مسیرة الأخذ والعطاء والاستفادة والدفاع

بــیــن

سید قطب وعباس محمود العقاد

د.عنايت الله واني الندوي

عاش سید قطب حیاة أدبية طویلة، تعرف فیھا علی كثیـر من الأدباء في بداية حیاته، فقد أقام عند خاله الأدیب الصحفي أحمد حسین عثمان، وعمره أربعة عشر عاما، وتعرف من خلاله علی أستاذه في الأدب والسیاسة عباس محمود العقاد، وامتدت صلته بالأدباء والمفكرین أكثـر من ثلاثین سنة، اتصل بھم والتقی معھم، ووافقھم أو خالفھم، وأیدھم أو عارضھم، سار معھم أو اصطدم بھم وجرت له مع بعضھم مناقشات طویلة واشتبك مع بعضھم في معارك أدبية.

إن اھتمام سید قطب الأدبي والنقدي قد غط مساحة طویلة من عمره، قاربت خمسة عشر عاما، فقد تعرف علی معظم الأدباء والكتاب، تعرف علیھم تعرفا فكریا، ولیس تعرفا شخصیا .

وكان بینه وبین بعض الأدباء صلات وثیقة متینة، كعبد القادر حمزة، أحمد حسن الزیات، توفیق الحكیم، عباس خضر، محمود أبو الوفاء، طاھر أبو فاشا، الدكتور طه حسین، أحمد زكي أبوشادي، توفیق الحكیم، إبراھیم عبد القادر المازني، یحي حقي، محمود تیمور، الدكتور محمد مندور،عبد الحمید جودة السحار، أحمد أمین، عبد المنعم خلاف، علي الطنطاوي، أنور المعداوي، نجیب محفوظ وغیرھم .

وإن كانت صلته وعلاقاته مع كثير من الإدباء ولكن من الأدباء الذین توثّقت صلته بھم وطالت وترك أثرا كبیرا علی سید: عباس محمود العقاد.

مسيرة سید قطب وعباس محمود العقاد 

كانت صلة سید بالعقاد في وقت مبكر من حیاته، فما أن وطئت قدماه أرض القاھرة حتی بدأ یتعرف علی ما فیھا، ومن فیھا،حتی وجد نفسه في مكتبة العقاد الضخمة، وأمام شخصية العقاد المؤثرة .

إن خال سید ’’ أحمد حسین عثمان ‘‘ ۔ الذي تربطه بالعقاد صلة أدبية سیاسية حزبية ۔ ھو الذي عرف ابن أخته الفتی علی الأدیب الكبیر، ومن یومھا تتلمذ التلمیذ علی الأستاذ الأدیب .وكان للعقاد تلامیذ كثیرون، من الشعراء والأدباء والكتاب، من أمثال : محمد خلیفة التونسي، وعبد الرحمن صدقي، وأحمد مخیمر ۔۔۔ ولكن سید قطب كان أبرز وأشھر وأنشط وأذكی تلمیذ في المدرسة العقادية .
وبینما ذاب تلامیذ آخرون في شخصية أستاذھم العقاد، وتحولوا إلی مجرد شارحین لأفكاره وقطعوا أشواطا في الأدب، ولكن سید قطب تمتع بشخصية قوية مستقلة، لم تذب في شخصية أستاذ.

ولكن قد غالی سید قطب مغالاة ملحوظة في نظرته للعقاد وحدیثه عنه، ولقد مرت علیه فترة طویلة وھو لا یری في سماء الأدب إلا العقاد، ولا یلمس إلا جوانب من عبقرية العقاد، ولا یتذوق إلا شعر العقاد!! فالعقاد عنده ھو الأدیب العالم، والفیلسوف المفكر، وأشعر شعراء العالم، وكل أدباء وشعراء العرب لا یساوون شيئا إذا قورنوا به! واعترف بذلك سید قائلا: ’’ أنا لا أنكر أنني شدید الغیرة علی ھذا الرجل، شدید التعصب له، وذلك نتیجة فھم صحیح لأدبه، واقتناع عمیق بفطرته، لا يؤثر فیه أن تجف العلاقات الشخصية بیني وبینه، في بعض الأحیان‘‘[1] .

سید یدفع ثمن دفاعه عن العقاد

لقد وقف سید إلی جانب العقاد سنوات طویلة ودافع عنه في كل مجال، وبكل وسیلة، دافع عنه في كتبه ومقالاته ومحاضراته، وندواته وجلساته وأحادیثه .

وقد استفاد سید من صلته بالعقاد ومن دفاعه عنه، عندما كان العقاد في بحبوحة العیش، وفي انسجام مع حزب الوفد، الذي كان یملك الكثیر في ذلك الوقت، استفاد سید من العقاد الشھرة والذكر والنبوغ، حیث قدمه العقاد إلی مجلات الوفد وصحفه ورجاله، فشارك سید في ذلك بفاعلية وھمة ونشاط .

ولكن العقاد خرج علی حزب الوفد، وھاجمه بشدة، فحاربه رجال الحزب في كل مجال، وبكل وسیلة وحاربوا تلامیذه، وصار الكتاب ینفضون عن العقاد، وأصبحوا لا یجرءون علی مدحه، والكتابة عنه في الصحف والمجلات .

أما سید قطب، فقد كان وفیا لأستاذه، حیث وقف معه في محنته، واستمر یدافع عنه، ویھاجم خصومه.وقد دفع سید ثمن ھذا، یحدث عن الثمن الذي دفعه بقوله:

"أما الدفاع عن العقاد فیكلفني التعرض لغضب الكثیرین من ذوي النفوز في ھذه الوزارة ۔ وفي كل وزارة۔ ومن بینھم كثیر من رؤساءي، في وزارة المعارف نفسھا، لأن العقاد رجل لم تبق له قولة الحق صدیقا من السیاسیین، وكثیر ممن یظھرون صداقته یكنون له غیر ذلك لأنھم ینفسون علیه شموخه واعتداده بنفسه وتعالیه علی الضرورات .ویكلفني خصومة الأدباء من المدرسة القدیمة والحدیثة علی السواء، فأما أولئك فسبب سخطھم معروف، وأما ھؤلاء فلأنھم ینفسون علی العقاد أن یعطیه ناقد بعض ما یستحق من تقدیر، ومن لا یعرف ھذه الحقیقة، فأنا ۔ وقد أتاحت لي الظروف الاطلاع علی داخليةكثیر من الصحف والأدباء ۔ أعرف ذلك، وأعرف أن الكلمات التي یقدّر فیھا العقاد، لا تجد طریقھا سھلا للظھور في الصحف علی اختلاف أھواءھا ونزعاتھا السیاسية، واختلاف المترفین علیھا من الأدباء وغیر الأدباء .

ویكلفني خصومةكثیر من ناقصي الرجولة ۔ وھم أعداء العقاد الطبیعیون ۔ وكثیر من ناقصي الثقافة، الذین لا یفھمون العقاد، فیحملونهتبعة عدم فھمه، ولا یكلفون أنفسھم عناء الدرس والثقافة !وكثیر من مغلقي الطباع، الذین یستغلقون أمام كل أدب حي .وكثیر وكثیر ممن يؤلفون أكثرية القراء في ھذا البلد المنكوب ۔۔۔ 

وقد یفھم ھؤلاء النفعیون، أن للعقاد الآن نفوذا ننتفع به، فلھؤلاء أقول: إن للعقاد نفوذا نعم، ولكنه لا یستخدمه في قضاء المصالح، وتنفیذ الأغراض ۔۔۔ وذلك بغض النظر عن طبیعتي الخاصة في الانتفاع بنفوذ الأصدقاء، ذلك الانتفاع الذي یبدو غیر مفھوم، حینما كنت أناصر العقاد وھو خصم الوزارات القائمة وأوقع علی ما أكتبه بإمضاءي الصریح ، في أحرج الأوقات۔۔"[2].

سید قطب ذو شخصیّة مستقلّة في صلته بالعقاد 

ما كان سید مجرد تابع للعقاد، ولم یكن ظلا للعقاد وقت الظھیرة ! ۔ كما اتھم صلاح ذھني ۔ ولم تفنِ شخصیته بشخصية العقاد .

لقد كان سید ذا شخصية مستقلة في صلته للعقاد وتعامله معه وتلقیه منه وتذوقه لأدبه .

كان العقاد وسید شخصین متمایزین، وشخصین مستقلین، یتفقان في كثیر من المسائل، لكنھما یختلفان أحیانا في بعض المسائل الأدبية والنقدية .

استمر سید في استقلالیته في فھم الأدب والشعر، رغم تلمّذه علی العقاد، وموافقته لأستاذه في كثیر من آرائه الأدبية والنقدية . ولكنه كان یعلن مخالفته للعقاد في بعض المسائل الأدبية والنقدية ویكتب ھذا في الصحف والمجلات، ولا یھمه إن رضي أستاذه العقاد أو لم یرض، المھم عنده أن یقول ما یعتقده، كان یكتب ھذه المخالفة وذلك النقد ویجھر فیه .

وقد ذكر سید لأحمد فؤاد الأھواني عن الصلة بینه وبین العقاد، باعتبارھما شخصین، یتمتع كل منھما بشخصية مستقلة وعن مخالفته لبعض آراء العقاد في الشعر والأدب : "حتی العقاد وصلتي بشخصه معروفة وصلتي بأدبه أوثق مرات من صلتي بشخصه ۔ ولو فھم الكثیرون غیر ھذا ۔ كتبت عنه في كل مرة بالعقیدة الفنية التي اعتقدھا .

وقد یبدو فیما كتبته أخیرا عن ’’العقاد الشاعر‘‘ في ’’ كتب وشخصیات‘‘ أنني أختلف معه في بعض الأحیان، علی تعریف الشعر وتذوقه، وعلی النظرة إلی العاطفة وأطوارھا .

ولكنه اختلاف الرأي والإحساس، الذي لابد أن یقع بین شخصية وشخصية، متی تبلورت الشخصیتان وظھرت معالمھما واضحة، ولو كانتا شخصیتي التلمیذ والأستاذ"[3].

بقي سید یبتعد عن المدرسة العقادية في الشعر والأدب والحیاة تدریجیا وینتقد فھم العقادیین للشعر والأدب في مناسبات عدیدة، ویخص بانتقاده أستاذ المدرسة ’’العقاد‘‘ كثیرا .

إلی أن أعلن خروجه علی المدرسة نھائیا، وانفصاله عنھا كلیا، ومخالفته لمنھج وفھم العقاد في الأساسیات والأصول .

نفھم ذلك جیدا خلال الفقرات الھامة الكاشفة التالية:

 "لقد آن لنا أن نفھم الشعر، لا علی طریقة مدرسة شوقي وحافظ والمنفلوطي، ولا علی طریقة مدرسة العقاد وشكري والمازني... 

فكلتاھما مرحلتان من مراحل التطور، قامتا بدوریھما في النھضة وآن أن یخلقھما فھم للشعر جدید!"[4]۔

أما إعلانه الخروج علی المدرسة العقادية، ففي قوله: "ولست أنكر فتنتي فترة طویلة من العمر بھذه المدرسةكفكرة وفتنتي بنتاجها الأدبي كشعر، وتأثري بھا، إلی الحد الذي أنفقت فیه شطرا من عمري، وأنا أقول الشعر، لا أفرق فیه بین الفكرة الجمیلة الشعرية، أعتنقھا مذھبا، والإحساس الجمیل الشعري ینبض به شعوري، ویعیش انفعالا غامضا في ضمیري" .[5]

بھذا یتبین أن شخصية سید قطب شخصية مستقلة احتفظ باستقلاله الشخصي، وقد اعترف بذٰلك قائلا: "وكانت شخصية العقاد ھي الشخصية الوحیدة التي أخشی الفناء فیھا ۔ كنت أحس ھذا بیني بین نفسي۔ ولقد ظلت ھذه الخشية إلی وقت قریب، حینما بدأت أشعر أنني قد تخلصت، وأنني أنتفع بالعقاد ولكني لا أقلده وأن لي طریقا ألمح معالمه، وأستشرف آفاقه، وأنني أتذوق بحسي وأنظر بعیني وأسمع بأذني، وإن كان للعقاد فضل التوجیه في الطریق العام ۔۔۔"[6].

العقاد یشید بسید فیما بعد 

افترقت طریق العقاد وسید، واتجه سید إلی الفكر الإسلامي والعمل الإسلامي، وانتمی إلی جماعة الإخوان المسلمین، وجری له ما جری من المحن، ووقف أمام الطواغیت والظلمة مواقف عظیمة، وبذل من التضحیات في سبیل اللّٰه ما بذل، وكان العقاد یتابع أخبار سید بإعجاب وإكبار .

یقول الدكتور الخالدي: "قد أخبرني الأستاذ محمد قطب أن العقاد في أواخر حیاته كان یشید ویثني علیه، ویبدي إعجابه به و إكباره له، لمواقفه الجھادية من الطواغیت، وتحدیه لھم وصبره علی ما یواجھه بسبب ذلك،كان العقاد یظھر ذلك في مجالسه الخاصة، ویخبر به خاصة زواره"[7].

نظرة علی المراحل المتطورة لصلة سید قطب بعباس محمود العقاد: 

سارت صلة سید بالعقاد في مراحل متطورة وھي كالتالي:

قد بدأت تلمذة من سید علی أستاذه العقاد، منذ بداية شبابه .

ثم تحولت إلی محبة عظیمة وإعجاب عظیم من التلمیذ بأستاذه .

ثم كان التلمیذ ’’مریدا‘‘ بكل ما تحمله كلمة مرید من معنی ۔لأستاذه۔ ثم وصلت بالتلمیذ المرید إلی اعتناق كل آراء أستاذه وأفكاره .ثم أصبحت للمرید استقلالية في فھم المسائل الأدبية والفكرية .

ثم سمح المرید لنفسه أن یخالف أستاذه في بعض المسائل الأدبية والفكرية .

ثم بدأ المرید یبتعد عن أستاذه ومدرسته في الأدب والشعر والحیاة .

ثم أعلن خروجه النھائي في مدرسة أستاذه السابق ومخالفته له .ثم جفوة الأستاذ لمریده السابق .

ثم سيرُكل منھما في طریقین مختلفین متوازیین في عالم الفكر والبحث .

ثم عودة سید قطب إلی وزن أفكار وآراء أستاذه السابق بمیـزان القرآن وتقویمھا علی أساس القرآن، وتصویبھا بنصوص القرآن، وبیان مخالفتھا لمقررات القرآن .

لقد بدأ سید حیاته تلمیذا ومریدا للعقاد، وختمھا رجلا قرآنیا متمیزا !!

المراجع والمصادر

·        سيد قطب الأديب الناقد والداعية المجاهد والمفكر المفسر الرائد، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، ط:1421/2000 دار القلم، دمشق

·        رائد الفكر الاسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب: حياته ومدرسته وآثاره، يوسف العظم،1400ه/1980 دارالقلم، دمشق

·        سيد قطب الأديب الناقد، د. عبد الله عوض الخباض، ط: 1983 مكتبة المنار، الزرقاء

·        سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، ط: 1401/1980 دار القلم، دمشق

·     عبقري الإسلام سيد قطب، الأديب العملاق والمجدد الملهم في ضوء آثاره وانجازاته الأدبية، د. بشير أحمد الكشميري، دار الفضيلة، القاهرة، تاريخ الطبع غير مذكور

·        شخصيات وكتب، الشيخ أبو الحسن الندوي، ط: 1410/1990 دار القلم، دمشق

·        فولاد ہے مومن (الأردیہ) د. محمد صلاح الدين العمري/ عبيد الله فهد الفلاحي، ہندوستان پبلیکیشنز دلهي

·        سيد قطب الشهيد الحي، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، ط:1401/1980 مكتبة الأقصى، الأردن

·        الإخوان المسلمون، كبرى الحركات الإسلامية، ط: 1955 دار بيروت للطباعة والنشر، القاهرة

·         



[1]سید قطب من المیلاد إلی الاستشھاد ص، 139-140 الخالدي

[2]سید قطب من المیلاد إلی الاستشھاد ص، 139-140 الخالدي

[3]مجلة الرسالة، المجلد الثاني، العدد: 683/6 أغسطس1946م، نقلا عن : سید قطب من المیلاد إلی الاستشھاد ، ص: 147-148، الخالدي

 

[4]مجلة الكتاب، المجلد الخامس، الجزء الثاني فبرایر1948، ص: 248، نقلاعن: سید قطب من المیلاد إلی الإستشھاد ص: 151، الخالدي

[5] المرجع السابق

[6]مجلة الرسالة، المجلد الثاني، عدد: 597/11 دیسمبر 1944، صفحات 1087-1988 نقلا عن: سید قطب من المیلاد إلی الإستشھاد ، ص: 144-145 الخالدي

[7]سید قطب من المیلاد إلی الإستشھاد ، ص: 157، الخالدي

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو