السير سيد أحمد خان

مساهمته العلمية و الإصلاحية بالقارة الهندية

(1817 – 1898م)

الدكتورمعراج الدين الندوي[1]

الـــــمــــــــدخــــــل:

فإن أرض الهند الخصبة منذ أن طلع فجر الإسلام في ربوعها بتعـاليمه المثالية الغالية، وتوجيهاته الإنسانية السامية أنجبت كثيرا من العلماء الربانيين في كل فرع من فروع العلم والمعرفة حتى تجاوز عددهم مئات الآلاف فلا تري منطقة من مناطقها إلا وفيها جم غفير منهم، لقد كانوا ولايزالون يقومون بالدعوة الإسلامية الصحيحة والخدمات الدينية الهامة بحماستهم الإيمانية وعواطفهم الجياشة ، ولكننا نجد من بين هذه الصفوة المختارة من العلماء شخصية فريدة لا نكاد نجد مثيلها علي مر العصور والقرون المتطاولة في الهند وهي شخصية الإصلاحي الهندي الكبيـر السير سيدأحمد خان – رحمه الله تعالي – وقد كان من عباقر القرن العشرين و هذه هي حقيقة لا يختلف فيها اثنان ، أن شخصية سير سيد أحمد خان رحمه الله ، كانت شخصية علميةربانية.

حياة السر سيدأحمد و ميلاده:

هو العلامة السيد أحمد خان بن محمد متقي خان من أسرة أرستقراطية نبيلة ولد في مدينة دلهي بالهند في17اكتوبر سنة 1817م وبدأ تعليمه بتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم درس اللغتين الفارسية والعربية، وتعلم الرياضيات ثم تزوج وهو في الثامنة عشرة من عمره ، و توفي والده وهو في التاسعة عشرة من عمره[2] وترعرع في أسرة شريفة الأصل . و فعلا كان العلامة صاحب مدرسة علمية أدبية فكرية رائدة في الهند لايزال صداها تعلو في ربوعها وفي باكستان وفي سائر بلاد العالم. 

 أنه كان يرى العلم و تهذيب النفوس والأخلاق  أداة مهمة لحركة الإصلاح الاجتماعي والثقافي في الهند، فآمن بأنهما طريق التحرر والاستقلال، وأخذ على عاتقه النهوض بالمسلمين عبر هذا الباب، وقام بإقامة معهد تعليمي عال لتدريس العلوم الحديثة يتطور مع الأيام إلى جامعة ذات صيت في العالم كله تعيد مجد الحضارة الإسلامية إلى الأذهان، وتخرج أمثال علماء المسلمين الأفذاذ. ونجحت في خلق جيل من المسلمين جديد مثقف ثقافة واسعة مع سعة في العقل وسماحة في الدين؛ وانتشر خريجوها في أقطار الهند يحملون رسالة جامعتهم ويضيئون ما حولهم، وأصبحت كلمة "عليكره" لا تدل فقط على جامعة، وإنما تدل أيضا على نوع من العقلية الراقية، والصبغة الخلقية والاجتماعية الخاصة.

يقول فيه الأستاذ أحمدأمين:

"لقد نظر فرأى أن بالهند نحو سبعين مليونا من المسلمين فشا فيهم الفقر  ةالجهل والبؤس والقلق،من تعلم منهم فتعلمٌ ديني عقيم،لا يفتح نظرا ولا يبعث حياة. وهم خاضعون لرجال دين لا يفهمون من الدين إلا رسمه،يريدون أن يخضعوا المدنية الواسعةلعقليتهم الضيقة،ولا يعترفون بتغير زمان وتلون حياة،وتقدم علم،يعيشون في ركود والعالم حولهم مائج، يرون أن المدنية الحديثة بعملها ونظمها و وسائلها ومقاصدهامدنية كفر لا يصلح للمسلم أن يستمد منها ولا أن يتعاون مع أهلها،وإنهم إذا فتحواصدورهم لها أحاطت عقائدهم وأجرجتهم من دينهم"[3] .

السر سيد أحمد خان وهو في ذلك أشبه بـالإمام محمد عبده، فالإصلاح عنده إصلاح بالتثقيف والتهذيب، والاستعانة بالسلطة في تحقيق هذا الغرض، والتعاون معها لإنجاز ما يُطمح إليه، وعدم التعجل في الاصطدام بها..

 يقول في مكانته الفائقة الأستاذأحمد أمين بكل صراحة ليست فوقها صراحة:

"هو في الهند أشبه شيئ بالشيخ محمد عبده في مصر بعد مفارقته للسيد جمال الدين وعودته من نفيه.الإصلاح عندهما إصلاح العقلية بالتثقيف والتهذيب،والنظر إلى الدين نظرة سماحة ويسر،والاستقلال يأتي بعد ذلك تبعاً ،فلا استقلال لجاهل ولا مخرِّف، إنما عماد الاستقلال العلم، العلم بالدنيا وبالدين، العلم بكل شيئ أتت به المدنية الحديثة،من طبيعة و كيمياء،ورياضة و فلك،و نفس و إجتماع،ونظام الحكم والإدارة،ذلك كله إلى دين يحي القلب ولا يقيد العقل،ويغذي النفس ولا يُشِلُّ التفكير،والإسلام إذا فهم على أصوله كفيل بذلك ،فليس فيه ما يمنع الإنسان أن يصل في العلوم و نظم الدنيا إلى غايتها، بل فيه ما يبعث على ذلك ويشجعه،وفيه ما يحي القلب ويوجه الإنسان في حياته وفي علمه و في تفكيره إلى الخير.ثم كلاهما كان يرى أن السلطان في مصر وفي الهند في يد الإنجليز،ولهم من القوة المادية من الأسلحة والذخائر في البر والبحر ،ومن القوة العلمية والسياسية ما لا تستطيع النهد ومصر مقاومته[4].    

يعد السرسيد أحمد خان من أهم المصلحین فی العصر الحدیث وكل ما فعله أنه دخل الی عالم مابعد النص الاصلاح الحدیث من أبوابه المعارفیۃ بشكل فاعل ومنتج حتی أن كل الذین جاؤوا بعده من الباحثین الذین اشتغلوا علی ھذا النوع من الإصلاح لم یستطیعوا تجاوزمنجزه فی ھذا المجال،بل جعلوا طريق إصلاحه فكرة رئیسیۃ للدخول الی المنهج الإصلاحي الحدیث.

ولما كانت مساھمۃ السرسيد أحمد خان ذات منحی ریادی فی بعض وجوھھا،فانھا أثارت الشھیۃ المعارفیۃ لدی جیل تال من المصلحين المسلمين فی العالم الإسلامي عامة و الهند خاصة لأن یمعنوا النظر فی دراسۃ المنجز الاصلاحی  وفق منظورات قرائیۃ مختلفۃ أخذت تتواتر فی الظھور خلال النصف الثانی من القرن الذي عاش فيه،وظلت متواصلۃ فیما بعده علی ھیأۃ بحوث و دراسات مستقلۃ،أو علی ھیأۃ فصول فی كتب تناولت الفكر الإسلامی الحدیث، أوعلی ھیأۃ كتب مستقلۃ قائمۃ برأسھا.

و من المعلوم على وجه البصيرة و اليقين أنه مما يجرى مجرى المعتاد والمشاهد في شتى بقاع الدنيا ، أن العلماء يكتبون مقالات في اتصال و دوام ما لا يقع تحت حصر ، هذه المقالات في شتى أنواع العلوم و المعرفة التي لا تنتهى ولن تنتهي أبدا بل تقبل الزيادة أبدا، في تراثنا الدينى والعلمى والأدبى وكل ما يجرى هذا المجرى ، ولكن إذا ذكرنا السير سيد أحمد خان رحمه الله فقد ذكرناه مفكرا و داعية إسلاميًا من رفعة المكانة في شبه القارة الهندية وغيرها من آفاق البلاد الإسلامية وكذا في بلاد الغرب ، ولا عجب فهو عالم علّامة في أصول الدين و متبحر في شتى المذاهب والتيارات الدينية الإسلامية ، إنه قطب من أقطاب الإسلام.  ومن المحاولات المبكرۃ التی قام بھا السرسيد أحمد خان عند ما كان یكتب فی المجلة الأردية"تهذيب الأخلاق" بالهند عن الفكرة الإصلاحية فی رسم ملامح الفكر الإصلاحی الإسلامی الحدیث .أسس لإمكانیۃ الحدیث والبحث فی التجارب الإصلاحیۃ الإسلامیۃ التی ظھرت خلال عصره الذي عاش فيه ،والملاحظ أنه لم یستطع أی باحث هندي جاء بعده تجاھل ما قام به السرسيد أحمد خان فی ھذا الشأن؛فمساھمته كشفت عن خطاب عدد من النھضویین العرب والمسلمين فی مشھد واحد عنوانه”الإصلاح“.

ولا نريد أن نؤرخ لحياته ، و نلاحق سيرته الذاتية ، والمنعطفات التي مرت بها، لان ذلك خارج عن غرض هذه المقالة، وانما أردنا الإشارة الى انه سعى للاستقلال الفكري في المرحلة اللاحقة من حياته، وكثف جهوده في الحقل العلمي والتربوي والثقافي.

فقد اعترف بذلك عدد كبير من كبار العلماء البارزين ذوي الخبرات العالية الذين لهم صيت ذائع وقدم راسخ في مجالاتهم العلمية والفكرية والأدبية في أنحاء العالم  وأكبر دليل علي ذلك مصنفاته الممتعة ومقالاته العلمية التي بلغت إلى أقصى حدود الغاية علما و نفعا ، ومن أهم مزاياه التي تميزه عن غيره من العلماء المعاصرين له أنه نافح عن حظيرة الإسلام الصافية و كرامة الأمة الإسلامية بكل ما آتاه الله تعالي من مواهب مرموقة سامية وعلوم جمة وكان يري واجبا علي نفسه أن يقوم بتوجيه المسلمين وإرشـادهم إلي الحق الناصح ،وكان لا يخاف في الله لومة لائم في إظهار الحق، قال الأستاذأحمدأمين عن شجاعته البالغة في إظهار الحق:

"شجاعته التي لا تُحدُّ في تنفيذ خطته،وصراحته البالغة في الجهر برأيه،وعدم اعتداده بنقد الناقدين على اختلاف ألوانهم،وإصراره على ألا يسمع إلا لصوت ضميره،ينقدالإنجليز في ترفّعهم،والمواطنين في تخلّفهم،ورجال الدين في جمودهم،ورجال السياسة في تخيلهم على حد سواء"[5].

ومن الحق أن يقال ان المسلمين الهنود قد خسروا السلطة بالفشل عقب ثورة عام 1857  كآخر محاولة عسكرية قامت بها سلطات المغول الإسلامية في وجه الغزو الأوروبي. لكن ما حدث لاحقا، بعد انتهاء الثورة، هو الذي غيّـر مجرى المياه الراكدة وحدثت تغيـرات هائلة في الحياة السياسية و الحضارية الهندية لم يكن لها مثيل من قبل في تاريخ المسلمين في الهند؛ فقد أصبحوا محكومين وبدؤوا يواجهون مرحلة الدفاع للبقاء، فلم تكن ثورة ١٨٥٧ م مجرد ثورة قام بها العسكر؛ بل كانت بركانا اجتماعيا متفجرا غيّـر الخريطة الاجتماعية لشبه القارة الهندية.

فقد رأى السير سيدأحمد خان سلطة ا لإنجليـز المتزايدة، فتيّقن منذ البداية أن سلطة حكومة بهادر شاه ظفر  -آخر ملوك المغو ل- المحدودة داخل أسوار القلعة في طريقها إلى الزوال، وأن الإنجليز هم الذين يحكمون الهند فعليا، وسوف تستمر دولتهم.  ولم تغِب عنه هذه الحقيقة حتى في أَحَلكِ الظروف؛ أي في أثناء اندلاع ثورة 1857 م عندما تزلزلت دعائم الحكومة الإنجليزية نفسها في الهند،وبدأت المنافسة بين الطوائف المختلفة داخل الهند، وبدؤوا يتقربون للإنجليـز، وخاصة الهندوس والسيخ، وبدأ المسلمون يفكرون في الحفاظ على دينهم ولغتهم وحضارتهم، ولم تكن لديهم أي خطة لذلك [6]وقرر السير سيدأحمدخان الهجرة إلى مصر حيث قا ل:

"لم أكن أتصور في ذلك الوقت أن يأتي على قومي يوم يستطيعون أن ينالوا فيه عزتهم، وتتحسن أحوالهم. وليس من الشهامة والرجولة أن أترك قومي في هذا الوضع الصعب، والتمس العافية والسلامة، لا، يجب أن أبقى لأشاركهم في هذه المصيبة، وأعقد همتي وعزمي لإبعاد هذه المصائب عنهم"[7].

وقد ردّ السير سيدأحمد خان تدهور أحوال المسلمين إلى سببين؛ الأو ل: نقص التعليم لديهم. والثاني: عدم الاتحاد والاختلاط بالإنجليز ، لذلك أكد السير سيدأحمدخان على المصالحة مع الإنجليز، والتعليم والتربية من أجل اصلاح المسلمين، وكان يعرف جيدا أن أي حكومة لا يمكن أن تستمد سلطتها بقوة السيف بل من الضروري أن تنشأعاطفة الألفة بين الحاكم والمحكوم، التي هي في نظره أساس الحكم، ويترتب على ذلك حل مشاكل المسلمين السياسية والاجتماعية، وقد قضى السير سيد أحمد خان طيلة عمره يعمل بهذه النظرية، ويحاول التقرب من الإنجليـز حتى يظفر المسلمون بالوظائف والمناصب العليا، والتي يمكنهم عن طريقها الحصول على حقوقهم السياسية.

وفي الواقع كان يرى السر سيد أحمد خان نشر التعليم الجديد من أهم المسائل؛ فبالتعليم الجديد يستطيع المسلمون أن يشاركوا في أعمال الحكومة، ويكونون مؤهلين للوظائف والمناصب الحكومية، ويثري هذا التعليم عقولهم؛ فيصبحون متفتحي الفكر ونموذجا تحتذي به الأجيال القادمة، وعندما ينشب أي صراع اقتصادي أو حضاري بين أقوام الهند المختلفة يستطيع المسلمون أن يظفروا بنصيب وافر من المكاسب الحضارية؛ فتعلو مكانتهم، ويتقدمون في مختلف مجالات الحياة الأخرى بدلا من أن يقتصروا على وظائف الخدمة للأقوام الأخرى.

وفي سنة 1869 م سافر السير سيدأحمد خان إلى إنجلتـرا مع ولديه سيد محمود،وسيد حامد؛ لإلحاقهما في الجامعة هناك ،وظل في لندن أكثـر من عام اطّلع فيه على الحضارة الغربية،ومنحت له الفرصة لمشاهدة التقدم العلمي والحياة الاجتماعية الغربية ، وجمع مواد كتابه "خطبات أحمدية"  للرد على كتاب "حياة محمد"  للسير وليم مور[8]، إلى جانب اطلاعه على الجامعات الإنجليزية، ثم عاد في 2أكتوبر 1970 م، وعنده الرغبة الكاملة في نشر التعليم الإنجليـزي بين المسلمين ،و ازداد حماسه لإدخال التعليم الجديد في مدارس المسلمين، و بدأ في تنفيذ خططه التعليمية، فأسس جمعية "راغبي تطوير تعليم مسلمي الهند" كميتى خواستغاران ترقى تعليم مسلمان هند"من أجل وضع الخطط التعليمية للمسلمين[9]. وقد قررت هذه اللجنة أن تفتح إحدى الكليات ليحصل المسلمون فيها على التعليم العالي؛ لذا تكونت اللجنة المالية للكلية الإسلامية "محمدن كالج فند كميتى"، وقابلت الحكومة الإنجليزية هذا الاقتـراح بالقبول، و ساعدتهم على إنشاء هذه الكلية. وفي فبراير 1873 م أسس مدرسة العلوم ب"على كره"، وساهم في إنشائها بجهد كبيـر كل من سيد محمود وسميع الله خان، الذي تولى إدارة هذه المدرسة التي قامت بدور بارز في تعليم المسلمين العلوم الجديدة وظل السر سيدأحمد خان مرتبطا ب"على كره" حتى  آخر لحظة من حياته ، وبعد تطوير هذه المدرسة قام "اللورد لتن" بافتتاح كلية"على كره" في يناير 1877 م[10].

                وتطورت الكلية يوما بعد يوم، واستقدم السير سيدأحمدخان الأساتذة الكبارمن الأوربا للتدريس بها مثل البروفسير توماس آرنولد  ((T.W.Arnold أستاذ الفلسفة، ومدرس اللغة الإنجليزية البروفسير والى، وهو من أشهر نقاد الأدب الإنجليزي، والسير تيودور ماريس، ومستر أرجيبيلد، وغيرهم من الأساتذة الذين ساهموا في تقدم هذه الكلية[11]. وكانت هذه الكلية مركزا لأفكار السير سيدأحمدخان وخططه الإصلاحية، وارتبطت بنشر العلوم الجديدة، وقد ساهم كثيـر من المتنورين في ازدهار ونشر حركة التعليم الجديد مثل محسن الملك، الذي قال في إحدى خطبه:

"إن لم نأخذ بتطبيق بعض الأعمال الإصلاحية، فإننا سنظل نسير إلى الوراء؛ فقد أصبحت شهرة جهلنا ممتدة من الهند حتى بريطانيا، وصِرنا مضرب الأمثال في كراهية التعليم"[12].

وقد مر تطوّر كلية "على كره" بمراحل ثلاث هي:

١- المرحلة الأولي: وهي مرحلة التأسيس، وشارك فيها مولانا ألطاف حسين حالي، و وقار الملك، وسميع الله، ومولوي نذير أحمدالدهلوي، ومولوي جراغ علي،وذكاء الملك، ونواب عماد الملك، وعبد الحليم شرر وغيرهم من الأفذاذ والعباقر. واتّسمت الكلية بالعلوم والآداب الغربية.

٢- المرحلة الثانية: وهي مرحلة النهضة القومية لمسلمي الهند، واهتمت الكلية بتدريس العلوم الدينية إلى جانب العلوم الغربية الحديثة. وقد شارك في هذه المرحلة نواب صدر يارجنك، ودكتور ضياء الدين، وحبيب الله خان،ومولوي عبد الحق، وغيرهم.

٣- المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي صارت للكلية فيها مكانة مرموقة داخل الهند و خارجها، و تخرج فيها العديد من رموز الثقافة والفكر والسياسة والاقتصاد من المسلمين، وشارك فيها خواجه غلام السيدين، وسيد أحمد صديقي، ودكتور عابد حسين، ودكتور ذاكر حسين، الذي صار رئيسا لجمهورية الهند، وقد ساهم هؤلاء بأفكارهم وجهودهم المرموقة في ازدهار هذه الكلية.[13]

وفي سنة 1886م أسس السير سيدأحمد جمعية مؤتمر التعليم الإسلامي باسم "كميٹي خواستگار ترقي تعليم مسلمانان"[14]وكان هدفها الأساسي البحث في كيفية نشر التعليم الجديد بين المسلمين، وقد أثبت هذا المؤتمر أنه أكثر فائدة في عدة جوانب من كلية "على كره" في إحداث يقظة المسلمين ونهوضهم، وقد نجح هذا المؤتمر، وتعلم المسلمون عن طريقه العلوم الجديدة والنظريات الحديثة، وظهرت لديهم ميول ونزعات سياسية جديدة، وقد وضح السير سيد أحمد خان في هذا المؤتمر حالة المسلمين الحاضرة، وقارن فيه بين التعليم القديم والجديد، وأ كد على ضرورة التكتل من أجل القضايا القومية والدينية، وكان هذا المؤتمر يعقد كل عام مرة، في مدينة من مدن الهند، ويجتمع فيه وجهاءالمسلمين؛ لطرح مشاكلهم، وتقديم الحلول المناسبة لها، واهتم بإنشاء الكليات الجديدة على غرار كلية "على كره"، ويرجع إليه الفضل في إقبال المسلمين على التعليم الجديد.

وقال الأستاذأحمد أمين عن هذا الصدد:

"وكانت له فكرة عظيمة نافعة، وهي أن يجمع مؤتمرا كل عام يجتمع فيه قادة المسلمين في الأقاليم الهندية المختلفة، كل عام في مدينة، يلقون فيه الخطب والمحاضرات عن الشؤون الإسلامية وأمراض المسلمين وعلاجها، ويصدرون القرارات التي يرونها نافعة في ذلك. وكان الغرض الذي يرمي إليه «السيد» منه بث روح الائتلاف بين المسلمين في البلاد الهندية، وتبادل الآراء في خير الوسائل لترقيتهم، والتعاون على الأعمال المفيدة من إنشاء المدارس أو النهوض بها أو نحو ذلك"[15]

وقام السير سيدأحمدخان في سبيل نشر التعليم الجديد وخططه التعليمية بإصدار جريدةباسم "باشندگانِ هند"  (سكان الهند) وأقام "المجتمع العلمي" لترجمة العلوم الغربية إلى اللغة الأردية، وكان السير سيدأحمدخان يريد أن يقيم جامعة تكون مشعل هداية للمسلمين، وتدرس فيها العلوم الغربية والإسلامية، فأقام الكلية الشرقية "باسم"محمدن أينجلواورينتل كالج"، وقد قامت هذه الكلية بدور بارز في مساندة القومية الإسلامية الهندية، وقد تهيأ المسلمون في هذه الفترة للجهد المنظم، ونشأت العديد من الإدارات التعليمية في مختلف مدن الهند تحت تأثير حركة السير سيدأحمدخان، ومنها الكلية الشرقية بلاهور أورينتل كالج لا هو ر[16]" من أجل نشر أهداف "أنجمن پنجا ب" (جمعية البنجاب) ، وكان من أهدافها إحياء بعض العلوم الشرقية القديمة، ونشر العلوم المفيدة بين سكان الهند عن طريق اللغات المحلية، والتباحث في المشكلات الأدبية والاجتماعية. وأراد الدكتور لايتنر مرشد هذه الجمعية أن يقيم جامعة تمتزج فيها العلوم القديمة والجديدة، وتسمو بالجوانب الخلقية والعقلية للهنود، فبدأ بإنشاء "مدرسة العلوم الشرقية" عام 1865 م، والتي أصبحت الكلية الشرقية في لاهور عام 1872ی ، وقامت هذه الكلية بتنفيذ أهداف جمعية البنجاب.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت تتضح معالم حركة السرسيدأحمدخان، وخاصة عندما قام بإصدار جريدة أردية علمية وأدبية "تهذيب الأخلاق" في 24 ديسمبر 1870م من أجل نشر أفكاره التعليمية والدينية، ومحاربة أمراض المسلمين الإجتماعية، وقد تناول فيها عدة موضوعات تهم المسلمين،و تحثّهم و تحرّضهم على تقليد الغرب في العلوم والفنون و حضارتهم في العادات والتعليم والتربية ومنهج البحث العلمي،ثم بدأ يتحدث فيها عن موضوعات تمس جميع جوانب الحياة.

قال العلامة شبلي النعماني:

"طالما كان النـزاع بيـني وبين السيدأحمد شديدا في آرائه الدينية،وطالما فنّدت آرائه،ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي الذي استخدمه في شرحه أفكارَه،فكان أسلوباً رائعاً منقطع النظير،مملوءاً بالفكاهة الحلوة،والتنادر الظريف".[17] 

وقدسجل إعجابه بالتيارات الفكرية الأوروبية وقتذاك في كتابه «سفر نامه» الذي جاء فيه:

"إن الذين يريدون إصلاح الهند الحقيقي يجب أن يجعلوا نصب أعينهم نقل العلوم والفنون والآداب الأوروبية إلى لغة البلاد الأصلية. إن تقدم الغربيين إنما جاء من أنهم عالجوا الآداب والعلوم بلغتهم، ولو كانت العلوم والفنون تعلم في إنجلترا باللغة اللاتينية أو اليونانية أو العربية أو الفارسية لظلوا جاهلين جهل الهند فما لم نهضم العلوم والفنون ونتمثلها بلغتنا فسنظل في حالتنا السيئة هذه"[18].

وقد دعا السرسيد أحمد خان مسلمي الهند في دعوته التحديثية إلى أن ينظروا إلى تقدم الأمم ورقيها الأخلاقي، يقول في ذلك:

"انظروا إلى إنجلتـرا، لقد كانت ثروتها تتماشى يوما فيوما مع تربيتها، فكلما زادت تربيتها زادت ثروتها، وقد كانت منذ قرون وأمامها من العقبات والصعاب التي تعوق التربية أكثر مما عندنا.. ولو أن الهند سنة  1856 كانت تعرف العالم وتعرف قوتها وقوة خصمها من الإنجليز، وتزن الأمور بميـزان صحيح، وتدرك نتائج الأمور ما حدثت الحوادث الأليمة التي حدثت سنة 1858، إلا أن الجهل سبب لكل شر"[19].

وفي الواقع أن جهود السرسيد أحمد خان تعتبـر على وجه العموم، دورة ديناميكية و كما انه سد الفجوة العميقة بين الهند وبين العصور الوسطى والحديثة وأعطى مسلمي الهند التماسك الجديد، والنهج الجديد، والمثل العليا في التعليم والتربية و أعاد فخرهم التراثي و الفكري والعلمي.

و نحن على قناعة وثيقة، وإيمان راسخ، أن أفكارالسيرسيد أحمد خان سادت وستسود جميع القوى السلبية وستظل كمصدرهام لجميع المربين المفكرين الإصلاحيين ليست عبـر العالم الإسلامي فقط، ولكن أيضا للمفكرين الأوربيين والأمركيين في أوروبا وأمريكا وفي الدول والقارات الأخرى في جميع أنحاء العالم الإنساني، لأنها لا تزال ذات صلة كبيرة  و مهمة بنفس القدر  من الأهمية القصوى(Utmost importance) إلى أقصى الغاية.

و لما بلغ السر سيدأحمدخان الحادية والثمانينمن من العمر انتقل إلي رحمة الله تعالي عام 27 مارس 1898م ،فبكاه المسلمون ومعهم الهندوس و الأوربيون على اختلاف عقائدهم وطبقاتهم ومذاهبهم السياسية والإجتماعية،ويبكونه أكثر  من ذلك لأنه مصلح عملي،لا يكتفي بالنظريات فقط بل أدى واجبه بطريق أحسن.

وكل جديد يا أميم إلى البلى  .....  وكل امرئ يوماً يصير إلى كان

إنالله وإنا إليه راجعون

المراجع والمصادر

1-       الأستاذ أحمد أمين المصري ، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دارالكتاب العربي ،بيروت لبنان

2-       الأستاذأحمدأمين المصري،  فيض الخاطر ،الجزء الخامس ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة بالقاهرة 2012م

3-         أحمد عطية الله – القاموس الإسلامي – مكتبة النهضة المصرية – القاهرة ،1979م.

4-       جلال السعيد الحفناوي ، سيد أحمد خان وحركة جامعة عليكرة وأثرها في نهضة المسلمين

5-       عبد المنعم النمر – كفاح المسلمين في تحرير الهند، الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة سنة 1990.

6-       عبد القيوم ، حالي كي اردو نثر نگاري، مجلس ترقي أدب لاهور، 1964م

7-       مجلة صوت الشرق – مجلة ثقافية هندية بالهند – العدد 425 – 2001م.

8-       معين الدين عقيل ، تحريک آزادي ميں اردو كا حصہ،لاهور2005م

9-       مولانا الطاف حسين حالي: حيات جاويد. جـــ 1، اكادمي بنجاب. لاهور، 1975م

10-   مولانا الطاف حسين حالي:حيات جاويد،جـ 2، ارسلان بكس ،شارع علامه اقبال آزادكشمير 2000م

11-   معين الدين عقيل ، تحريک آزادي ميں اردو كا حصہ

12-   محمد إكرام ، موج كوثر ،لاهور1971م

 



 رئيس التحرير لمجلة التلميذ[1]

[2][2] زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، صــ 123  للأستاذ أحمدأميـن ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان[2]

 زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، صــ 125  للأستاذ أحمدأميـن ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان [3]

 زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، صــ 121  للأستاذ أحمدأميـن ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان [4]

 زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، صــ 137  للأستاذ أحمدأميـن [5]

  عبد القيوم ، حالي كي اردو نثر نگاري،صـ 27 مجلس ترقي أدب  1964م[6]

 محمد إكرام ، موج كوثر صـ 77 ،لاهور 1971م[7]

 [8] مولانا الطاف حسين حالي: حيات جاويد. صـ 7 ارسلان بكس ، شارع علامه اقبال آزادكشمير 2000م

 مولانا الطاف حسين حالي ، حيات جاويد صـ 204 ارسلان بكس،  شارع علامه اقبال آزادكشمير2000م[9]

 مولانا الطاف حسين حالي ، حيات جاويد ،صـ 221  ارسلان بكس ، شارع علامه اقبال آزادكشمير2000م [10]

 محمد إكرام ، موج كوثر صـ 88 ،لاهور 1971م [11]

 عبد القيوم ، حالي كي اردو نثر نگاري،صـ 30 مجلس ترقي أدب  1964م [12]

 معين الدين عقيل ، تحريک آزادي ميں اردو كا حصہ،صـ 329[13]

 مولانا الطاف حسين حالي ، حيات جاويد ،صـ 199 ، جـ 1 ارسلان بكس ، شارع علامه اقبال آزادكشمير2000م [14]

 فيض الخاطر ، جـ 5 صـ 269 الأستاذأحمدأميـن[15]

  معين الدين عقيل ، تحريک آزادي ميں اردو كا حصہ،صـ  753 [16]

 أحمدأمين ،زعماء الإصلاح في العصر الحديث،صـ136[17]

 أحمد أمين ، زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، صـ 128[18]

 المصدر السابق ،صـ 126  - 127[19]

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو