جامو وكشمير بين الأيام و التاريخ

 سجادأحمدالندوى [1]

جغرافية جامو وكشمير:

اشتهرت جامو وكشمير عبر العالم بجمالها الطبيعي الرائع الخلاب وهي عبارة عن الجبال المتسلسلة السحاب ذات القمم المثّلجة، والهضاب الساحرة، والغابات الكثيفة ذات أشجار الصنوبر الرائعة، والجداول الراقصة الصافية، مائها صفاء الثلج، والشلالات الزيارة المرعية، والأنهار الهدارة الهادئة، والعيون المتفجرة، والبحيرات المتعددة الحاضنة كثيرة من المائية، وأنواع كثيرة من الأشجار النادرة مثل الصفصاف والدلب والحور.

                والجبال الرواسي تتكلم بالسماء وتقبلها والسماء كاسقف على الأرض والجبال أعمدته، فالسماء الزرقاء والأرض الخضراء والأنهار الجارية الصافية تكلم فضلاً عن إنسان فصيح اللسان وشاعر اللسان أو لسان شاعر.  

                إذا شاهد إنسان الحقولَ الحضراء والحدائق ذات زهور مختلفة الألوان، وتزقزق العصافير فيها، وتغرد الطيور بأصوات تتكلم بفطرة الإنسان وروحه، فإن هذه المشاهد والأصوات تنزل فى القلوب كالأمطار من السماء في الأرض الجدبة، فكلما كانت فطرة الإنسان عالية تأتي بشيئ يفوق جميع جمال المادة، حتى أن الأرض الجدبة تتفجّر أنهاراً، وتنبت نباتاً.

                لا شك أن الحياة الكشميرية وبما فيها من متع وزخارف وجمال طبيعي ومعالم جغرافية مميزة والآلام ومخاوف ومصائب ومتاعب ومشاكل إلى كل من الجهات لها صلة كبيرة بالوضع الإنساني الحاضر والدابر والعالم المعاصر والسياسة الخسيسة الهندية والباكستانية تعمل دائماً لإشباع رغباتهم المفرطة كما أن فيها دروساً عظيمة للعالم الإسلامي الذي يتهيأ اليوم للوتوب والإنطلاق للتعويض عما فاته عبر القرون الماضية المتلاحقة وأخذ يبصر نهاره الساطع وراء السُحب الداكنة والدخان المتصاعد من الفتن والثورات والآلام والمشاكل وآثارها العميقة فى نفوس الأجيال الكشميرية ولكن أحب أن أقول: إن الحياة الكشميرية على ما هي عليه منذ ثلاثين سنة ماضية ليست وليدة المصادفة ولا مفقودة النسب بل أنها قامت على أساس النوايا الغامضىة والعزائم الخشية من قبل الحكومة الهندية والباكستانية ورجال السياسة المدمرة الخادعة التى حطموا إلى أن انتمت إلى جذور القضية التى وجوهما ودلسوا تاريخها تدليساًكئيبا، ورثتها خلقياً وفكرياً ولها مقومات ونظريات خاصة لا يمكن إهمالها وإعراضها عنها كما فعل بعض زعماء الهند وباكستان والآن نحن على موقف الدراسة النقّية والمعانات النفسية والذهنية.

                لا شك فى أن الصراع الطويل بين العلم والدين وبين السكان الكشميرية والسياسيين الهنود والباكستانيين دفع سكانها دفعاً قوياً إلى الأخذ بالأساليب المختلفة فى حياتهم وأجبر على السكان أن يتخذوا وسائل عنيفة لا تحبها نفوس السياسيين الهنود والباكستانيين أيضاً، لأن هذا الصراع لا يمنح لسكان هذه الولاية أن يجدوا قُوة يومهم بسهولة وإذا وقع الخلل بينهم وبين قُوة يومهم على الأقل اضطروا إلى اتخاذ وسائل العنف الشديد والدوافع  المرهقة المضنية وأظن أنهم على حق بعد تحمل المشاكل المتنوعة الباهظة التى كانت أقدر على طاقة تحملهم بل أنها قد حثتهم وحرضتهم وهيئتهم للتفاني فى سبيل مقاومة العداء الدائم وسد باب السياسة المتعصبة المليئة بالأحقاد القومية ضد أهالي الكشمير وسكانها للتخلص منها وللوصول إلى التحرير.

                وظلت هذه النزعة تنمي على مرّ من الأيام حتى آل بها الأمر إلى ما نراها عليها الآن فى هذه المنطقة الملتهبة المشتعلة المضطربة وليس كل ذلك طبيعياً وواقعياً لا محالة ولكن هيّتها الأيادي التى لها أثرها البالغ في خلق جوا الحقد والضغينة والبغضاء ناسية حق الشعب الكشميري والوعود الخلابة عند تقسيم شبه القارة الهندية ومراعاته ونتيجة لذلك الظلم والغصب تدهورت الأوضاع والأحوال فى المنطقة طامعة فى استرداد الحقوق المختلفة من الأيادي الحقيقية، فاضطربت النفوس ووقع الاضطراب الهائج واختلط الحابل بالنابل وبدأت الحرب التى لا تنتهي كما تتجلي معالم هذه النكبات والكوارث والخراب والدمار في حياة ولاية جامو وكشمير منذ بدأ هذا الصراع الغاشم إلى اليوم. [2]  

كانت ولاية جامو وكشمير فى بداية  سنين القرن التاسع عشر منقسمة في الأقاليم الصغيرة المعروفة ب"دوغرة ديس"، وكانت إمارة كل قرية على حدة وظلت ولايات وأقاليم كثيرة لا يأتي عليها الحصر ظاهرة وبارزة على صدر دوغرة ديس إلى القرون فى الأوضاع المضطرية والطوائف الملوكية، كانت ثغورها الأنهار والقنوات والغابات والقطارات الجبلية والعيون، وما كانت من القبائل قوية وتعمم رئيسها وزعيمها العمامة الكبيرة وآخذ بيده عصا طويلة والقرى الكثيرة تابعة له أصبح يقال له رئيساً لها حتى قامت الولاية باسمه ومن تلك الولايات المسيطرة من أمثال جامو وكشتوار، راجوري، بسوهلي، لكن معظم حكامها وأمرائها ورؤسائها كانوا جابرين وظالمين ومتعصبين بشعوبهم وأعداءاً لأجيالهم وما كان أحد منهم مؤثر ولا له علاقة ولا رغبة في تكوين القوانين الحكومية حول ترشيد الأمن والأمان والسلام، وكان الناس في أقاليم دوغرة ديس البالغ عددها إلى 22 (اثنتين وعشرين يعذّبون فى أنواعاً من المصائب والآلآم.

                يكتب نرسنغ داس نرغس فى كتابه "دوغره ديس" أن ولاية جامو وكشمير التى أسسها الأمير المعروف ب"مهاراجا غلاب سنغ فى سنة 1846م كانت ممتدة إلى 08400 ميل مربع وتمت إتفّاقية بين غلاب سنغ والإنجليز في 1846م وانضمت حسب هذه الاتفاقية التاريخية ما كان عدد من الولايات اكثر من أحدى عشرة ولاية، حدّها إلى "راوى" وهو نهر شهير فى الولاية مثل كانفرا مندي وما إلى ذلك من الولايات، إلى المناطق الإنجليزية، إن المناطق المتوسطة للولايات هى بين نهر "راوي" و"جناب وما كانت من وراء "جناب" إلى "بونج" من الأقاليم التى استقل بها غلاب سنغ كانت من حسن حظه مشتملة على جبال بائيس راجغان فقد وحد غلاب سنغ، جامو، باهو، سانبة، جسروته، منكوت، بدرواه، بسوهلي، كلنفور، بدرواه، جنيني، رياسي، أكنور، دليت فور، راجوري، بونج، كوتلي، ميرفور، بمبرو، كري كريالي.

وحدّها بقوة ساعديه وتدبيره لانظير له وأقام ولاية وسيعة باسم جامو وكشمير إنضم إلى لداخ بلتستان فى 1842م وفى 1846م وادي كشمير إليها، وقد اعترفت حكومة لاهور السيخية والإنجليز بأن الأمير غلاب سنغ هو حاكم مستقل حرّ لولاية جامو وكشمير خلال هذه المدة بناءاً على بلاط لاهور ووفق معاهدة الشركة الشرقية الهندية للاهور ومعاهدة أمرتسر، وكان شخصيته أول أمير متوج لولاية جامو وكشمير المتحدة في الهند شخصية فذة، فريداً وحيداً للقرن التاسع عشر فى الهند وبسط نفوذه وارسي دعائم حكومته المستقلة الفذة النادرة بشجاعته وتملكه على السياسية على مناطق لم تكن مجتمعة على علم واحد أخيراً أصابت الأمير غلاب سنغ حُمىّ فى 1857م، وساءت صحته يوماً فيوما رغم مجهودات الأطباء الكبار المهرة المكثفة الطائلة وانتقل ذلك الإنسان المنفرد الممتاز إلى مستقره الأبدى الذي ظل طول حياته نموذجاً عملياً واضعاً كَفَنَهُ على كتفيه فى معظم أموره ومهماته والذي رأى الموت عن كثب مرات وكرات بل أحبّه كالعروس إلى أن انتقل إلى ذمة الله فى سرينغر في أغسطس 1857م.[3]

                وقرر بعد موت الأمير غلاب سنغ إبنه الثالث الأمير رنبير سنغ، بألقاب "  Grand Commander of The Most Order of the star of India” حاكماً مطلقاً لولاية جامو وكشمير وكان شغوفاً ومولعاً بالعلم فقد أسس كثيراً من المدارس والكتاتيب. أأأا 

                وبعده استولى على العرش الملك برتاب سنغ (1885-1925م)، وتوقفت الأعمال المرهقة والجبرية بالرجال الذين كانوا بائسين كائبين فى الحكومة السابقة، وفى عصره اتصلت السكك الحديدية براول بندي، وأُسّس الشارع BC فى عصره ذلك، وأيضاً أسّس الملك برتاب سنغ مشروع "مهراكهربائية".

                وبعد الملك برتاب سنغ عُيّن هري سنغ (1925-1949م)، رئيس الوزراء وألزم على المواطنين التعليم الأساسي فى عصره، وفتح المدارس حوالي 22728 فذاع التعليم الأساسي فى جميع ضواحى المملكة وفي عصره سنة 1938م، أُفتتحت البنوك أيضاً.[4]

رسالة جواهر لال نهرو:

                في برقية بعث بها نهرو إلى رئيس وزراء بريطانيا بتاريخ 25/10/1947م: "أن كشمير- كما تعلمون – تربط من الناحية الشمالية بحدود مشتركة مع ثلاث دول هي أفغانستان، والاتحاد السوفيتي والصين" وهو ما يجعل أمن جامو وكشمير أمراً حيوياً لأمن الهند خاصة وأن الحدود الجنوبية الكشميرية مشتركة مع الهند وباكستان فمساعدة مهرجا جامو وكشمير إذن واجب يمثل مصلحة قومية للهند" أن ولاية جامو وكشمير منطقة حيوية بالنسبة لأمنها نظراً لأن الطريقين الرئيسين وشبكة السكة الحديدية فى شمال شرق بجانب تجري محاذية لكشمير لذا فإن احتلال الهند لولاية جامو وكشمير يثمل تهديداً مباشراً لباكستان وخاصة أن فيها ثلاثة أنهار تعتبر المغذي الرئيسي للنظام الزراعي فى باكستان تصب كلها من ولاية جامو وكشمير، وقد لفت الأستاذ ظفر الله خان وزير خارجية باكستان إلى هذه الأهمية فى قوله: "إن إلحاق ولاية جامو وكشمير بالهند لا يمكن أن يضيف شيئاً كثيراً إلى اقتصاد الهند أو أمنها الاستراتيجي، بينما يمثل أمراً حيوياً لباكستان فإذا ما انضمت الولاية إلى الهند فإن باكستان سواء من الجانب الاستراتيجي أو الاقتصادي إما أن تصبح جزءاً خاضعاً لسلطة الهند أو ينتي وجودها كدولة ذات سيادة مستقلة".  [5]

                وبعيداً عن هذه التعليلات السياسية والاستراتيجية للقضية فإن المحرك الرئيسي لسياسات أطراف النزاع يكمن فى "صراع النظريات" الذي نشب بين نظرية الشعب الواحد ونظرية الشعبين وهو ما عبر عنه نهرو بصراحة حينما قال: "إن الأمر لايتعلق بولاية جامو وكشمير بل بصراع أعمق من ذلك بكثير يقف فى العلاقات الباكستانية- الهندية ويجعل الوضع خطيراً جداً فنحن لا نستطيع أن نتجلي عن أهدافنا الأساسية التى حملناها طويلاً والتى تعتبر أساس دولتنا". [6]

                يعود تاريخ القضية الكشميرية إلى أكتوبر 1947م عندما قامت الهند بإنزال قواتها في الولاية تاركة وناسية أساس تقسيم شبه القارة الهندية ومتخذة من الوثيقة المزورة باسم الملك للولاية آنذاك "هري سينغ" مبرراً لاجتياح الولاية وضمها بالقوة على الرغم من أن هذا الضم الإجباري يخالف قرار تقسيم شبه قارة جنوب آسيا الذي أقرته الهند وباكستان وقام على أساس فكرة "الأمتين" وهو ما يعني أن المسلمين فى شبه القارة الهندية ليسوا جزءاً من القومية والحضارة الهندوسية وإنما أمة مستقلة بذاتها لم تبن على أساس جغرافية وإنما على العقيدة الإسلامية. 

                وطبقاً لهذه الفكرة جاءت تقسيم شبه القارة الهندية الذي نص على أن المناطق والولاية ذات الأغلبية المسلمة ستكون ضمن إطار الدولة الباكستانية فيما ستضم الولايات والمناطق ذات الأغلبية الهندوسية للدولة الهندية التى ستقام على أسس علمانية، حيث أنها ستضم طوائف وديانات أخرى وعلى هذا الأساس قام المسلمون الذين يقطنون الولاية ذات الأغلبية الهندوسية بالهجرة إلى موطنهم الجديد وتعرضوا خلال سفرهم وتنقلهم إلى محن ومآسن كثيرة وكان أخطرها المذابح التى تلقوها على أيدي الهندوس والأسياخ في طريقتهم إلى باكستان، ولكي نقف على الأبعاد والتطورات الحقيقية لقضية كشمير لا بد من الوقوف على تاريخها القديم والحديث وجذروا الصراع والجهود السلمية المبذولة من قبل الدولة المعينة والموقف الدولي إزاء تلك القضية المتجددة ومبادئ القضية وآفاق التسوية.

                وفي17 تموز 7194م أصدرت البرلمان البريطاني فى قانون استقلال الهند الذي أنهي الحكم البريطاني لها وتم تنفيذ القرار في 15 آب من العام نفسه وترك لمئات من الإمارات والولايات حق الاختيار بينهما غير أن ثلاث إمارات لم تتخذ قراراً بهذا الشأن هي حيدرآباد وجونا غار جامو وكشمير ثم قرر حاكم جونا غار المسلم أن ينضم إلى باكستان رغم وجود أغلبية هندوسية في الإمارة وأمام معارضة هذه الأغلبية لقرار الحاكم دخلت القوات الهندية الإمارة مبررة تدخلها بأن سكان الإمارة هم من الهندوس وبالتالي لا يجوز لحاكمها الانضمام إلى باكستان طبقاً المبادئ التقسيم وأجرت استفتاء انتهت بانضمامها إلى الهند وحدث الشي نفسه في ولاية حيدرآباد حيث أراد حاكمها المسلم أن يظل مستقلاً بإمارته ولم تقره الأغلبية الهندوسية في الولاية على هذا الاتجاه فتدخلت القوات الهندية في 13 أيلول 1947م، ما جعلها ترضخ للانضمام إلى الهند.

                وتبقي ولاية جامو وكشمير وهي الولاية الثالثة التى كانت في وضع مختلف فغالبية سكانها من المسلمين وحاكمها الهندوسي المهراجا هري سينغ حاول أن يؤجل قراره ولكن التوتر كان يزداد وتعرض لضغوط كبيرة من الهند اضطرته أخيراً إلى أن يوقع صك الانضمام في تشرين الأول 1947م متجاهلاً أغلبية المسلمة في الأنضمام إلى باكستان وبالتالي القواعد البريطانية السابقة في التقسيم، لقد أثار قرار "المهراجا" اضطرابات أهلية فأرسلت الهند جيشاً إلى ولاية جامو وكشمير وكان هذا العمل نقطة التحول لبداية هذه القضية الخطيرة التى ارتكبتها وبدأتها الحكومة الهندية يعني أنها وضعت بنفسها قاعدة لحل مشكلة هذه الولايات الثلاثة ونقضتها بنفسها وابتلعت الحلو بشره عجيب وبصقت المربحقد غريب، إن لم ترتكبها لم يكن الأمر على ما هو عليه الآن ولكنها اقترفت هذا الذنب العظيم فلذا بدأت الأمور تتعقد وتتجعد فحصلت بينها وبين الكشميريين والجنود الباكستانيين مواجهات أسفرت عن احتلال الهند لثلثي الولاية وتدخلت الأمم المتحدة فى النزاع وأصدر مجلس الأمن قراراً في 13 آب 1947م ينص على وقف إطلاق النار وإجراء استفتاء الإقليم ولكن هذا القرار لم يعمل به وأخيراً وبناء على اقتراح تقدمت به الأمم المتحدة لتقسيم الولاية على طول خط وقف النار العام 1949م ولا تزال الأمم المتحدة تراقبه وذلك بالرغم من القرارات التى صدرت عنها عام 1950م ثم في عام 1951م والتى تنص على حرية مصير الشعب الكشميري وسيتحدد مستقبل شعب جامو وكشمير لرغبات السكان والمواطنين بإجراءات استفتاء عام تحت عام رعاية الأمم المتحدة.

                ومن جانبها حاولت الهند أن تمتص الضغوطات التى كانت تمارس عليها فأقرت في الدستور الهندي عام 1950م بما يسمح لجامو وكشمير بحكم ذاتي أوسع من غيرها من الولايات الهندية ولكن هذا لم يتحقق فعلاً بالرغم من تعهد زعماء الهند الأوائل وعلى رأسهم رئيس الوزراء الراحل جواهر لال نهرو فى أكثر من مناسبة بحق شعب ولاية جامو وكشمير فى تقرير مصيره كان أبرزها خطابة فى 2 كانون الثاني 1952م الذي قال فيه: "إذا قال شعب إقليم جامو وكشمير بعد إجراء استفتاء عام لا نريد أن نكون مع الهند فإننا سنقلبه على رغم ما قد يسببه لنا من ألم ولن نرسل أي جيش ضده أو سنقبل ذلك مهما آلمنا وسنغير الدستور إذا قتضى الأمر" إلا أن أيا من هذه القرارات الدولية أو التعهدات الهندية لم تنفذ طوال أكثر من ستة وستين عاماً، وفى السنوات الواقعة ما بين 1947م و1965م كانت الهند تمارس سياسة داخلية تجاه سكان الولاية ما جعلهم يصابون بخيبات كثيرة، لاسيما أن نيو دلهي أخلت بوعودها بإجراء انتخابات حرة ونزيهة حيث أنها قامت بعملية تزوير واسعة لضمان وصول حكومة مؤيدة في جامو وكشمير أضف إلى ذلك إخلالها بالوعد لذي قطعته نيو دلهي للزعيم السياسي الشيخ محمد عبد الله قبل اربعة عقود فى الإستقلال الذاتي مقابل موافقته لدعم إحتفاظ الهند بكشمير ولكن هذا الوعد لم ينجز الآن.

حرب 1965م:    

                وعاد التَوتُّر مجدداً بين الدولتين فى العام 1965م حيث حاول الرئيس الباكستاني آنذاك دعماً للمقاتلين الكشميريين لكن الأحداث خرجت عن نطاق السيطرة وتابعت الأحداث بصورة دامية لتأخذ كل قتال مسلح بين الطرفين على طول الحدود واستمر الصراع لمدة 17 يوماً والتى لم يحقق فيها أي من الطرفين نصراً حاسماً وانتهت الجهود الدولية بعقد معاهدة وقف إطلاق الناربين الجانبين فى الثالث والعشرين من أيلول فحاولت الأمم المتحدة التدخل بقوة لإيقاف الحرب بين الطرفين وعقد فى طاشقند مؤتمر للمصالحة بين الدولتين فى قانون الثاني لعام 1966م، أفضي إلى تأجيل مناقشة قضية جامو وكشمير إلى وقت آخر ولكن توفى رئيس الوزراء الهندي شاسترى مفاجأة اثناء رحلة فى تاشقند انتهي المؤتمر إلى الفشل. 

حرب 1971م:

                لكن الإيقاف لم يلبث طويلاً بل عاد مجدداً بين الهند وباكستان فى 1971م على باكستان الشرقية "بنغلاديش" فى مُحاولة إنفصالية واستطاعت الهند أن تحقق نصراً حاسماً على باكستان تمحض عنه قيام بنغلاديش فى باكستان الشرقية الأمر الذي أدى إلى حصول تغيرات جوهرية فى نمطية التفكير الاستراتيجى العسكري الباكستاني والهندي على حد سواء بدأت الدولتين المحاورة إثر ذلك مفاوضات سليمة اطلقت عليها "اتفاقية شِملة" فى تموز 1972م، اعترفت فيها الدولتان بأن "جامو وكشمير" هى منطقة محتلة عليها واتفقتا على احترام خط التحكيم القائم على حدود ولاية جامو وكشمير إلى أن يتم التواصل تسوية نهائية.

انتفاضة 1989م:

                اندلت انتفاضة مسلحة فى ولاية جامو وكشمير على إثر الانتخابات 1987م لعبت بنتائجها على نطاق واسع ومنعت "الجبهة الإسلامية المتحدة" التى كانت تتمتع بشعبيه واضحة من تحقيق الفوز بالوسائل الديمقراطية فاحتج هؤلاء الشعبيون على التزوير فى الانتخابات الذي دفع السلطات الهندية إلى اعتقالهم فقرروا فى اجتماع داخل سجن سرينغر فى نيسان 1987م انتهاج سبيل الكفاح المسلح، حاولت الهند تحطم الانتفاضة من مشمولاتها وباكستان بأنها هى المحركة الأساسية لهذه الانتفاضة ولكن هذه المزاعم دحضت من قبل المراقبين الأجانب والصحافيين الهنود الذين تحدثوا عن الدوافع التى أدت إلى الانتفاضة ولكن الاعتراف الأهم جاء من وزير الدفاع الهندي الذي حسم هذا الجدل وأزال كل ما من شأنه أن يشكك من دوافع الانتفاضة الداخلية وذلك فى محاضرة له ألقاها فى جامعة هارورد فى الولايات المتحدة عام 1991م حين قال: "هناك اعتقاد الواسع النطاق بأن أيادي خارجية تقف وراء أحداث ولاية جامو وكشمير كل مرة بالإشارة إلى باكستان باعتبارها المسئولة عما يحدث لكنني أعتقد أن التدخل للأيادي الخارجية فى قضية هذه الولاية، فنحن أي الهنود الذين ضعونا مشكلة لولاية جامو وكشمير وإذا جعل الأخرون ينتفعون من الوضع فلا اعتقد أنه يجب أن نصنع من هذا الأمر قضية تشغل البال".

دوافع الانتفاضة:

                يعود سبب اندلاع الانتفاضة إلى دوافع عديدة لعل من أهمها:

                . حرمان الحكومات الهندية شعب جامو وكشمير من أية  مشاركة سياسية وذلك بتنصيب حكومات عاجزة مثل حكومة شيخ عبد الله التى تسمي بالحزب القومي ومن طريق التلاعب بنتائج الانتخابات وهذا الشعور بالحرمان السياسي كان عاملاً أساسياً فى إشعال فتيل الأزمة فى العام 1989م.

. المارسات التعصبية والتعسفية الهندية بحق شعب كشمير والإخلال بالعهود والمواثيق التى تعهدت بها الحكومات المتعاقبة فألغت العمل بقانون الحكم الذاتي لشعب جامو وكشمير الذي أصدره الدستور الهندي فى مادته 370، والذي لم يكن نتاجاً هندياً ذاتياً بل أقرته تحت وطأة الضغوط بهدف تهدئة الأوضاع فى الولاية فى الفترة الساخنة التى تلت قرار ضم ولاية جامو وكشمير بالقوة ولذلك حاولت الهند التملص منه وإقضاء عليه أنها مارست ضغوطاً على القيادات الكشميرية بتفويض الحكمة المركزية فى نيو دلهي كثيراً من الصلاحيات التى تمنحها هذه المادة لحكام الولاية مثل حق التمتع بدستور خاص وانتخاب رئيس الوزراء، فسلبت بذلك كل الصلاحيات التى كانت من حق المجلس الدستوري الكشميري مثل حقوق المواطنة والحقوق السياسية وسلطة المحكمة العليا وتقسيم السلطة.

                اقامت الهند بممارسة عميقة بحق شعب ولاية جامو وكشمير وانتهاك حقوق الإنسان حيث أصدرت مؤسسات حقوق الإنسان الدولية من جرائم الحرب التى ارتكبتها القوات الهندية فى هذه الولاية المحتلة والتى ترابط فى جامو وكشمير ويتجاوز عددها 500 ألف جندي، يشكلون حوالى نصف الجيش الهندي.

                تتابع الهند فى ولاية جامو وكشمير سياسة اقتصادية اتخذت مساوات غير متكافئة تنتبح منها ارتفاع معدلات البطالة بين سكان الولاية هى ما اعترف به جورج فرناديز فى محاضرته عن قضية جامو وكشمير حين قال: "إن مشكلات الكشميريين تتبح أساساً من ضعف النمو الاقتصادي الذي أعاقه الفساد والرشاوي ويمكن ذلك فى معدل البطالة المرتفعة والأهم من ذلك غياب انتخابات حرة ونزيهة"، والحجر فى سُبل الأوضاع الاقتصادية على رغم من أن الغالبية المسلمة تصل نسبتها لأكثر من 70/ فى المائة إن نسبته 57، 3 في المائة من الوظائف العليا تمنح لغير المسلمين- اعتمدت الهند سياسة دينية وثقافية متعالية غلبت فيها المعايير والقيم الهندوسية على القيم الإسلامية حيث أنها قامت بتغيير المناهج الدراسية وإلغاء  تدريس اللغتين العربية والفارسية وتشويه التاريخ الإسلامي وإيقاف تدريس القرآن الكريم ما ترك أثراً سلبياً عميقاً فى نفوس المسليمن، فانهارت نظرية "الشعب الواحد" وأدركت العلماء والرجال المتحمسون فى الولاية خطورة هذه السياسة وأثرها المدمر فى نشئ جيل جديد فقاموا بإنشاء مئات المدراس الدينية ولكن الحومة الهندية ما لبثت أن منعت هذه المدارس من القيام بنشاطاتها فى العام 1983م لوقف هذا المد الإسلامي وأصبحت القضية تُذيح فى العالم للحصول على الاستقلال أو الاندماج مع باكستان بل تحركتها أيضاً دوافع سياسية وعلائق جغرافية وحضارية حتى تغلغت فى نفوس الشباب فى الولاية.

الهوامش

·        .1مشكلة كشمير احتمالات النزاع المسلح، جمال الدين محمد على، مجلة السياسية الدولية، العدد: 108.

·        .2النزاع الهندي و الباكستاني حول أقليم كشمير، باهر السعيد، العدد 107، يناير عام 1992م.

·        .3كشمير 4 عام بانتظار تقرير المصير، حسن أمين، مجلة العام اللندنية، العدد 12، 13، 313، عام 1990م.

·        .4أماثل كشمير، للدكتور محمد مظفر حسين الندوي،بيت الحكمة الندوية شاهمدان كالوني عيدكاه بسرينغر 2004م.

·        History of Jammu and Kashmir. (upto 1947) Raghunath Rai.5.

·        .6تاريخ دوغره ديس، نرسنغ داس نرغس، مطبع جاند بريس جمو، طبع ينايرعام 1947م. 

·        .7شيخ محمد عبد الله، آتش جنار، على محمد ايند سنز سرينغر 1985م.

·        .8رشيد تاثير، تحريك حريت كشمير، ج/3، محافظ ببليكيشنز سرينغر.

·        .9محمد غوث جوهان، جمو كى يادين، لاهور 2003م.

·        10.بى جى رسول، كشمير 1947م مملكت كى أخري دن، كشمير بك فاؤنديشن سرينغر 2001م.

·        .11ماهنامة،شبستان" شيخ محمد عبد الله نمبر نئ دهلي 1967م.

·        12.ماهنامة، شمس بري، دسمبر 1994م شمس بري ببليكشن سرينغر.

·        .13محمد مقبول ساحل تنازعه كشمير تاريخ كى آينه مين، وطن ببليكيشن 2001م.

·        14بى جى رسول، مسئله كشمير كى تاريخي اصليت، على محمد ايند سنز 2013م.



باحث فى قسم اللغة العربية بجامعة بركت الله بوبال  [1]

[2] . The Hindu: 23, Aug 1997.            

3` تا ريخ دوغراديس108]

[4][4][4][4][4][4][4][4][4][4] . History Of Kashmir (upto 1947) p: 244. Raghunath Rai.

[5]  مجلة السياسية الدولية- العدد- 108..

[6]  نفس المصدر.

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو