شيخ النقاد محمد مندور

1907 – 1965 م

الدكتورة نورأفشاں[1]

noorafshan69@gmail.com

يعدّ الناقد المصري الراحل الأكاديمي والباحث محمد عبد الحميد موسى مندور من رواد النقد الأدبي الحديث في العالم الأدبي لما بذله من مجهودات مقدّرة في المجال الأدبي و النقدي، ومع إسهاماته النقدية، التـي لم تقف على النقد وحده، بل نقد النقاد أيضا كما ظهر في كتابه "النقد المنهجي عند العرب"، 

الدكتور محمد مندور الذي جمع بين أصالة التراث وعمق الثقافية الغربية، وكان له دور واضح في نقل الكثير من الآراء والأفكار النقدية الغربية من الأدب الفرنسي خاصة الى الأدب العربي وضمّنها في معظم كتبه الكثيرة، وكانت له آراؤه الواضحة في كل ما نقله وحلله من نصوص أدبية، عربية كانت أم غربية.

قال جهاد فاضل:

"سألت الدكتور شكري عيّاد مرة عمّا إذا كان يعتبر أستاذه الدكتور طه حسين مؤسس النقد العربي الحديث، أم الدكتور محمد مندور، وهو من تلامذة الدكتور طه حسين أيضاً، فأجابني أن الدكتور محمد مندور هو بالفعل مؤسس هذا النقد. "أما طه حسين فقد كان عبارة عن بلبل غرد تطربنا نغماته لا أكثر ولا أقل"[2]

ولد الدكتور محمد مندور سنة 1907م في قرية تحمل اسم عائلته (كفر مندور) بمديرية الشرقية ـ شرقي الدلتا(1). وكان قد درس في كتاتيب القرية حتى الثامنة من عمره، انتقل بعدها الى المدرسة الابتدائية، ويقال انه تلقّى دراسته الثانوية بمدرسة (طنطا) في وسط الدلتا(2)، حيث اتم هذه الدراسة سنة 1925م، السنة التي افتتحت فيها أول جامعة حكومية في مصر، وكانت تضم آنذاك كليات: الآداب، الحقوق، والعلوم فقط.

وقد رشّحه لدكتور طه حسين لبعثة دراسية في باريس، وحصل منها على البكالوريوس في اللغات والآداب الكلاسيكية، مع دبلوم معهد الأصوات اللغوية، ودبلوم في الاقتصاد والتشريع المالي، وهذه سمة للطلبة المصريين أن ينوّعوا في الاختصاصات للفائدة الشخصية (1930 ـ 1939) ثم أكمل دراسة الدكتوراه تحت اشراف الدكتور أحمد أمين حول رسالته (النقد المنهجي عن العرب)، فعيّن الدكتور مندور مدرساً في كلية الآداب، ولكن بحوثه ودراساته ومقالاته الجريئة أثارت نوازع العقاد وسيد قطب والأب انستاس ماري الكرملي ومحمد خلف الله، وهذا ما كان قد جمعه في كتابيه ـ بعدئذ ـ (في الميزان الجديد) و(نماذج بشرية)، وعند افتتاح جامعة الاسكندرية سنة 1943م نقل اليها.

وقبل أن أذكر شيئاً عن منهجه، فلابد لي أن اعطي نشرة تقريبية بما كتبه هذا الناقد خلال سني حياته، وهي قائمة ببليوغرافية بمؤلفاته ومترجماته:

1 ـ النقد المنهجي عند العرب 1943.

2 ـ في الميزان الجديد، 1944.

3 ـ نماذج بشرية، 1944.

4 ـ في الأدب والنقد، 1949.

5 ـ مسرحيات شوقي، 1954.

6 ـ خليل مطران، 1954.

7 ـ ابراهيم المازني، 1954.

8 ـ ولي الدين يكن، 1956.

9 ـ اسماعيل صبري، 1956.

10ـ جولة في العالم الاشتراكي، 1957.

11ـ الأدب ومذاهبه، 1957.

12ـ مسرحيات عزيز اباظه، 1958.

13ـ قضايا جديدة في أدبنا الحديث، 1958.

14ـ الثقافة وأجهزتها، 1958.

15ـ مسرح توفيق الحكيم، 1961.

16ـ المسرح (1959)، 1963.

17ـ النقد والنقاد المعاصرون، 1963.

18 ـ الأدب وفنونه، 1963.

19ـ في المسرح المصري المعاصر (مقالات بين 58 ـ 1965)، 1971.

20ـ الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما (د.ت).

21ـ الشعر المصري بعد شوقي، (د.ت) 30ج.

22ـ فن الشعر، (د.ت).

23ـ المسرح النثري (د.ت).

24ـ دفاع عن الأدب لـ(جورج ديهاميل)، (1948) مترجم.

25ـ من الحكيم القديم الى المواطن الحديث (مترجم)، بوجلين (1949).

26ـ نزوات مريان والليالي، لـ:الفرد دي موسيه، 1959، (مترجم).

27ـ مدام بوفاري، لـ: فلوبير، 1960 (مترجم).

28ـ منهج البحث في الأدب واللغة، لـ: لانسون وما يين، 1964، (مترجم).

29ـ في المسرح العالمي، (مترجم) (د.ت).

30ـ تاريخ اعلان حقوق الانسان، لـ: ألبير بايين، (د.ت) (مترجم).

ومن مجمل هذه الكتب يمكننا أن نعرف عن الأراء النقدية للاستاذ محمد مندور بين الشعر و الادب و من الملاحظ في مقاييسه النقدية و أحكامه أنها تتنوع و تتبدل أحيانًا في مراحل عمره المختلفة، ولعل السبب في ذلك نشوء تيارات نقدية مختلفة ألقت بظلالها علي النقد والنقاد؛ إضافة لذلك فإن الناقد و بمرور الزمن و كثرة اطلاعه ومناقشاته المختلفة تظهر عنده بعض الأفكار والمفاهيم، و هي قد تختلف عما كانت عليه في مقتبل عمره، لذا فإن أحكامه ومقاييسه النقدية لا تكون ثابتة بل تتغير. وعلي أية حال سنستعرض فيما يأتي مقاييس مندور النقدية، والمناهج النقدية التي تأثر بها و دعا إلى تطبيقها في النقد.

و تطرق الأستاذ مندور للنقد اللغوي، فيذكر أن اللغة هي المادة الأولية للأدب، وهي خلق فني، وهذا النقد اللغوي يتطلب معرفة صحيحة بتاريخ وتطور دلالات الألفاظ وبخاصة الصفات والألفاظ العاطفية والمعنوية، وذلك لأنه إذا كانت أسماء الماديات ثابتة فإن المعاني المعنوية والعاطفية دائمة التحول. ويذكر أن مبلغ الحرية التي يستطيع الكاتب أن يتحرك في حدودها مهمة جدًا، لذا فهو يرى أنه من الخير التزمت النحوي عند نقاد الكتَّاب الناشئين حتى لا يخفون جهلهم خلف بلاغة مدعاة، ويرى أنه يباح الخروج علي القواعد لكبار الكتَّاب الذين لا يعدلون عنها إلا عن قصد وبينة، لأن أمثال هؤلاء يحتج بهم علي اللغة[3].

و يطالب مندور الناقد بأن يتـرك أسلوب الذاكرة، ويرى أنه يجب محاربة هذا الأسلوب، لأن الكاتب الذي يكثر من استخدام التعابير المحفوظة التي طال استعمالها لا يوصف إلا أنه كاتب مصاب بالكسل العقلي، ومن واجب الناقد أن يضطره دائمًا إلى أن يبحث ككاتب عن تعبيره هو وعن فكرته بدلا من أن يلجأ إلى استعارة ذلك التعبير من الماضي . و يري أن أسلوب الكاتب يمزج عادة بين مادة الفكر ومادة الإحساس، ولا يصح للناقد كما لا يصح للكاتب أن يجعل من المادتين مبدأين مختلفين، فالكتابة الجيدة هي ما يمر فيـها الفكر بالإحساس والإحساس بالفكر، حتى ليصح أن يقال إ ن الكاتب الجيد يفكِّر بقلبه ويحس بعقله[4].

ويذهب مندور إلي أن محاولة الفهم خير من محاولة التفسير، وعلي أساس هذا الفهم يستقيم النقد أو يعوج، وأن الكثير من النقد الوصفي لم ينجح في أداء رسالته لعجز أصحابه عن كل فهم صحيح لنفوس من ينقدون بل روح العصر أو الأدب الذي يعرضون له. فالمرء لا يستطيع أن يتذوق الأدب اليونانيمثلا- ما لم يبدأ فيخلق لنفسه روحًا يونانية قديمة بقراءة ما خلَّفوا من آثار أدبية وتاريخية، حتى يتشبع بروحهم فتتداعي خواطره وإحساساته علي نحو ما كانت تتداعي عندهم[5].

و  وجدنا  أن مذهب مندور النقدي قد مر بعدة مراحل، تختلف بعضها عن بعض باختلاف المؤثرات من حوله : و هو يقول بنفسه عن منهجه قائلا :

" لم يتكون مذهبي في النقد نتيجة لدراساتي الأدبية في مصر والخارج وحدها، بل اشتركت تجاربي في الحياةأيضًا- في تكوين هذا المذهب، ولذلك يصح القول بأنه قد تطور مع اتساع تجاربي في الثقافة والحياة شيئًا. فشيئًا علي مر الأيام وعلي ضوء مزاولتي الفعلية للنقد"[6]

وأول منهج نقدي عند مندور في بداية حياته هو المنهج الذوقي التأثري ، حيث يذكر أن أقدم منهج للنقد ظهر في التاريخ القديم قد كان المنهج التأثري، وقد ظل قائمًا وضروريًا حتى عهده ذاك، وكل ما طرأ عليه هو أنه قد أصبح يعتبر مرحلة ضرورية وأساسية وأولية في النقد، ولكنه ليس النقد كله ولا يمكن الاكتفاء به والوقوف عنده، بل يجب أن تتبعه مرحلة أخري تفسر وتبرر التأثيرات التي نتلقاها عن العمل الأدبي بأصول ومبادئ موضوعية عامة، حتى نستطيع أن نُقنع الغيـر بسلامة تأثراتنا وصدقها وشرعيتها[7].

يذكر مندور أن منهجه ذوقي تأثري، وذلك علي تحديد لمعاني تلك الأشياء،

" فالذوق ليس معناه النـزوات التحكمية، وجانب كبيـر منه ما هو إلا  رواسب عقلية وشعورية نستطيع إبرازها إلى الضوء وتعليلها، وبذلك يصبح الذوق وسيلة مشروعة. من وسائل المعرفة التي لدى الغي[8]"

و يذكرالأستاذ مندور أن أساس النقد الأدبي لا يمكن إلا أن يكون التجربة الشخصية، وأن كل نقد أدبي لابد أن يبدأ بالتأثر، وذلك لأنه لا يمكن الاستغناء عن الذوق الشخصي والتجربة المباشرة لإدراك حقيقة ما إدراكًا صحيحًا. ويذكر أن النقد الأدبي في أدق معانيه هو فن دراسة الأساليب وتمييزها، وذلك علي أن نفهم لفظة الأسلوب بمعناها الواسع، فليس المقصود بذلك طرق الأداء اللغوية فحسب، بل المقصود منحى الكاتب العام وطريقته في التأليف والتعبيـر والتفكيـر والإحساس. كما يذكر أن اعتماد النقد على التجربة الشخصية لم يمنع من ظهور مذهبين كبيـرين أحدهما النقد الذاتي أو التأثري، والآخر النقد الموضوعي. ويعرف النقد الذاتي بأنَّه النقد القائل بأن الأدب مفارقات وأن التعميم فيه خطر، وأن جانبًا كبيرًا من الذوق لا يمكن تعليله، ولابد أن يظلَّ في النهاية غير محول إلى معرفة تصح لدي الغير. وعلي العكس من ذلك النقدالموضوعي: الذي يقول بأن الأصل في كل نقد هو تطبيق أصول مرعية، وقواعد عقلية لا تترك مجالا لذوق شخصي أو تحكم فردي، وليس معنى النقد الموضوعي أن هذه القواعد تطبق آليًا، وإنما العبرة باستخدامها. وهنا تظهر المقدرة الشخصية، وهكذا يدخل العنصر الشخصي في النقد المسمى الموضوعي، كما أن العنصر العقلي الذي لابد منه لتدعيم الذوق يكون الجانب الموضوعي في النقد الذاتي[9].

من الخطوات الأولى في منهج مندور التأثري تعريفه للأدب، حيث يعرف الأدب بأنَّه " العبارة الفنية عن موقف إنساني، عبارة موحية". ويذكر أن كلَّ أدب هو قبل كل شيء صياغة لموقف إنساني، وأن بين الأمرين رابطة وثيقة، إذ في تلك الصياغة يتركَّز موقف الكاتب مما أمامه من عالم النفس، أو عالم الطبيعة، وفي الصيغة التي يختار ينساب ذلك العنصر الشخصي الذي يميز الأدب عن التفكير المجرد، فهو يضيف إلي موضوع مشاهدته عنصرًا من نفسه، أو يتلقى منه عنصرًا، ومن تمازج العنصرين تخرج الصور التي تحقق وحدته النفسية أو تصل بينه وبين

العالم الخارجي، وأن لتلك الصور قدرة علي الإيحاء. ويذكر أن عناصر هذا الأدب ثلاثة قد اتحدت في وحدة متينة هي وحدة الفن، والعناصر هي:

1 - عبارة فنية.

2 - موقف إنساني

 3- قوة إيحاء.[10]

وجاء الأستاذ مندور بالذكر أن أكبـر نقص في الأدب العربي هو بعده عن الإلفة، فهو قلَّما يهمس، وذلك لضعف الإخلاص فيه وغلبة الجهارة عليه سواء في الصياغة أم في التفكير، لذا فإن كثيرًا من الكتَّاب في حاجة إلى التواضع بل إلى السذاجة ليأتي أدبهم مهموسًا على نحو ما أتت معظم الآداب الخالدة.  و دعوته للأدب المهموس هي إحدى المرتكزات التي استند عليها في منهجه النقدي التأثري. ويؤكِّد على ذلك بقوله: "فنحن بحاجة إلى أن نهمس. نحن في حاجة إلى التواضع الإنساني الأليف القريب إلى النفوس. نحن في حاجة إلى أدب إنساني صادق مخلص.[11]

ويتحدث عن الأدب المهموس، فيذكر أن الهمس في الشعر ليس معناه الضعف، فالشاعر القوي هو الذي يهمس فتحس صوته خارجًا عن أعماق نفسه في نغمات حارة، ولكّنه غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده، إذ تبعد به عن النفس، عن الصدق، عن الدنو من القلوب و يذكر أن الشعر المهموس أكثـر ما يظهر عند شعراء المهجر وذلك لأنهم قد يكونون من بلاد تحرك مناظرها الجبلية من الخيال