجاهليين. الحديث عن الجمال الخلقي نفتقدها فلا نجدها عند كثيرين من هؤلاء الجاهليين".53

و هذه هي الحقيقة أن الشعراء الجاهليين لم يذكروا تمتعهم بالمرأة بطريقة جريئة فحسب بل حسب مقاييسنا الثقافية و الحضارية  وقعوا فيه بالأسلوب المفحش المبين. وإليكم نموذجا ما قاله إمرؤ القيس من الغزل الصريح العاريِّ.

ويَـوْمَ دَخَـلْـتُ الـخِـدْرَ خِـدْرَ عُـنَـيْـزَةٍ
فَـقَالَـتْ:لَكَ الـوَيْـلاَتُ!،إنَّـكَ مُـرْجِـلِـي

تَـقُـولُ وقَـدْ مَـالَ الـغَـبِـيْـطُ بِـنَـا مَعاً:
عَقَـرْتَ بَعِـيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْـزِلِ

فَـمِـثْـلِـكِ حُـبْـلَـى قَـدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ

فَـأَلْـهَـيْـتُـهَـا عَـنْ ذِي تَـمَـائِـمَ مُـحْــوِلِ

    إِذَا مَـا بَـكَـى مِنْ خَلْـفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
      بِـشَـقٍّ،وتَـحْـتِـي شِـقُّـهَـا لَــمْ يُـحَـــوَّلِ54

وبنفس الأسلوب البحرىء قام عمرو بن كلثوم بذكر أعضاء حبيبته الحساسة رغم إعترافه بأن هذه الأعضاء لا يصح رؤيتها إلّا في الوحدة ومكان الأمن وبعيدا عن الأنظار.

تُرِيْكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى خَـلاَءٍ

          وَقَدْ أَمِنْتَ عُيُوْنَ الكَاشِحِيْنَـا

           ذِرَاعِـي عَيْطَـــــــــــــــــــــــــلٍ أَدَمَـاءَ بِكْـرٍ

           هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْــــرَأ جَنِيْنَـا

وثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخِصـاً

    حَصَـاناً مِنْ أُكُفِّ اللاَمِسِيْنَـا 55

إن الجرأة الفاحشة والصراحة في ذكر جسد المرأة ومع ذلك شهوة الشعراء الجاهليين البينة، يخرج ذلك كله الغزل الجاهلي من حيز الخلق الحسن، وبذلك يتهم هذا الشعر بالإتهامات، ولكننا أحيانا ننسى بعد تركيزنا على هذا الإتهام المحايد أن هذا الشعر الغزلي قد صنعه وأسسه الجاهلي أي الذي يتعلق بالعصر الجاهلي  وربما نعقده بالأصول الخلقية الإسلامية بعد أن نتهم هذا الإنسان الجاهلي بالإتهامات الخلقية القبيحة.

ومع ذلك، لا يمكن لنا أن نصرف عيوننا عما كان يتصف به العصر الجاهلي من الظروف الإجتماعية والأصول الخلقية والعرف الأدبي الخاص به. ويقول عزيز الفهمي يجب أولاً أن تحلل فطعة أدبية فنًا من حيث الحسن والقبيح، ثم ثانياً تقاس في ضوء الأصول الخلقية وفي هذا الخصوص أنه أثنى على ما قاله قدامة بن جعفر من آرائه في نفس المجال.

"الفن فن وليس الفن للأخلاق ... قد يكون في بشر جمال، أفليست بين العاهرات جميلة وليست فحاشة المعنى في ذاته مما يزيل جودة الشعر فيه، فالأخلاق عندنا ليست الأخلاق عند أسلافنا ولا عند حفدتنا ..... والأخلاق عندنا (نحن المصريين) ليست الأخلاق عند الإنجليز ... البحث الأدبي شيئ، والأخلاق شئ آخر، الفن شيئ والأخلاق شيئ آخر كما أن الموسيقى شيئ والمنطق شيئ آخر". 56

الصبغة البدوية في الفكر والأسلوب

تفتقد في الغزل العربي الجاهلي الإستعارات اللينة والرقيقة للحسن والجمال، والتشبيهات الجميلة الجاذبة التي تستخدم عامة لذكر تدلل المرأة ولا نجد في هذا الغزل الذي تطور في الحياة الصحراوية ما نجده في الغزل الجديد المعاصر من التشبيهات والإستعارات على العموم، ومنها ورق الوردة للشفاه الجميلة، وحرارة الشمس في صبح الخريف للبسمة الرقيقة المنبعثة من تحت الشفة، وحسن الندى المقطرة على الخضراء للكلام اللّين، وكأس المهيج للعيون المطربة الكحيلة. وتتجلى من حكاية هذا الغزل الجاهلي والتشبيهات الواردة فيه، صبغة شاملة للسذاجة وحياتها الصحراوية، ويبتعد هذا الشعر من التكلف والتصنع تماما، وهو ملبوس بالسذاجة والجمال الطبيعي، ولأجل ذلك أن هذه المآثر الشعرية تسمى بالشعر الإلهامي. 57

والسبب الرئيسي لسذاجة الفكر والأسلوب أن الشعراء الصحراوية لم يتصلوا أصلاً بلطافة الثقافة والحضارة المدينة، وذكر جمال المرأة بالكلمات الرقيقة اللّينة و هو ذلك الشئ الذى بدأ بادئ ذي بدء في العصر الأموي. 58 والعصر الأموي هو العصر الذي اصطدم فيه العرب مع الثقافات الأخرى والحضارات المتقدمة من ايران ومصر وبابل ويونان.

وأما الغزل الجاهلي الصحراوي فيذكر فيه الشاعر الحب والحبيبة باسلوب طبيعي كما يذكر الجمل والحصان، والطيور والوحوش فلا يمزج فيه تصورا لينًا ولا استعارة غير مرئية.

It is a poetry which makes its main business to depict life and nature as they are, with little addition of phantasy. 59

وفحوى القول أن الشعراء الجاهليين يركزوا عناياتهم البالغة على جسم المرأة اللطيف وذراعها المتين وكعبها المحكمة وصدرها القوي وكتفها السمين فحسب بدلا من التفاته إلى خلقها الحسن وعظمة الحب معها، واختار الشاعر الأسلوب الطبيعي البالغ لبيان هذه الأجزاء البدنية لها، ويصرح في البيان سذاجته النهائية بل بداوته الفطرية حينما يشبه شجاعة حبيبته وجسمها المحكم وعزيمتها بشجاعة وعزيمة جمله وفرسه وعند ما يقيس ذراعها الجميل القوي بعمود المرمر، ويزن صدرها الكروي الحاد العاج ويشبه أصابعها الرقيقة الطويلة بالسواك...................

...................للمقالة صلة

المراجع و المصادر

1-      الأدب العربي بين عرض و نقد                        للشيخ محمد الرابع الحسني الندوي

2-      طبقات الشعر و الشعراء                                 لابن قتيبة

3-      كتاب العمدة                                                      لابن الرشيق

4-      في الأدب الجاهلي                                               لطه حسين

5-      فصول في الشعر و نقده                                   شوقي ضيف

6-      كتاب الصناعتين                                               أبو هلال العسكري

7-      خصائص الشعر الحديث                                                نعمات فواد

 المنجد                                                                          لوئيس مالوف



 المسجل بالجامعة العنقودية سرينجر كشمير[1]

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو