Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/IMG_20180325_114648.jpg

الاتجاهات والمناهج المعتمدة في تواريخ الآداب العربية والإسلامية

سيد علي حر كامونبوري*

توطئة : الإطار الببليوغرافي لتواريخ الآداب العربية والإسلامية

لا بد لمن أراد أن يتعرف على الاتجاهات والمناهج المعتمدة في كتابة تاريخ الآداب العربية والإسلامية وخلفياتها أن يلم بتاريخ العرب من العصر الجاهلي مرورا بالعصر الإسلامي والراشدي والأموي والعباسي والأندلسي وحتى سقوط الدولة العثمانية سنة 1924م. ولا شك أن هذه الفترة طويلة ومديدة، إلا أنه يوجد في مكتباتنا كتب ودراسات عديدة تغطي هذه المساحة الزمنية العريضة وتلقي الأضواء على ما جرى فيها من أحداث وتطورات على مستوى السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة.

ولعل من أحسن هذه الكتب وأوفاها بموضوعه ذلك الكتاب الشهير الذي ألفه المؤرخ اللبناني الكبير فليب حتّي (ت 1978م) وعنونه بعنوان History of the Arabs[1]، ومن الجدير بالذكر أن حتّي قضى عشر سنوات طوال في تأليف هذا الكتاب، ورغم أنه كان عالما مسيحيا عاش في الولايات المتحدة وحاضر في جامعاتها، إلا أن كتابه لا يخلو من إنصاف ملحوظ وميل إلى الموضوعية في معالجته لموضوعه.

ومن الكتب القيمة التي تعطى القراء صورة واضحة عن خلفية الآداب الإسلامية من خلال إماطة اللثام عن تاريخ الإسلام والمراحل التاريخية التي اجتازها المسلمون وما كان لها من آثار في تكوين وجهاتهم النظرية وصياغتها وظهور اختلافاتهم المذهبية وترسيخها ذلك الكتاب الذي ألفه المستشرق البريطاني هاملتون جب (ت 1971م)، وإن كان غير موفق في اختيار عنوان مناسب لكتابه فقد سماه Mohammedanism[2] على طريقة البريطانيين المستعمرين، وهو عنوان مثير للجدل وغير مرضي لدى المسلمين. ومعلوم أن البريطانيين المستعمرين دأبوا على استخدام لفظة "محمدن" (Mohammedan)  لوصف كل ما يتصل بالإسلام والمسلمين أو يمت إليهم بصلة، فكانوا يستخدمون لفظة "محمدن" مقام لفظة "مسلم"، ولذا كانوا يطلقون لفظة "المحمدين" على المسلمين، وكانوا ينعتون كل شيء له علاقة بالإسلام بنعت "محمدن"، ويكاد يكون هذا من خصائص الأدب الإنجليزي في عصر الاستعمار. فهذا ما دفع جب إلى أن يسمي كتابه بهذا العنوان الغريب، ونحن نرى أنه لا ينبغي لنا أن نعرض عن كتابه فقط من أجل هذه الغلطة التي تورط فيها  والتي لم يسلم منها أكثر معاصريه من المستشرقين البريطانيين، بل علينا أن نتجاوز هذا العنوان الخادع ونحاول الوصول إلى لب الكتاب متجنبين القشور، ومن يفعل هذا يجد أن الكتاب لا يخلو من قيمة علمية، فقد تناول المؤلف فيه موضوعات هامة فكتب عن انتشار الإسلام في الجزيرة العربية[3] وما جاورها من البلدان، ثم تحدث عن السيرة النبوية[4] وعن القرآن[5] والسنة[6] والشريعة الإسلامية[7]. كما خصص فصلا لبيان كيفية ظهور الفرق والطوائف في الإسلام[8]، وكتب بالتفصيل عن التصوف[9] وطرقه[10]، وختم كتابه بفصل يتعلق بموقع الإسلام في العالم الجديد[11]. ومهما يكن من شيء، فهو كتاب مفيد ينصح بقراءته ففيه فوائد جمة للباحثين وإن كنا لا نتفق مع كل ما جاء فيه.

وهناك كتاب آخر في هذا المجال يوصى بقراءته لجودة مضامينه وحسن مباحثه، وهو الكتاب الذي ألفه ويلفريد كانتويل سميث بعنوان Modern Islam in India[12]، وقد تحدث فيه عن الحركات العلمية في الهند ولا سيما الحركة التنويرية التي ترأسها السير سيد أحمد خان والتي تمخضت عن إنشاء الجامعة الإسلامية في علي كره.[13] وكذلك تحدث عن أعلام آخرين من مثل القاضي سيد أمير علي[14] والشاعر الهندي العظيم العلامة محمد إقبال[15]، وألقى بعض الأضواء على التيارات الفكرية الأخرى في الهند[16] بأسلوب رائق وممتع.

نبذة عن بداية وتطور فن تاريخ الآداب العربية والإسلامية

يعد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان (ت 1914 م) في طليعة الكتب العربية التي تناولت موضوع تاريخ الأدب العربي بالتفصيل وعلى نحو الاستقلال والإفراد بالتصنيف. ولا غرو أن الذين تناولوا هذا الموضوع فيما بعد تأثروا بهذا الكتاب وتكونت نظراتهم الأولى إلى هذا الفن بما جاء في هذا الكتاب إلى حد كبير. ومع أن جرجي زيدان له فضل الريادة في هذا المجال على مستوى الكتّاب العرب إلا أنه اعترف أن أول من اهتدى إلى التصنيف في تاريخ الآداب العربية على النمط الحديث هم الإفرنج المستشرقون[17]، وذلك في العصر الحديث، إذ لم يكن يعد علما مستقلا قبل ذلك.

فلما بدأ المستشرقون من الإفرنج يأخذون اللغة العربية بعين الاعتبار، شرعوا يؤلفون كتبا تتناول تاريخ آداب العرب، وأصبحوا بذلك الرواد الحقيقيين في هذا المضمار. ولذلك نجد أنه قد بات مقبولا بين أهل الاختصاص في هذا المجال أن المستشرقين هم السبّاقون إلى هذا العلم تأليفا وتحقيقا، وأنهم لعبوا دورا كبيرا في تأسيس أساسه ووضع أصوله ومناهجه.

ومما غرّز هذه الفكرة في الأذهان أن العرب القدماء لم يؤلفوا في تاريخ آدابهم كتابا يجوز أن يقال عنه إنه كتاب في تاريخ آداب العربية بمعناه المعاصر الذي اصطلح عليه الباحثون من أرباب هذا العلم. وصحيح أن العرب لم يعالجوا تاريخ آدابهم بشكل منهجي وموضوعي إلا في العصر الحديث، وذلك بعد أن اطلعوا على مؤلفات المستشرقين نتيجة للاحتكاك الثقافي الذي وقع بين الحضارتين العربية والغربية إثر حملة نابليون.

على أن جرجي زيدان أكّد في كتابه أن العرب كانوا أسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع[18]، واستدل على قوله بالإشارة إلى أن علماء العرب الذين ألفوا الكتب في تراجم أهل العلم  والفضل كانوا يذكرون أسماء الكتب والرسائل التي خلفها أولائك العظماء مع بيان موضوعاتها ومواصفاتها أحيانا. ثم قدم على سبيل المثال كتاب الفهرست لابن النديم (ت 384ه) باعتباره ذحيرة أدب وعلم تحيط بآداب اللغة العربية من أول عهدها إلى العصر الذي ألف فيه.[19] ولكننا نرى أنه لا يصح لنا أن نقول بأن ابن النديم كان يؤرخ للآداب العربية في كتابه الفهرست بالمفهوم الحديث لهذا العلم، لأنه لم يتطرق إلى وصف الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي واكبت ظهور الأعلام الذين ترجم لهم وذكر مصنفاتهم، ولم يرصد الاتجاهات والتيارات الجديدة التي فرضت نفسها على مسيرة الأدب، ولذلك لا يعدو كتابه أن يكون اسما على مسماه، أعني أنه لا يتجاوز كونه فهرسا ببليوغرافيا للمصنفات العربية مع تراجم مصنفيها إلى عصر المؤلف. ولسنا بهذا نبغي الحط من قيمة هذا الكتاب ولا تقليل قيمته العلمية والأدبية. كلا! إن هذا الكتاب مصدر مهم جدا لا يُستغنى عنه في معرفة الرصيد الحضاري والإنتاج الفكري للعرب والمسلمين، وهو من أمهات الكتب التراثية لما يتميز به من غزارة المادة التاريخية والعلمية ولما يتصف به من حسن التبويب والترتيب.

وقد ذكر جرجي زيدان أسماء كتب أخرى يمكن أن يقال على أساسها إن العرب سبقوا إلى التأليف في هذا الموضوع ، ولكنه عاد فيما بعد فاعترف أن مثل هذه الكتب لا يصح أن تعتبر تواريخا لآداب العربية بالمنعى المراد بالتاريخ اليوم، وإن كانت تعد من المآخذ الأساسية التي لا يُستغنى عنها لدرس آداب اللغة.[20] ولذلك نجده في آخر المطاف يقر أيضا بأنه لم يتصدّ للتأليف في موضوع تاريخ الآداب العربية على النمط الحديث أحد قبل المستشرقين من الإفرنج، فهم أول من كتب فيه حسب نظره. وعلى هذا الأساس، ادّعى زيدان أنه أول من صنف في هذا الموضوع وسمّى هذا العلم بهذا الاسم من بين العرب حيث عنون كتابه بعنوان تاريخ آداب اللغة العربية، وضمنه فصولا كان قد نشرها في مجلة الهلال.[21] وإنا لنحسبه صادقا في هذه الدعوى إذ لم تقع أنظارنا على كتاب عربيّ يحمل مثل هذا الاسم أسبق في الظهور من كتاب جرجي زيدان. وإذا صح هذا القول، فكتاب زيدان أول دراسة علمية موضوعية منهجية من نوعها لتاريخ الآداب العربية، وإليه يرجع الفضل في فتح هذا الباب على مصراعية في العالم العربي. ومهما يكن من شيء، فكتاب زيدان كتاب قيم يتميز بالشمولية والتوسع والتدقيق وحسن الترتيب.

وبعد صدور هذا الكتاب وانشاره في الأوساط الأدبية والدوائر الأكاديمية، أقبل الباحثون والنقاد على دراسة هذا العلم، وواصلوا التأليف والتحقيق فيه، فاشتهر من بينهم في القرن العشرين أعلام الأدب والنقد من أمثال الأستاذ أحمد حسن الزيات، ومصطفى صادق الرافعي، والدكتور طه حسين، وعمر فروخ، وحنا الفاخوري، والدكتور شوقي ضيف، وغيرهم ممن زوّد المكتبة العربية بأبحاث ودراسات علمية قيمة في هذا الموضوع مما أدى إلى ازدهاره وتشعبه في الآونة الأخيرة.

تعريف علم تاريخ الأدب العربي وأبعاده

لا شك أن لكل كاتب ومؤلف رأيه الشخصي وأسلوبه الخاص في تعريف هذا العلم وبيان أبعاده ومراميه، ولكل فضل، ولكننا نستنسب تعريف الأستاذ جرجي زيدان، فقد عرّفه على النحو التالي، قال : "آداب اللغة علومها..والمراد بتاريخ آداب اللغة تاريخ علومها أو تاريخ ثمار عقول أبنائها ونتائج قرائحهم، فهو تاريخ الأمة من الوجهة الأدبية والعلمية."[22] وإنما نستحسن هذا التعريف الوجيز من بين التعريفات العديدة التي قدمها المؤلفون لهذا العلم لأنه أبينها لفظا وأوضحها دلالة وأبلغها تعبيرا في رأينا. ويقول جرجي زيدان في موضع آخر: "نعني بتاريخ أداب اللغة العربية تاريخ ما تحويه من العلوم والآداب، وما تقلبت عليه في العصور المختلفة، أو هو تاريخ ثمار عقول أبنائها ونتائج قرائحهم."[23] وما نظن أنه أغفل أي جانب ذي بال في تعريفه الجامع.

وهناك تعريفات أخرى لا تقل جودة وشمولا، فمن ذلك تعريف الدكتور عمر فروخ الذي يقول : "أما تاريخ الأدب العربي فهو فن من فنون المعرفة يتعلق بتعاقب أعصر الأدب وبتطور الخصائص الأدبية مع الإلمام بسير الأدباء وبإحصاء إنتاجهم وبالتمييز بين خصائصهم."[24] ولو فوض إلينا أن نقدم تعريفا لهذا العلم لقلنا إن تاريخ الأدب العربي هو فرع من فروع العلوم والمعارف الإنسانية والثقافية يحاول أصحابها أن يؤرخوا للعصور الأدبية المختلفة التي مرّ بها الأدب العربي من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث مع توضيح السمات العامة لكل عصر وضم نصوص أدبية منه لتكون بمثابة مرآة تنعكس عليها نفسيات الأدباء واتجاهاتهم الفكرية مقرونا بشيء من التمحيص والتحليل لتلك النصوص وبيان مميزاتها وخصائصها اللفظية والمعنوية سواء كانت إيجابية أو سلبية (أي بيان ما لها وما عليها).

الغايات التي يرمي إليها مؤرخوا الآداب العربية والإسلامية ومناهجهم في الوصول إليها

قد حاول جرجي زيدان أن يبيّن أهمّ الأغراض والأهداف وراء دراسة هذا العلم في مقدمة كتابه، فمنها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود. وأول هذه الأغراض عنده "بيان منزلة العرب بين سائر الأمم الراقية من حيث الرقي الاجتماعي والعقلي"[25]، وهذه الفكرة وإن كانت في ظاهرها خالية من الإشكال إلا أننا نستشف في باطنها ما يقلق البال فلا يطمئن القلب إليه. والسبب في ذلك أننا نشم في هذا الهدف رائحة منكرة، وهي رائحة عقدة النقص أو الدّونية التي غرستها أيدى الاستعمار في أذهان الشرقيين بمعاونة المستشرقين الذين كانوا من أعظم حلفاء الاستعمار لما ادلهم ليله وأقبلت دولته.

ومن المعروف أن المستشرقين كانوا يعتقدون أن الغربيين هم أفضل من الشرقيين، وكانوا ينظرون إلى الشرق بعين الازدراء والاحتقار، فحاولوا أن يقلّلوا من شأنه ويحطّوا من قدره وينقصوا من فضله كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وتأثّر الشرقيون بهذه المحاولات التضليليّة لأنهم أضحوا يعبّون من آبار المستشرقين ويشربون من مياهها العكرة، فمنهم من استسلم أمام هجماتهم الفكرية واعتنق الانهزامية في الفكر والسلوك، ومنهم من اشتطّ إلى الضفة الأخرى فأخذ يتبجح ويتبختر ويغني بمفاخر آبائه وأجداده وأسلافه ورام دفاع ما لا يحتاج إلى دفاع متأثرا بمرض آخر، ألا وهو عقدة الاستعلاء والتفوّق، ولم يسلم من هذا الوباء الفكري إلا قليل من ذوي البصائر النافذة والمدارك النيرة والأذهان الثاقبة الذكية.

ولا نستثني جرجي زيدان من جملة من وقعوا فريسة لهذا الغزو الفكري فإنه أكثر من قراءة مؤلفات المستشرقين، فلا عجب أن أثر ذلك في منهجه وطريقة تفكيره وأسلوبه، ودفع قلمه إلى الوقوع في أخطاء بعضها منهجية وأخرى تاريخية. ولذلك نجد أنه يحاول في كتابه أن يدافع عن العرب وتاريخهم وثقافتهم حتى في الجاهلية الأولى وحمله ذلك في بعض الأحيان إلى أن يدعي للمجتمع العربي الجاهلي ما لم يكن له وأن يصف أفراده بما لم يكونوا متصفين به. وقد لخص الأستاذ شوقي أبو خليل في خاتمة دراسته المفصلة أهم المآخذ على جرجي زيدان، وقد أبرز فيها كثيرا من الأخطاء والأغلاط التي وقع فيها جرجي زيدان في كتاباته التاريخية[26]، فلا نطيل بالخوض فيها.

وتأثّر زيدان بقراءة آثار المستشرقين وبحوثهم هو الذيوَلَّدَ فيه رغبة لبيان "منزلة العرب بين الأمم الراقية" واعتبار هذه النكتة غرضا مهما من بين الأغراض المنشودة لدراسة تاريخ الآداب العربية أو للتأليف فيه. ونحن لا نستصوب هذا المنهج بل نرفضه لما يتوفر فيه من عناصر العصبية القومية التي لا تتوافق مع المنهج الإسلامي القويم للتعليم والتربية والتثقيف، فإن الإسلام إنما جاء ليلغي القبلية وليقضي على العصبية القومية، فعلّمنا النبي (ص) أن الناس خلقوا من أب واحد وأم واحدة – فلا فضل لعربيهم على عجميهم، ولا لأبيضهم على أسودهم إلا بالتقوى. وقد جاء في التنزيل العزيز قول الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[27])).

فبيّن الرب سبحانه أنه وزع الناس وقسمهم في هذه التقسيمات الاجتماعية المعروفة من قبيلة وشعب ليتعارفوا لا ليتفاخروا فيما بينهم. ولذلك نعتقد أنه لا ينبغي أن يكون الغرض من الدراسات التاريخية أو الأدبية إبراز منزلة قوم معين على حساب الأقوام الأخرى أو عقد مقارنة بين أمة وأخرى لإظهار فضل الأولى على الأخرى في أي مجال. ثم إننا لنتساءل : أي نفع يعود علينا إذا أثبتنا من خلال الدراسات العلمية المزخرفة والبحوث الأكاديمية المزركشة أن العرب أرقى أمم العالم في مجال الثقافة والأدب؟

ونستخلص من هذا أن من أراد أن يدرس آداب قوم أو أمة فليكن همه وغايته من دراسته كسب المعارف من سيرة تلك الأمة والاستفادة من تجاربها وحكمها – لا أن يتخذ هذه الدراسات وسيلة لإعلاء منزلة قومه وبيان فضله على حساب غيره. فهذه ملاحظتنا على الغرض الأول الذي ذكره جرجي زيدان، وهي تمثل النظرة التي نتبناها ونعتقد صوابها.

وأما الغرض الثاني الذي أشار إليه جرجي زيدان فهو معرفة ما تقلبت عليه عقول العرب وما أنتجته قرائحهم عبر العصور وما كان من تأثير الانقلابات السياسية والتطورات الاجتماعية والثقافية على آدابهم وما طرأت عليها من تغيرات باختلاف الزمان والمكان واختلاف الدول والعصور[28]، وهو غرض مقبول عندنا – بل نعتبره من أهم أغراض هذا العلم على الإطلاق. وكذلك ذكر زيدان أن من وظائف المؤرخ للأدب أن يقدم تاريخا لكل علم من علوم العرب على اختلاف أدواره من تكوينه ونشوئه إلى نموه ونضجه وتشعبه حسب العصور والأدوار[29]، وهذا غرض مهم ومفيد في نظرنا أيضا.

وأضاف زيدان إلى جانب هذه الأغراض غرضين آخرين هما في غاية الأهمية بالنسبة لدراسة هذا الفن، والأول هو تراجم رجال العلم والأدب وإحصاء آثارهم على نحو الإيجاز والإجمال مع الإشارة إلى المصادر التي يمكن الرجوع إليها لمن يريد التوسع في تلك التراجم[30]؛ وثاني هذين الغرضين هو وصف الكتب التي ظهرت في اللغة العربية حسب موضوعاتها، وبيان كيفية تسلسل بعضها من بعض، وبيان مميزاتها من حيث حاجة القراء إليها ووجه الاستفادة منها.[31]

ونحن نرى أنه لا يكفي لمن يريد أن يؤرخ للأدب أن يسرد أسماء الأدباء ويذكر مواليدهم ووفياتهم وبعض مؤلفاتهم ويضيف إلى ذلك نتفا يسيرة من أخبارهم وأحوال حياتهم، بل عليه أن يسلط الأضواء على الأوضاع العامة والظروف الخاصة التي أحاطت بهم وأثرت في إنتاجهم الأدبي. وإذا قام المؤرخ باستعراض نصوص أدبية من عصر معين فعليه أن يبيّن مدى تأثير الأوضاع السياسية والاجتماعة والاقتصادية والثقافية في إنتاجها، وذلك لأن الغاية الأساسية لدراسة تاريخ الأدب العربي – في رأينا – هي فهم الأدب وتطوره فهما صحيحا سليما سديدا مبنيا على إدراك جيد للمراحل التاريخية التي مرّ بها الأدب ومدى تأثير الأحداث التاريخية في جوهره وطبيعته. وهذا من الضروري لأنه لا يستطيع أحد أن يفهم نصا أدبيا معينا فهما صحيحا ودقيقا إلا إذا أتيح له أن يدرس البيئة التي ظهر فيها ذلك النص دراسة وافية. وهذه قاعدة عامة تنطبق على سائر أنواع النصوص الأدبية – بل وحتى على النصوص الشرعية كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولذلك نجد أن أهل العلم قد اشترطوا في المفسّر مثلا أن يكون له إلمام بأسباب النزول[32] حتى يفهم سياق الخطاب الرباني في القرآن؛ وكذلك الحال مع مؤرخ الأدب فإنه ينبغي له أن يكون عالما بخلفيات الأدباء ومذاهبهم، فإن الأديب يتأثر بما يراه حوله وتظهر آثار ذلك جلية فيما يؤلفه من نثر أو ينظمه من شعر، ولا يمكن فهم ما أنتجته قريحته فهما صحيحا إلا في ضوء دراسة علمية معمّقة لمحيطه الاجتماعي والثقافي.

وعلى هذا الأساس، يسعى المؤرخون للأدب جاهدين من أجل إماطة اللثام عن الأوضاع السياسية والظروف الاقتصادية والظواهر الاجتماعية التي لعبت دورا في توجيه مسيرة الأدب عبر العصور التاريخية المختلفة، وإنما ينحون هذا المنحى لعلمهم وإدراكهم أن الأدب كائن حي يؤثر في مجرى الحوادث والوقائع التاريخية كما يتأثر بها إلى حد بعيد، وهذا شأنه في جميع الحضارات والثقافات العالمية.

استكناه مفهوم الأدب

لو وُكّل إلينا أمر تعريف الأدب حسب رأينا لأوجزنا المقال ولقلنا إن الأدب هو حسن العبارة عن الحقائق.

وقد تبين مما عرضناه سابقا أن الأدب كائن حي يؤثر في الأحداث ويتأثر بها، ولذلك يهتم الباحثون في الأدب العربي بتاريخ نشأته وتطوره وأهم أعلامه من الشعراء والخطباء والكتّاب عبر العصور المتعاقبة، فيدرسون حياة الأدباء ويمعنون النظر في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي وجهت مجرى الأدب، ويحاولون أن يقدروا تأثير الأدب في المجتمع الذي ظهر فيه وتأثيره في الأمم الأخرى أيضا، فإذا كان الأدب عبارة عما تختلج في نفس الإنسان من خواطر ومشاعر، وكانت حقائق النفس الإنسانية في كل الناس مشتركة، فلا عجب أن يكون بين آداب الأمم شيء من التشابه والتوارد إذ أن القوى الداخلية للنفوس الإنسانية كلها من جنس واحد.

اتجاهات مؤرخي الآداب ونقدتها في قضية الانتحال في الآداب العربية والإسلامية

إن الأدب العربي ولا سيما القسم المنظوم منه قد دخل فيه انتحال كثير، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا يسجلون أشعارهم في الجاهلية ولم يكونوا يجمعونها في الدواوين، وإنما كانوا يعتمدون في حفظها على مجرد الذاكرة، وكانوا يتناقلونها فيما بينهم، فسارت بها الركبان وانتقلت من راو إلى راو مما أتاح لبعض الرواة المدلسين أن يضيفوا إليها أبياتا من تلقاء أنفسهم.

ولسوء الحظ، لم تبدأ عملية التدوين إلا في العصر الأموي الأخير، أي بعد مائة سنة على الأقل من زمن الإنتاج مما فتح الباب على مصراعيه للوضع والدس والتزوير، واغتنم الرواة هذه الفرصة لإضافة أبيات مختلقة إلى أشعار الجاهليين.

وقد دفع الرواة إلى الوضع والتدليس عاملان أساسيان حسب تقييم الأستاذ شوقي ضيف لما جاء في كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي : عامل القبائل التي كانت تبحث عن وسائل لتكثير فضائلها ومناقبها، وعامل الطموح الذاتي عند الرواة إذ كانوا يبتغون الجاه والشهرة، فعمدوا إلى اختلاق الشعر وإضافته إلى الأشعار التي كانوا يروونها لتكثر روايتهم وليخلدوا بذلك أسماءهم[33]، ومن أشهر من اتهموا بالإنتحال حماد الراوية وخلف الأحمر. ولذلك حاول الأدباء والنقاد أن ينفوا عن الشعر الجاهلي تلفيقات الرواة الوضاعين، وأشار محمد بن سلام الجمحي إلى هذه المسألة في كتابه طبقات فحول الشعراء بقوله : "وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربية، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد – إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه – أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفيّ."[34]

وقد زعم بعض النقاد أن الشعر الجاهلي كله أو أكثره منحول وموضوع، وقد قدم الدكتور عبد الرحمن بدوي آراء من ذهب إلى ذلك من المستشرقين في كتاب سماه دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي[35].ثم جاء من بعد هؤلاء المستشرقين تلميذهم الفكري وعميد الأدب العربي في العصر الحديث الدكتور طه حسين، وقد ألف هذا الأخير كتابا حول هذا الموضوع وسماه الشعر الجاهلي وقد أثار هذا الكتاب جدلا عنيفا بين أنصار فكرة صحة الشعر الجاهلي ومعارضيها، ودار النقاش حول هذا الموضوع لسنوات، وألف فيه مصنفات مستقلة[36] يمكن الرجوع إليها للتعرف على المزيد من التفاصيل المتعلقة بهذا النزاع.

ونحن نرى أنه لا مجال للشك في أن الانتحال قد وقع في رواية الشعر الجاهلي لكن ذلك لا يجرنا إلى إنكار ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي بحذافيره، لأن الدس والتدليس قد وقعا في مجالات أخرى من تراثنا أيضا كالسيرة النبوية والحديث النبوي الشريف وغير ذلك من المأثورات التي تطرقت إليها الإسرائيليات والخرافات، ولكن ذلك لم يدفع العلماء والمتخصصين في تلك الفنون إلى إنكار أو إبطال ذلك التراث بالكلية، وإنما دفعهم علمهم بوقوع الانتحال في الحديث إلى التعمق في دراسة نصوصه وتحليل أسانيده وتمحيص متونه، وهو المنهج القويم الذي ينبغي للنقاد أن يلتزموا به في مسألة صحة الشعر الجاهلي، ويجب عليهم أن يبذلوا قصارى جهودهم ليستخلصوا منه الصحيح، وينفوا عنه كل دخيل.

المناهج المعتمدة في تورايخ الآداب العربية والإسلامية:

إن من يمعن النظر في مؤلفات المؤرخين للآداب العربية والإسلامية يدرك أنهم يتجهون اتجاهات مختلفة في مناهجهم التصنيفية وأساليبهم التقسيمية، فمنهم من يتناول العصور التاريخية السياسية عصرا عصرا، ويؤرخ للنشاط الأدبي خلال كل عصر، ويعرّف بأبرز الشخصيات الأدبية التي ظهرت فيه ويشير إلى أهم التيارات الفكرية في ذلك العصر، ويقف عند هذا الحد. ومنهم من يتناول الأنواع الأدبية كالشعر والخطبة والمسرحية والمقامة والقصة والرسالة مثلا فيدرس تطورها من عصر إلى عصر. وهناك آخرون يؤثرون التركيز على الأدباء أو الشعراء في عصر معين أو من طبقة معينة، فيترجم لهم ويذكر أشعارهم، وهكذا في بقية العصور.

      وقد لاحظنا أن هناك اختلافا بين المؤرخين للأدب فيما يتعلق بمسألة الارتباط بين التاريخ السياسي والتاريخ الأدبي، فقد أدلى الباحثون بآراء متباينة فيها، وأدى ذلك إلى وجود عدة خطوط لعصور الأدب العربي. فهذا أمر اختلف فيه علماء الأدب، وعلّق كل منهم حسب موقفه من قضية الصلة بين العصور الأدبية والأحداث التاريخية، أعني بين الأدب والتاريخ والسياسة، فالأستاذ جرجي زيدان – مثلا – قسم الأدب حسب العصور السياسية، فكل عصر من العصور الأدبية ليس له إلا أن يدخل تحت مظلة عصر سياسي ما يواكبه من التاريخ العام. وأما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، فإنه لا يرتضي مثل هذا الربط بين العصور الأدبية والعصور السياسية. والدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي يتابع الرافعي أيضا في معارضة النظر إلى الأدب باعتبار العصور السياسية التي برز فيها، والتي على أساسها يتفرع إلى أدب جاهلي وإسلامي وعباسي.

وكذلك الأمر مع الأستاذ أنور الحندي، فإنه يرى أن نقسيم الأدب إلى عصور : أموي وعباسي وغيرهما "تقسيم أجنبي ظالم"، يستهدف "تدمير مقومات الأدب العربي ووصمه بالضعف والتخلف."[37]

      وأما المستشرقون فنجد أن بعضهم كانوا يرفضون ربط التاريخ الأدبي بالتاريخ السياسي، فالعصر الأدبي للجاهلية عند بلاشير – مثلا – يمتد حتى منتصف القرن الأول الهجري، وهي فترة تشمل الجاهليين والمخضرمين جميعا، وذلك ما نجده عند بروكلمان أيضا. ونحن نميل إلى عدم فصل العصور الأدبية عن العصور السياسية، لأن العصر الأدبي إنما هو لسان حال العصر السياسي في كل فترة زمنية. وقد ذهب أكثر المؤرخين للأدب العربي هذا المذهب، فقسموه وفق ما جرى على الأمة العربية والمسلمة من تقلبات سياسية واجتماعية، وأغلب الظن أنهم اتبعوا هذا المنهج لما رأوا بين تاريخ الأدب وتاريخ السياسية من تأثير متبادل في مساراتهما. على أن هذا لا يعني أن العصور الأدبية تتفق مع العصور التاريخية اتفاقا تاما، بل الظواهر الأدبية تتداخل في العصور التاريخية فيحاول العصر التالي أن يستفيد من سابقه ويعمل على تحسين جيده وتطويره.

      والمنهج المقبول عند أكثر من درسنا عليهم من الأساتذة تقسيم الأعصر الأدبية إلى خمسة أعصر أساسية على النحو التالي:

(1)              عصر ما قبل الإسلام – ويسمى بالعصر الجاهلي – ولعل الأنسب أن نسميه بهذا الاسم لأن القرآن الكريم أطلقه علىيه. وكانت بداية هذا العصر بقرن ونصف تقريبا قبل ظهور الإسلام، وكانت نهايته عند ظهور الإسلام وتشكل الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة.

(2)               العصر الإسلامي – وكانت بداية هذا العصر من بزوغ فجر الإسلام وابتداء الدعوة  الإسلامية، واستمر هذا العصر إلى أن أطاح العباسيون بدولة الأمويين في سنة 132ه/ 750م. وقد لاحظنا أن بعض المؤرخين يقسمون هذا العصر إلى عهدين : عهد صدر الإسلام وعهد الدولة الأموية. ونحن نرى أنه من الضروري أن يفصل بين عهد صدر الإسلام وبين العهد الذي تلاه، وذلك لأن العصر الذي جاء بعد نهاية الخلافة الراشدة كان أشبه بالجاهلية الأولى منه بالعصر الإسلامي حيث تم إحياء كثير من التقاليد الجاهلية وتوقدت نيران العصبية القبلية التي كانت متأججة في العصر الجاهلي والتي تم إطفاؤها في عصر صدر الإسلام. فينبغي فصل العصر الأموي عن عصر صدر الإسلام لما بينهما من تباين واسع وتشاكس ملحوظ. وقد وقع بعض المؤرخين في التباس من هذا الأمر فما اهتدوا إلى هذه النكتة، وما فرقوا بين العصرين الإسلامي والأموي، بل راحوا في بلاهة منقطعة النظير يعتبرون العصر الأمويّ امتدادا طبيعيا للعصر الإسلامي، وإن كان بين العصرين بُعْدُ ما بين المشرقين، فشتان ما بين عصر قام فيه نظام سياسي واجتماعي عادل –على أساس الوحي السماوي وجرى فيه الأمر على قواعد الكتاب والسنة، وروعي فيه مبدأ الشورى – وعصر ظهر فيه ملك عضوض وإمبراطورية جبارة مستبدة وغاشمة فرضت طاعتها على رقاب المسلمين عنوة، فَسَادَ الظلمُ والجور وراج الطغيان والعدوان حتى استكملت الدولة أجلها ومضت إلى مزبلة التاريخ لتتبوأ فيها مقعدها بعد أن سطرت صفحات دامية وسلكت طريقا مفروشا بجماجم النبلاء وأشلاء الأبرياء.

(3)               العصر العباسي – كانت بداية هذا العصر من سنة 132ه واستمر لعدة قورن حتى سقوط بغداد حيث تم القضاء على الدولة العباسية على أيدى المغول وذلك في سنة 656ه/ 1258م. ولاحظنا أن مناهج المؤرخين في تغطية هذا العصر قد اختلفت لاعتبارات متعددة منها طول مدة حكم العباسيين، فإن حكمهم دام لقرابة خمسة قرون، ومنها لخصوبة هذا العصر من الناحيتين الأدبية والثقافية إذ هو العصر الذهبي الذي نشأت فيه أكثر العلوم ودونت أفيد المعارف، ونقلت الكتب من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية مما كان له أبعد الأثر في إثراء الأدب العربي وتطوره. ومن هنا اختلفت مناهج المؤرخين في تقسيم هذا العصر وعدمه، فمنهم من جعله عصرا واحدا، ومنهم من جعله عصرين:

- العصر العباسي الأول : ويمتد نحو مائة عام.

- العصر العباسي الثاني : ويشمل بقية العصر.

وجعله آحرون ثلاثة عصور:

- العصر العباسي الأول : ويمتد نحو مائة عام.

- العصر العباسي الثاني : ويمتد حتى عام 334ه/ 945م، أعني إلى استقرار الدولة البويهية في بغداد.

- العصر العباسي الثالث – ويمتد إلى استيلاء المغول على بغداد.

(4)               العصر الوسيط – أو ما يسمى بعصر الانحطاط : ويبدأ سنة 656ه/ 1258م أي إثر سقوط الدولة العباسية، وينتهي عند النهضة الحديثة، ويقسمه معظم المؤرخين إلى عهدين :

- عهد الحروب الصليبية والعهد المملوكي : ويبدأ بسقوط بغداد على أيدي المغول في سنة 656ه ويمتد إلى ثلاثة قرون.

- العهد العثماني : ويبدأ ببداية القرن العاشر الهجري ويمتد لمدة قرابة أربعة قرون إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري.

وقد سلقت الإشارة إلى أن المؤرخين دأبوا على تسمية العصر الوسيط بعصر الانحطاط واعتبروه فترة مظلمة في تاريخ الأدب العربي لأنهم لاحظوا أن الأدب في هذه المرحلة التاريخية كسد وجمد فتوقف نموه، وظل الإنتاج الأدبي فيه وسطا يحتفظ في نماذجه ببعض ما كان يتميز به في العصور السابقة من نضج فني إلا أنه اعتراه ضعف شديد على مستوى المباني والمعاني بسبب ولوع الأدباء بالمحسنات اللفظية وإكثارهم منها. على أننا نرى أن الأدب في هذا العصر لم يكن مترديا إلى الدرجة التي يزعم بعض النقاد ومؤرخي الآداب، بل وجدنا من الباحثين من أثبت من خلال البحث في تاريخ هذا العصر ونتاجه أنه لم يكن عصر انحطاط أو انحدار، بل كان عصراً ازدهرت فيه الثقافة الإسلامية وتطور الأدب الأدبي بفضل ما ظهر فيه من العلماء الأجلاء والأدباء البارعين والكتاب النابغين ممن ألفوا الكتب والموسوعات وأثروا الرصيد الحضاري للأدب العربي من خلال جهودهم المضنية ومساعيهم الحميدة.[38] وقد رأى الأستاذ أنور الجندي في تسمية عصري المماليك والعثمانيين باسم "عصر الانحطاط"نوعا من الإجحاف والظلم وذلك لأن هذا العصر كان حاملا "عصارة ثمرات تطوّر الأدب العربي والفكر الإسلامي" مما يؤهله لأن يسمى "عصر الموسوعات". ولذلك فإن الأستاذ أنور الجندي لا يمتري في أن مثل هذه الأسماء من اختراع المستشرقين وأذنابهم من سماسرة التغريب، وأنهم يهدفون من خلال استخدام هذه المصطلحات إلى "تدمير مقومات الأدب العربي ووصمه بالضعف والتخلف."[39]

وعلى هذا الأساس، نرى أنه لا داعي لإطلاق مصطلح "العصور المظلمة" أو "عصر الانحطاط" على هذه الفترة ما دام أن الأدب عموما لم ينحدر إلى درجة الابتذال؛ وليس من الصعب أن نعيّن السبب الذي يكمن وراء هذه التسمية، فالمجد الذي تألق منذ بزوغ فجر الإسلام قد انطفأ نوره مع اجتياح المغول للعالم الإسلامي، وهجوم الصليبيين الحاقدين – الذين أرادوا الانتقام من المسلمين، وسقوط البلاد العربية في أيدى العثمانيين الذين لم يعيروا اهتماما بالناحية العلمية بل صادروا العلم والعلماء في بعض الأحيان – فهذه العوامل وغيرها ألحقت بالمسليمن الظلم والقتل والتمزيق والتجهيل والتخلف، فعمّ الظلام في أرجاء العالم الإسلامي، وذهبت أتعاب القرون أدراج الرياح كما يقال، فالانحطاط – في نظرنا – كان سياسيا في المرتبة الأولى، جرّ بعد ذلك إلى الانحطاط الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والثقافي. ولكن هذا لا يعني خلو هذه الفترة من مظاهر التطور في ميادين العلوم العسكرية والتطبيقية، وكذلك علوم اللغة العربية وآدابها، فقد ظلت اللغة العربية اللغة الرسمية في البلاد والمستعمرات، ونبغ عدد من المؤلفين في شتى البلاد، وانتقلت مراكز العلم والأدب والثقافة من بغداد وقرطبة إلى مدن أخرى كدمشق والقاهرة وسمرقند وبخارى وإسطنبول وغيرها من الحواضر الإسلامية الزاهرة.

(5)العصر الحديث : ويبدأ بحملة القائد الفرنسي الشهير نابليون بونبارت على مصر سنة 1798م ويمتد إلى يوم الناس هذا.

خاتمة البحث :

ومغزى القول أن تاريخ الآداب العربية علم من العلوم المتعلقة باللغة العربية وآدابها، ولأهل الاختصاص فيه اتجاهات متنوعة ومناهج متعددة، وبالجملة فهذه المادة الدراسية عبارة عن علم نافع وفن ممتع ومفيد، وهو لا شك حقل معرفي صعب المسلك دقيق المأخذ عميق القعر لا يعرفه على وجهه ولا يحيط علما بكنهه إلا من وفّق للتبحّر في كل من علمي التاريخ والأدب إضافة إلى علوم اللغة العربية المختلفة من نحوها وصرفها وبلاغتها وبديعها وعروضها. وإن من أغفل هذا العلم فستفوته معرفة ما اشتملت عليه اللغة العربية من العلوم والآداب وما طرأت عليه من التطورات عبر العصور المتعاقبة، ومن فاته علم هذه الأشياء فقد فاتته معارف جمة، وذلك لعمري هو خسران مبين.

المراجع العربية

القرآن الكريم

أبو خليل، شوقي، جرجي زيدان في الميزان، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1981م.

الأسد، الدكتور ناصر الدين، مصادر الشعر الجاهلي وقيمته التاريخية، دار الجيل، بيروت، الطبعة السابعة، 1988م.

بدوي، الدكتور عبد الرحمن، دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1979م.

الجمحي، محمد بن سلام، طبقات فحول الشعراء، تحقيق أبو فهر محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1974م.

الجندي، أنور، خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية، 1985م.

زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، راجعها وعلق عليها الدكتور شوقي ضيف، دار الهلال، د.ت.

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.

ضيف، الدكتور شوقي، تاريخ الأدب العربي – العصر الجاهلي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية والعشرون، د.ت.

فروخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1981م.

مخلص الرحمن، أبو البرهان محمد، صلاح الدين الصفدي أديبا ومؤرخا : دراسة نقدية، رسالة قدمت إلى قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عليكره الإسلامية ليل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي تحث إشراف الدكتور عبد الباري، السنة الجامعية 1999م.

 

المراجع الإنجليزية

Gibb, H.A.R. Mohammedanism: A Historical Survey. New York: Oxford University Press, 1962.            

 Hitti, Philip K. History of the Arabs from the Earliest Times to the Present. London: Macmillan, 1970.

Smith, Wilfred Cantwell. Modern Islam in India: A Social Analysis. London: Victor Gollancz Ltd, 1946.


*باحث دكتوراه (SRF) بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة علي كره الإسلامية.البريد الإلكتروني : syedalihur@gmail.com

[1]. ينظر: Hitti, Philip K. History of the Arabs from the Earliest Times to the Present. London: Macmillan, 1970 .

[2]. Gibb, H.A.R. Mohammedanism: A Historical Survey. New York: Oxford University Press, 1962.

[3]. المرجع السابق، ص 1-22.

[4]. المرجع السبق، ص 23-34.

[5]. المرجع السابق، ص 35-52.

[6]. المرجع السابق، ص 72-87.

[7]. المرجع السابق، ص 88-106.

[8]. المرجع السابق، ص 107-126.

[9]. المرجع السابق، ص 127-146.

[10]. المرجع السابق، ص 147-164.

[11]. المرجع السابق، ص 165-192.

[12]. Smith, Wilfred Cantwell. Modern Islam in India: A Social Analysis. London: Victor Gollancz Ltd, 1946.

[13]. المرجع السابق، ص 14-46.

[14]. المرجع السابق، ص 49-54.

[15]. المرجع السابق، ص 98-127.

[16]. المرجع السابق، ص 157-303.

[17]. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ج1/ ص 8.

[18]. المرجع نفسه، ص 7.

[19]. المرجع نفسه.

[20]. المرجع السابق، ص 8.

[21]. المرجع السابق نفسه.

[22]. المرجع  السابق، ص 13.

[23]. المرجع السابق، ص 8.

[24]. فروخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، ج1/ ص 43.

[25]. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ج1/ ص 8.

[26]. أبو خليل، شوقي، جرجي زيدان في الميزان، ص 307-315.

[27]. القرآن الكريم : سورة الحجرات، الآية 13.

[28]. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ج1/ ص 8.

[29]. المرجع السابق نفسه.

[30]. المرجع السابق نفسه.

[31]. المرجع السابق نفسه.

[32]. وأسباب النزول هو علم ما ورد من الأحاديث والأخبار في شأن العلل التي من أجلها نزلت بعض آيات القرآن، وقد صنف في هذا العلم مصنفات مستقلة، يراجع السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، ج1/ ص 64-69.

[33]. ضيف، الدكتور شوقي، تاريخ الأدب العربي – العصر الجاهلي، ص 164.

[34]. الجمحي، محمد بن سلام، طبقات فحول الشعراء، ص 4.

[35]. يراجع بدوي، الدكتور عبد الرحمن، دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ص 41-142.

[36]. ينظر على سبيل المثال : الأسد، الدكتور ناصر الدين، مصادر الشعر الجاهلي وقيمته التاريخية، دار الجيل، بيروت، الطبعة السابعة، 1988م.

[37]. الجندي، أنور، خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، ص 57.

[38]. يراجع : مخلص الرحمن، أبو البرهان محمد، صلاح الدين الصفدي أديبا ومؤرحا : دراسة نقدية، ص 215.

[39]. الجندي، أنور، خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، ص 57.

 

 

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو