"مكانةُ لُغَةِ الضَّادِ الْعِلْمِيَّةِ في فهم القرآن و تفسيره"

الدكتور معراج الدين الندوي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد أنزل اللهُ الْقُرآنَ بِلسانٍ عَرَبِيٍ مُبين،أي على لسان العرب الفصيح. قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ {النحل: 1.2} و قال تعالى : حَم {} والْكِتابِ المُبينِ {} إنَّا جعلْناهُ قُرْآنًا عَربِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ {} {الزخرف: 1-3{

ومن بواعث الفرح و السرور أن نقدِّمَ مقالة متواضعة لجمهور القراء و السادة الباحثين و المثقفين و المتطلعين إلى المعرفة حول موضوع : "مكانةُ لُغَةِ الضَّادِ الْعِلْمِيَّةِ في فهم القرآن وتفسيره"

 "The Importance and Relevance of Arabic Language in Understanding the Qur'an and Its Interpretation"

و هي مقالة تكشف بإيجاز واضح عن هذه الأهمية، و عن مقدار ما يحتاجه الفرد المسلم من اللغة العربية و ما يحتاجه الباحث في الكتاب و السنة ، و عن كيفية تحصيل هذا المقدار،معتمدا في هذا الكشف على أقوال الأئمة المختصين الكبار المشهورين بهذا الاختصاص. و عسى أن تكون أقوالهم داعية إلى الحِرْصِ على تعلم اللغة العربية الشريفة و معرفتـها كلَّ من يريد من أمة النـبي العربي صلى الله عليه وسلم فهم القرآن و السنة بمنهجية سليمة،و أن تكون أقوالهم الثمينة مُحَذِّرَةً مَنْ يتجرَّأ على القول في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون أن يحقق هذا الشرط الضروري و هو " إتقان اللغة العربية" 

وسنجيئ في هذه المقالة بمحاولة في إبراز بعض الجوانب التـي تظهر من خلالها و خلال تَجْوَالِي بين المراجع و المصادر لدراسة أهمية اللغة العربية في دراسة القرآن و فهمه و تفسيره ، وإنما سيحتوي البحث   على شيءٍ من الإيجاز غيـر الـمُخِلِّ، و قبل أن أخوضَ خِضَمَّ المَوْضُوعِ يَلْزَمُنِـيْ أن  أَقْسِمَـه إلى قسمين، مُذَيَّلَةً بخاتمةٍ، ثم مَصَادِرِ الْبحث على الشكل الآتي:

الأول : مكانة اللغة العربية بين اللغات العالمية الحية

والثاني :أهمية اللغة العربية في فهم القرآن الكريم و تفسيره.

كما أنتم تعرفون بمعرفة جيدة بأن الُّغة الإنسانيَّة كلها تتحلى بفكر ناطق، و تفكـير صامت و لها قيمة جوهرية كبـرى في حياة كل شعب من الشعوب البشرية فإنها أداةٌ  تَحْمِلُ الأفكار، وتَنْقُلُ الـْمَفَاهِيْمَ و تُقَامُ بِها روابطُ الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة ، وبها يتم التقاربُ والتشابهُ والانسجامُ بينهم و تصاغ فيها المشاعر والعواطف . 

ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قَلَّبْتَ أمرَ اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتَها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها .))

ويقول الدكتور كمال بشر: "إن جمود اللغة وتخلفها، ونموها وازدهارها، كل أولئك يرجع أولاً وآخِرًا إلى وضع أهليها، وإلى نصيبهم من التعامل والتفاعل مع الحياة، وما يجري في العالم من أفكار وثقافات ومعارف جديدة ومتنامية، فإن كان لهم من ذلك كله حظ موفور، انعكس أثره على اللغة، وإن قلَّ هذا النصيب أو انعدم، بقيت اللغة على حالها دون حراك أو تقدم، اللغة لا تحيا ولا تموت بنفسها، وإنما يلحقها هذا الوجه أو ذاك بحسب الظروف والمُلابسات التي تحيط بها، فإن كانت الظروف فاعلة غنية بالنشاط العلمي والثقافي والفكري، كان للغة استجابتها الفورية، ورد فعلها القوي، تعبيرًا عن هذه الظروف، وأمارة على ما يموج به المجتمع من ألوان النشاط الإنساني، وإن حُرِمت اللغة من هذا التفاعل ظلت على حالها، وقدَّمت للجاهلين فرصة وَصْمِها بالتخلف والجمود، في حين أن قومها هم الجامدون المتخلفون[1].

قال "ويلي براندت[2]" لعربي مرة:

" إذا أردتُ أن أبيعـــك بضاعتي يجب أن أتحدث لغتـك وإذا أردتَ أن تبيعنـي بضاعتــك فعليك أن تتحدث بالألمانيـة.

.فأمّا اللغة العربية فهي عند المسلمين معجزة الله الكبـرى في كتابه المجيد ناحية و لغة عالمية دِيْنَامِيكِيَّة في العالم ناحية أخرى ، وإنها أداة التَّعَارُفِ و الاتصال بين ملايينَ من البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصِها و التـي يتحدث بها أصْلًا أكثـرُ من ثلاثمئة مِلْيُوْنٍ عَرَبِيٍ  يعيشون في 22 بلدا؛ ويستخدمها مكتب الأمم المتحدة في منظماتهم رسميا باعتبارها واحدة من أكثـر اللغات انتشارا في العالم. وكما أنها واحدة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة.[3] وهي لغة وحيدة من اللغات العالمية في العملة أكثـر من ثلاثة عشر قرنا ونصف، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكار الأمة المسلمة و أحاسيسها، و لا تزال تمثِّل خصائصها،وقد كانت عبـر التاريخ مسايرة لشخصية الأمة المسلمة، تقوى إذا قويت، وتضعف إذا ضعفت . و إن الاحتفال باليوم العربي العالمي في 18 كانون الأول / ديسمبر من قبل الأمم المتحدة هو مظهر من مظاهر الاعتـراف العالمي بهذه اللغة. وعلاوة على ذلك، فهي أيضا لغة دينية لأكثـر من مليار مسلم من مختلف اللغات والأصول في البلدان في جميع أصْقاعِ العالم.

 و لقد كانت اللغة العربية هي لغة العلم و الثقافة والأدب و ما زالت وثيقة الأواصر بهوية الثقافة الإسلامية و الدينية و خصائصها،فقد و عت منذ أمد بعيد. و إننا نعرف بمعرفة جيدة إلى أقصى الغاية من المعرفة أن لكلّ مجتمع و شعبٍ و قوم ثقافتَه التي يتميَّـز بها عن غيـرهم، فالثقافة في أي شعب و مجتمع لن تُعْرَفَ وَ تَظْهَرَ إلا بظهور لغته بقوة و الحفاظِ عليها بشدة لأن اللغة  هي مرآة ثقافة مجتمع و شعب و قوم، وهي الوسيلة التـي تستخدمُها الشعوب للتَّعبيـر عن العناصر المختلفة للثَّقافة: أي عاداتها وقوانينها وتقاليدها ومفاهيمها، ويوجد تكامُل بين اللُّغة والثَّقافة، وكلاهما يكتسب بصورة اجتِماعيَّة، فالتَّكامُل بين اللُّغة والثَّقافة على درجة كبيـرة من الأهمّيَّة، وتبـرز تلك الأهمّيَّة بوضوح في مَجال تَعليم اللغة العربيَّة . ولا شك في هذا الأمر التاريخـي و لا ريب فيه بأن اللغة العربية ورثت كنوز المعرفة من الحضارات الهندية والفارسية والرومانية واليونانية والمصرية القديمة.و إنها لغة الأدب الحديث من الطراز العالمي ولغة الطلب في السوق. وإنها كنـز المعرفة غيـر المستكشف إلى حد كبيـر و لغة مُكَرَّسة لِخِدْمَةِ العِلْمِ و المعرفة في شكل عشرات الآلاف من المخطوطات في الهند و خارجها.

وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء الأجانب في أهمية اللغة العربية . يقول الفرنسي إرنست رينان : (( اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة.)) 

ويقول الألماني فريتاغ : (( اللغة العربية أغنى لغات العالم)) .

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام : (( العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة.))

ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً.))

ويقول الدكتور طه حسين : (( إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً.))

و الحق أحق أن يقال إن للعربية خصائصَ كثيـرةً يضيق المجال عن حصرها في هذه المقالة الوجيزة، لذا سأقتصر على بعضها تاركاً، لمن أراد التوسع،فعليه الرجوع إلى أمهات الكتب في هذا المجال .

2- "مكانةُ اللُغَةِ العربية في فهم القرآن و تفسيره

والقرآن الكريم هو كتابُ اللغةِ العربيةِ الخالدُ فقد حَفِظَ هذه اللغةَ من الاندثار والانقراض و وصل ماضي الأمة المسلمة بحاضرها فيستطيع المسلم أن يفهم ما كتبه أسلافه قبل مئات السنين وهذه مَزِيَّةٌ للأمة المسلمة بفضل هذا الكتاب الكريم على غيرها من الأمم كما عُمِلَ على نشرها في مناطقَ واسعةٍ من العالم فلا يُوْجَدُ قُطْرٌ في كافة أرجاء المعمورة و أقطارها إلا و فيه مَن يتكلمُ العربيةَ لغةَ الدينِ والحضارةِ الإسلاميةِ، كما أغناها بالعبارات والمصطلحات الجديدة كالصوم والصلاة وغيرها، والأهم من كل ذلك أنه وحَّد لهجاتـِها في لهجةٍ واحدةٍ فأصبحت لغةَ العالمِ والدينِ والتفاهمِ بين الناس.وهذه المزايا التي أعطاها القرآن لهذه اللغة جعلتها تساهم في فهم هذا القرآن الكريم، وفي هذا المقام سأتطرق إلى موضوع « مكانةُ اللُغَةِ العربية في فهم القرآن و تفسيره » وبإيجاز شديد مُوَضِّحًا ذلك بالأقوال و الدلائل المبسطة.

و من المعلوم إن تدوين الكتب قد نشأ و ترعرع في أمة الإسلام إثر نزول القرآن و تدوينه،ومنه نشأت العلوم و دونت و تفرعت، و كان تفسير القرآن من أقدم  العلوم التي بدأ تدوينها كالذي كتبه تلاميذ سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وجعل الله سبحانه و تعالى اللغة العربية وسيلة لمن أراد أن يفهم كلامه،فقال الله تعالى : "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا"[4]، و قال الله تعالى "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"  فمن لم يعرف اللغة العربية معرفة إتقان لم يستطع أن يعقل القرآن بنفسه،و فاته العلم بأحكامه و فهم حلاله و حرامه إلا من وراء فهم غيره و لما كانت معرفة هذه اللغة شرطا وضعه الله ليعقل المسلم كلامه ،بنى العلماء على ذلك أن العلم باللغة العربية هو شرط من شروط أساسية  في تفسير القرآن الكريم و السنة الشريفة.

و لما كان القرآن الكريم  كلاما عربيا كانت اللغة العربية طريقا لفهم معانيه و بدون ذلك يقع الغلط و سوء الفهم لمن ليس باللغة العربية السليقة.

و الجدير بالذكر إننا نعنى باللغة العربية مجموع اللسان العربي، و هي متن اللغة ، و التصريف، و النحو ، و الاشتقاق، و الغريب،والاعراب ، و المعاني،والبيان ، والبديع.

و مع هذه المكانة السامية للغة العربية و المنزلة العالية لمعرفة أصولها ، لا يجوز لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم أن يكون اعتماده فيه على مجرد اللغة فقط،لأنه يؤدي إلى تعطيل كثير من المفاهيم الدينية و المعاني الشرعية الثابتة بالقرآن و السنة  و إجماع الأمة.

ولأجل ذلك كان بيان هذا الشرط و تفصيله من ضوء أقوال العلماء البارزين واجبا و قد كتبت بعض الصفحات باختصار توضيحا و تذكيرا بهذا الواجب و تحذيرا من التساهل فيه و الإهمال.

و جاء الإمام الشافعي رحمه الله ببيان أهمية معرفة اللغة العربية ، و فرّق بين حاجة كل فرد مسلم إلى هذه المعرفة و حاجة من يريد فهم القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة و معرفة حكم الله فيهما،فقال :

"فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله و أن محمداً عبده و رسوله، و يتلو به كتاب الله و ينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير و أمر به من التسبيح و التشهد و غير ذلك"[5]    

وذلك لأن هذه المذكورات عند الشافعي من فرائض الشريعة الإسلامية على كل مسلم ولا يمكن أداؤها إلا باللغة العربية،و كل شئ توقف عليه حصول الفرض صار فرضاً.

ثم قال الإمام الشافعي رحمه الله عقب ذلك:

"و من تكلف ما جهل و ما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب _ إن وافقه من حيث لا يعرفه_غير محمودة والله أعلم ، و كان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ و الصواب فيه" [6]

وإذا لم يكن معذورا كان مؤاخذا عند الله تعالى لأنه نسب إلى كتاب الله معنى ليس منه بسبب جهله و إنما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم العذر في خطأ الاجتهاد حين قال:" وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" (رواه البخاري)  فهذا العذر لمن بذل جهده في تعلم حكم الله عن طريق وسائله،واللغة العربية وسيلة يتعقل بها معاني القرآن كما قال الله سبحانه و تعالى "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الزخرف 3) فإذا تكلم في القرآن أو السنة بدون معرفة اللغة العربية كان متكلما برأيه لا بالعلم كالذي يأخذ حكما شرعيا من حديث لا يدري أهو ثابت أم باطل ثم يزعم أن هذا حكم الله تعالى،و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كذب على متعمدا بليتبوَّأ مقعده من النار" (متفق عليه)ذلك لأن التفسير هو الرواية عن الله كما اعتمده ابن كثير و نقله في تفسيره و إنما كان رواية عن الله لأن المفسر يقول هذا معنى ما أنزل الله فهو ينسب هذا المعنى إليه سبحانه و تعالى.

ويقول الإمام ابن تيمية:

العربية إنما احتاج المسلمون اليها لأجل خطاب الرسول بها، فإذا أعرض عن الأصل كان أهل العربية بمنزلة شعراء الجاهلية أصحاب المعلقات السبع ونحوهم من حطب النار.[7]

ولذلك، فاللغة في نظر الإسلام وسيلة لإيجاد مفاهيم مشتركة وبناء اطار فكري وممارسات عملية موحدة وليست غاية في حد ذاتها. كم أنها ليست قاعدة بناء الأمة وذلك لرفض الإسلام القاطع ابتداء لمقومات الفكر القومي العنصري. فالدولة الإسلامية الشرعية تتميز عن الدول الوضعية بأن هويتها تستند إلى أسس ومعايير شرعية لا قومية عرقية. فالتأكيد على جعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة ينطلق من كونها لغة المصادر والأدلة الشرعية والتي أعلاها القرآن الكريم وأنها لغة دين الإسلام، ولا يتم حفظ دين الإسلام دون حفظ اللغة العربية. وقد أكد ذلك ابن تيمية رحمه الله بقوله : في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم "التصريح بحكم الله في تعلم العربية و بتوقف فهم القرآن و السنة على فهمها،و بأن هذا التوقف هو السبب في أن تعلمها واجب،حيث قال ما يلى :

نفس اللغة العربية من الدين و معرفتـها فرض واجب،فإن فهم الكتاب و السنة فرض،ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،ثم منها ما هو واجب على الأعيان _ يعنى على كل فرد بعينه _ و منها ما هو واجب على الكفاية" [8]  

و نقول القول بكل وضوح ولا شك فيه أن من يسير في غير الطريق لا يصل إلى المراد و إن توهم أو زعم لنفسه الاجتهاد في اتباع القرآن و السنة.وكيف يقوم بالواجب دون تحصيل ما يتم به الواجب؟

قال ابن كثير في تفسيره(1/51) و هو يتكلم عن تفسير التابعين للقرآن الكريم:

"إذا أجمعوا على الشئ فلا يُرْتَابُ في أنه حجة ، فإن اختلفوا فلا يكون بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ، و يرجع في ذلك إلى لغة القرآن الكلريم أو السنة أو عموم لغة العرب"

و يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:

"وإذا كانت عربيَّة (أي: الشريعة)، فلا يفهمها حقَّ الفهم إلاَّ من فهم اللغةَ العربية حقَّ الفهم؛ لأنهما سيَّان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدِئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطًا؛ فهو متوسِّط في فهم الشريعة، والمتوسِّط لم يبلغ درجة النهاية؛ فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فهمه فيها حجَّة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفُصَحاء الذين فهموا القرآن حجَّة، فمن لم يبلغ شَأْوهم، فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمُه لم يعد حجَّة، ولا كان قوله فيها مقبولاً"[9]

 

 


خلاصةِ القول مع خاتمته:

 بما سبق ذِكره و يمكن الخروج بالخلاصات والنتائج الآتية:

أولًاالعربية الفصحى هي وِعَاءُ الإسلام، ومُسْتَوْدَعُ ثَقَافَتِه، ومادةُ أكثرَ ما كُتِبَ عنه على مدى القرون.

ثانيًايجب على المسلم الذي لا يعرف العربية أن يقفَ عند حدود علمِه، فلا يُجَاوِزَ تلك الحدودَ عند الحديث عن الإسلام.

ثالثًاوكذلك المسلم الذي يعرف العربية مُؤَهَّلٌ - أيضًا - للفهم في حدود معرفته، أما الاجتهاد، والحكم على أقوال الأئمة بالصواب والخطأ، والقوة والضعف فله أهلُه، وهو مقصورٌ على من يملكُ أدواتِه.

رابعًاالذي لا يعرف قواعدَ البيان العربي، ومقاصدَ خطاب العرب يقع في أخطاءٍ في الفهم، ويستنبط من القرآن والسنة معانيَ بعيدةً عن مقاصد الشرع.

خامسًالا بدّ كذلك من معرفة عادات العرب أيام نزول الوحي؛ لأن القرآن نزل مراعيًا عُرْفَهم في الخطاب.

سادسًايَنْبَغِي بذلُ الْجُهْدِالكبــير في نشر العربية بين المسلمين الذين لا يعرفونها، وتقويتـُها بين الذين يعرفونها، فهذا مِنْ خير ما يُعِيْنُـهم على فهمٍ أفضلَ للقرآن والسنة والعلوم الإسلامية.

سابعا: وجوب الاهتمام باللُّغة العربية وحسن توظيفها؛ لأنَّها تمثِّل الهوية الحضارية للأمة الإسلامية.

ثامنا: كل استهدافٍ أو طعن في اللغة العربية فهو في حقيقته استهدافٌ للقرآن، ومن ثمَّ لهوية المسلمين وحضارتهم.

تاسعا:فهم القرآن الكريم متوقِّف على فهم لغته التي نزل بها؛ ففهمه وتدبُّره واجب، لكنه لا يتم إلا بفهم لغته، وما لا يتم الواجب إلاَّ به - كما يقول الأصوليون - فهو واجب،

و هنا أود أن لن يغيبَ عنكم الهدف المُهِمُّ و لأجل ذلك أُوَجِّهُ انتباهَكم إلى أن أن نكون مركزا نابضا للغة العربية كلغة الأدب الكلاسيكي ولغة حديثة حيوية مع إمكانات كبيـرة من البحث في لغة عالية الجودة و غنية جدا للتنمية الاقتصادية والأسواق و المتاجر في جمون و كشمير و خارجها ان شاء الله.

وكذلك نود في المستقبل أن نركز على البحث المعياري للكشف عن التـراث الأكاديمى ،من أجل توطيد علاقاتنا مع العالم العربى.و من ناحية أخرى، توفر اللغة العربية الحديثة فرص عمل كبيـرة ومتنوعة للباحثين الشباب  في العالم كله.و لذلك يجب علينا أن نركز على التدريب الفعال للطلاب و الباحثين  لنمكن لهم وصولهم إلى ارتفاعات تطلعاتهم في سوق العمل في الوقت الحاضر و  حيث قيل عنها: انها نشأت وترعرعت بين أحضان التجارة.

ولذلك يدعو كاتب هذه السطور كل محب العربية الغيور علىها أن يبادر إلى الإسهام فى تطوير اللغة العربية و تنميتها و دعم المشاريع الخاصة بالنهوض باللغة العربية التي تحتاج إلى مبالغ طائلة، لا يستطيع شخص وحده أن يفي بها و على المثقفين والمعلمين و الجامعيين فحسب بل على جل واحد منا مسؤل عن خدمة هذه اللغة الشريفة و تنميتها و تظويرها البيت و جعل الجيل المسلم المتسلح بأصول اللغة وحب هذه اللغة، علينا كلا هدف واحد فهو نشر الوعي بين المجتمع المسلم على وجه الخصوص و توعية الجيل الجديد على وجه العموم حتى يكبـر وفي قلبه حب اللغة ومعرفة من هم أعداء هذه اللغة الذي يحاولون مسح وجودها أو تهميشها و ليس الكلام في الأمر بأن الهدف صعب الوصول ولكن مع الإصرار و العزيمة القوية يصبح الأمر سهلا  ليس بالصعب مادمنا نعقد النية ونحرص على اتخاذ خطوات متقدمة نحو هدفنا النبيل الذي أصبح بين متناول أيدينا الآن فقط يجب علينا أن نضع هدفنا نصب أعيننا لنتمكن من الوصول إليه بأسهل وأقصر الطرق لنكون قادرين على التواصل بشكل أفضل ونحصل على فرصة عمل أفضل بما يمكننا من الوصول إلى الهدف بفضل الدافع الدفين الذي يختبئ بداخلنا.و ليس هناك صعب لابد أن نبدأ رحلة ألف ميل بالخطوة الأولى من اليوم فلنبدأ ونتوكل على الله وهو حسبنا على كل من كادنا من أعدائنا لا بد أن نُسَلِّحَ أنفسنا بحب كلام الله ونسلح بيوتنا و معاهدنا و مراكزنا و فيه يكون صلاح المجتمع الذي يتكون منه الشعب المتكلم باللغة العربية والله تعالى اعلم والحمد لله رب العالمين.

وآخردعوانا أن الحمد لله رب العلمين،وصلى الله على أفصح العرب و العجم سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.



[1] د.كمال بشر، اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم، ط. دار غريب، القاهرة: 1999م، (ص54).‏

 

 المستشار الألماني الأسبق Willy Brandt [2]

 اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة هي العربية والصينية والانكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية[3]

[4] سورة مريم آية 97

[5] الرسالة للإمام الشافعي صـ84

[6] أيضا 54

[7] فتاوى ابن تيمية، الجزء الثالث عشر، ص 217.

[8] اقتضاء الصراط المستقيم  للإمام ابن تيمية صـ 469

[9] الموافقات 5/ 53

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو