لغة الضّاد

في عيون السلف الصالح و المستشرقين

 

رئيس التحرير

الحمد لله رب العالمين، منـزل الكتاب بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على خيـر خلقه أجمعين، معلم البشريَّة الخير، ومُخرِج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه إلى الصراط المستقيم .

يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي

"ما ذلَّتْ لغةُ شعب إلا ذلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمره في ذَهاب و إدبار"

جئنا بكلمة في هذه المقالة الوجيزة لنضع بين يدي القارئ الكريم لـــ  "مجلة التلميذ" مجموعة نقاط أساسيَّة، تدور حول اهتمام السلف الصالح باللغة العربية، كي  يتضح لنا الجميع حِرْص السلف الصالح على اللسان العربي الفصيح، و تحدَّثنا  فيه عن الآثار الواردة عنهم في حبِّهم للغة العربية، واهتمامهم بها، وحثهم على تعلُّمها، و كما سنذكر بعض آراء المستشرقين حول اللغة العربية .

اللغة العربية انزل الله بها كلامه المجيد القرآن الكريم وسعته لفظاً وغاية وحافلة بالماضي المشرق بأدبها وثرائها وخصوبتها،يحتم  علينا أن نحرص على أن تصبح لغتنا الإسلامية و الدينية أوفى ما تكون بحاجات العلوم والفنون كما كانت منذ قرون وكما يشهد ذلك تراثها العلمي العظيم حيث إنها لغة حضارية راقية واسعة مستوعبة لكل جديد وبنيت على أصل يجعل شبابها خالداً فلا تهرم ولا تموت وأن تحيا لغة الضاد قوية دفاقة عذبة مرنة مهيمنة كسابق عهدها على جميع الميادين تطلب بها ومنها العلوم والمعارف والآداب والفنون وكل ما تقوم به وعليه الحضارة الإنسانية المعاصرة فشرف الأمة المسلمة في رقي لغتها و وجدت من بيان اللغة العربية معنى لا ينضب فيما يتسع بما آتاها الله من غزارة العلم حيث فاقت كثيراً من اللغات بكثرة المفردات والاشتقاق والتضاد والترادف والنحت والاستعارات والكنايات والقياس والمجازات وشتى الأبواب تحمل من تراث الإنسانية أجلّه وأكمله واتسعت لحضارة بلغت مبلغاً عظيماً وجاءت في آدابها بالمعجزات حيث تملك رصيداً ما زالت الأجيال تجتـره وتمتح من معينه، ولا ننسى في هذا المقام رجالاً  لتاريخنا المشرق أعطوها نصيباً وافراً وخدموها خدمة الأبناء الأبرار و قالوا عنها وتحدثوا عن أسرارها ببيان رصين من أبنائها البـررة و روادها ومن المستشرقين الذين يظهرون به فضل اللغة وإعجازها

 

                و لا يخفى على أي مثقف أهمية اللغة العربية بين لغات العالم حيث إنها لغة الوحي والقرآن اختارها الله تبارك وتعالى وعاء لكلامه عز وجل لتكون وسيلة لإيصال الرسالة الربانية إلى الناس كافة، وفيها من الفصاحة والبلاغة ومن السعة والمرونة والحيوية ليس لغيرها من اللغات، وفيها من خصائص وميزات ليست لغيرها من اللغات، وهي لغة الجنة ولغة عدد من الأنبياء ولغة أفضل الرسل -صلوات الله عليهم أجمعين- وهي أول لغة في العالم اليوم يتعبد بها، وإضافة إلى ذلك تدل الاحصائيات أن اللغة العربية هي الثالثة اقتصاديا بعد الانجليزية والصينية، فلأجل هذه الأهمية البالغة نعرض فيما يلي بعض أقوال العلماء المسلمين و المستشرقين تتكلم عن أهمية اللغة العربية وفضلها و وجوب الاعتناء بها وتعلمها، و كثيـر من العلماء يعد تعلُّمَها واجبا على المسلم؛ لأنها أداة الدين، ولا يَصِل أحد من البشر إلى فَهْم هذا الدين فهمًا صحيحًا إلا عن طريق هذه اللغة الغراء، ومن القواعد الفقهية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وفَهْم الدين لا يكون إلا باللغة العربية؛ لذا فتعلُّمها واجب على كل مسلم، وقد حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك أشد الحرص، حتى إنه سمع رجلاً يَلحَن فقال: ((أرشدوا أخاكم))؛ (كنـز العمال، 1989م، رقم الحديث 2809) وفي رواية "فقد ضل".

1: قال أبو عمرو بن العلاء كان يقول: "لَعِلمُ العربية هو الدين بعينه، فبلغ ذلك عبدالله بن المبارك، فقال: صدق؛ لأني رأيت النصارى قد عبدوا المسيح لجِهْلهم بذلك، قال الله تعالى في الإنجيل: "أنا ولَّدتُكَ من مريمَ، وأنتَ نَبِيـي"، فحسبوه يقول: أنا ولَدتك، وأنت بُنَيي، بتخفيف اللام، وتقديم الباء، وتعويض الضمة بالفتحة، فكفَروا"؛ ((معجم الأدباء، 1: 10)

2: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم". (المفصل في أحكام الهجرة 4/135)

3: قال الامام الشافعي: "إنّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها، وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها، ووقف على مذاهبها، وفَهِم ما تأوّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من  ". (تهذيب اللغة: الأزهري1/ 5(

4: قال شيخ الاسلام ابن تيميّة رحمه الله: "فإنّ الّلسان العربي شعار الإسلام وأهله، والّلغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون".(اقتضاء الصراط المستقيم ص 203)

5: قال ابن تيميّة رحمه الله: "وما زال السّلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات وهو التكلّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: "مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه" مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام". (الفتاوى 32/255)

6: قال ابن تيميّة رحمه الله أيضا: "اعلم أنّ اعتياد اللغة يؤثّر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيراً قويّاً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهةِ صدرِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والّتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ، وأيضاً فإنّ نفس الّلغة العربّية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنّ فهم الكتاب والسنّة فرضٌ، ولا يُفهم إلاّ بفهم الّلغة العربّية،وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب".(اقتضاء الصراط المستقيم ص 207(

7: وقال أيضا رحمه الله: "معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السّلف يؤدّبون أولادهم على الّلحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الّناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً". (الفتاوى 32/252)

8: قال ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله: "وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم الّلغة وعلم العربّية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها ... (الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص 7)

9: يقول الثّعالبي في كتابه "فقه اللغة وسرُّ العربية": "إنّ مَن أحَبَّ اللهَ أحبَّ رسولهُ، ومن أحبَّ النّبي أحَبَّ العَربَ، ومَن أحبَّ العربَ أحبَّ اللُّغة العربيّةَ التي بها نزلَ أفضلَ الكُتبِ على أفضلَ العجمِ والعربِ، ومَن أحبَّ العربيّةَ عُنيَ بها وثابرَ عليها، وصرفَ هِمَّتهُ إليها".

10: يقول الامام البنا في توصياته: "اجتهد أن تتكلم العربية الفصحى فإنها من شعائر الاسلام".

11: قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: "ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلاّ ذلَّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمرُ لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ".(وحي القلم 2/33-34)

12: قالت المستشرقة الألمانية زيفر هونكة:"كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة ومنطقَها السليم وسحرَها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة، فلقد اندفع الناس الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلمون اللغة العربية بشغفٍ، حتى إن اللغة القبطية مثلاً ماتت تماماً، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد". (مجلة اللسان العربي 24/86 عن كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب)

13: قال المستشرق الفرنسي رينان: "من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها، ولم يُعرف لها في كلّ أطوار حياتها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ، ولا نكاد نعلم من شأنها إلاّ فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبارى، ولا نعرف شبيهاً بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملةً من غير تدرّج وبقيت حافظةً لكيانها من كلّ شائبة". (مجلة اللسان العربي 24 /85)

14: قال الفرنسي جاك بيـرك: "إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية، وقد كانت هذه الكلاسيكية العربية عاملاً قوياً في بقاء الشعوب العربية".(الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي ص 304 (

15: قال الأستاذ ميليه: "إن اللغة العربية لم تتراجع عن أرض دخلتها لتأثيرها الناشئ من كونها لغة دين ولغة مدنية، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المبشرون، ولمكانة الحضارة التي جاءت بها الشعوب النصرانية لم يخرج أحد من الإسلام إلى النصرانية، ولم تبق لغة أوربية واحدة لم يصلها شيء من اللسان العربي المبين، حتى اللغة اللاتينية الأم الكبرى، فقد صارت وعاءً لنقل المفردات العربية إلى بناتها". (الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي ص 303 -304(

                هذا غيض من فيض من أقوال العلماء أوردناها لنقف على أهمية اللغة العربية ونهتم بها، لأن الاهتمام بها وتعلمها والمعرفة بها من صميم الدين حيث إنها من شعائر الاسلام، ولا يمكن أن نفهم الكتاب والسنة إلا بمعرفتها فمعرفتها واجب ديني وفرض كفاية كما صرح به العلماء، فلماذا لا نعتز بها وهي لغة إسلامنا وهي هُويتنا، وكل أمة تعتز بلغتها وإن لم تكن لغتها من اللغات الراقية، واللغة العربية من اللغات الراقية بل من أرقى اللغات إطلاقا، فلابد أن نشمر عن ساق الجد لتعلمها وفهمها ثم نشرها وترويجها في مجتمعنا وبلادنا، الله يوفقنا جميعا.

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو