Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/r.jpg

 

عبد الرحمن شكري و فاني البدايوني من منظور النزعة  التشاؤمية المشتركة

 

 

محمد يونس عالم

باحث بمركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لعل نهرو، نيو دهلي

المدخل:

شهدت فترة قرن العشرين عديدا من الشعراء في كل من الهند ومصر الذين لهم القدح المعلى في مضمار الأدب والثقافة، فطلع منهم النجمان المضيئان في مجال الشعر العربي والأردوي نعني عبد الرحمن شكري وفاني البدايوني. ومن حسن الحظ نجد عديدا من التشابه والتماثل بينهما؛ من وجهة العصر الذي عاشا فيه، والأسرةالتي نشأ بها، والحياة المهنية التي اعتنقاها للحصول على القوت، والحياةالأدبية والظروف السياسية مع عديد من الاختلافات بينهما مقاربات.

كل من الشاعرين عاشا في نفس فترة من الزمان تقريبا، وترعرعا في البيئة التي كانت سائدة في ذلك الزمان في كل من الهند و مصرآنذاك،أما بالنسبة إلى الظروف السياسية، فكانت كل من الهند ومصر تحت براثن الإستعمار الإنكليزي والفرنسي.

كل من الشاعرين قرضا شعرهما في جميع زاوية من زواياالتشاؤم والتفاؤل الذي هويعنينا بذكره، كل منهمااختلفا في اختيار موضوعاتهما لشاعريتهما، لكنهما في بعض الأحيان، اشتركا في اختيارها، واحد منهما قرض شعره في اللغة العربية فاشتهر بعبد الرحمن شكري، والثاني قرض شعره في اللغة الأردوية  فاشتهر بشوكت على خان المعروف بفاني البدايوني. إنهما قال أشعارهما في مختلف الموضوعات لكن التشاؤم هو من أبرزالموضوعات إختارا لأنفسهما. لذا إخترنا أيضا هذا الموضوع لكي نستعرض حياتهما السياسية والإجتماعية والأدبية والإقتصادية من خلال هذه الرسالة.

المحور الأول: سيرة الشاعرين و عصرهما

  المطلب الأول: النظرة الخاطفة على وضع مصر السياسي و الإجتماعي في العصر الحديث:

مصر كانت تعاني من الأزمات من كل الأبعاد، سواء كانت هذه الأزمة سياسية أو إقتصادية أو ثقافية، وكانت مصر تمر بتقلبات سياسية بين فرنسا وبريطانيا، مثل كرة القدم مرة في حضن فرنسا وفي حضن بريطانية مرة أخرى، حتى تمت الاتفاقية في عام 1904م وجاءت مصر في حظ بريطانية.[1] كانت الفترة منذ عام 1880 فترة ثورية متصلة، يناضل فيهاالشعب في معركة دائمة متأرجحة بين النصر والهزيمة. وكانت الطبقة المتوسطة في البلاد قد جمعت تحت شعارتها التقدمية كل الطبقات الصاعدة. فلا شك في أن التحرر الوطني، وإلغاء الامتيازات الإقطاعية وتسليم المصريين دفتر الحكم، كانت مطالب ضرورية للطبقة المتوسطة في تلك المرحلة من تاريخها. ولكن لم يكتب أن تنجح هذه الثورة لأسباب تاريخية مختلفة، فوجود عامل طفيلي للإستعمار، كان عائقا للتطور الطبيعي في مصر. كما أن الطبقة الجديدة نفسها كانت لا تزال تضعف أن تقود كل هذه الجماهير وتنظمها في معركتها مع الإقطاع الراسخ وحليفه الإستعمار، وكانت -إذن- أول هزيمة للطبقة المتوسطةالمصرية أفضت إلى تحالف دائم بين الإستعمار والإقطاع؛ ولذلك كان رد الفعل تنكيلا بكل من كانت له بالثورة صلة نفيا أو قتلا أو سجنا أو تشريدا. [2]

 

حياة عبد الرحمن الشكري:

ترجع أصل شاعرنا عبد الرحمن شكري إلى أسرة  مغربية، قدمت مصر واستقرت في بني سويف، واندمجت في الفلاحين، وعاشت آلامهم المريرة في حفر قناة السويس، وفي الكفاح البطولي للشعب المصري ضد الغزاة الانجليز.[3] خاض أجداد هذا الشاعر معاناة تصور صورة واقعية لطفولة الشاعر وأحداثها الحزينة، فقد اغتربت الأسرة عن أرض الوطن، ثم القى عصا التسيار  في مصر وشعبها يستنزف دماً من آثار الاحتلال. وقد عانت أسرة معاناة كثيرة من تعذيب وتعسير، مثل كل الأسرة المصرية التي دافع رجالها عن حقوق وطنهم. في محاولة لاستعادتها وقد أضيفت إلى ابتلاء تلك الأسرة ابتلاء كثيرا زادت شجوها وأحزانها، فأثناء سجن إذ مات بعض أبنائه ثم ولد له أبناء ومنهم عبد الرحمن شكري.[4] وفي التاسعة من عمره التحق بالمدرسة الابتدائية بالجامع التوفيقي في بور سعيد، واستمر على هذا حتى حصل على شهادةالابتدائية عام 1900م. وحصل شكري على شهادةالبكالريوس سنة 1904م وعمره حوالي ثمانية عشر سنة، فانتقل إلى القاهرة ليلتحق بمدرسة الحقوق في فترة هامة في تاريخ مصر وظل بها من عام 1906 إلى 1909م حين حاز على دبلوم بدرجة ممتازة، وخلال هذا، وجد الشاعر بمدرسة المعلمين مجالا لإشباع ميوله الأدبية والشعرية، فدرس الآداب العربية والإنجليزية والفرنسية، إلى جانب الموادالأخرى، كما كان يدرس بها كتاب "الذخيرة الذهبية" وهو مجموعة مختارة من أحسن الشعر الإنجليزي. فوجد فيه شكري ألوانا جديدة من الشعر، وهذا دفعه إلى قراءة شيكسبير وبيرون وشلي وكيتس وتنيسون ووردسورت وغيرهم.[5] وفي نفس السنة أرسل إلى جامعة شيفيلد إنجلترا حيث قضى ثلاث سنوات درس خلالها تاريخ الأدب الإنجليزي، والاقتصاد، والاجتماع، والفلسفة، والسياسة، إلى جانب اللغة الإنجليزية وآدابها .وفي سنة 1912م حصل على درجة البكالوريوس من تلك الجامعة[6]. وبعد حصول على درجة البكالوريوس وعودته من البعثة الخارجية، عين مدرساً للتاريخ واللغة الإنجليزية في ثلاث مدارس الثانوية، ثم انتقل إلى درجة ناظر المدرسة، وزاول هذه المهنة إلى  ثمان سنوات ثم رقُي إلى مرتبة مفتش بالتعليم الثانوي قسم الأدب، القاهرة، ولم يمض عام على عودته حتى ظهر الجزء الثاني من ديوانه "لآلي الأفكار"، مع مقدمة العقاد يقول فيها عن شعره: "أنه ينبسط انبساط البحر في عمق وسعة وسكون"[7] ويقول عن الديوان: "فإذا تلقى قراءة العربية اليوم هذا الجزء الثاني من ديوان شكري فانما يتلقون صفحات ضمت من الشعر أفانين قد سمح بها قلم سخي وقريحة خصبة"[8]. وختم حياته الوظيفية بالعمل لثلاث سنوات مفتشا يائسا حزينا على ما أصابه من ظلم حتى اضطر إلى الاستقالة. وقبلت استقالته وقبع في بيته إلى أن مات.[9] 

 

  المطلب الثاني: النظرة الخاطفة على وضع الهند السياسي والاجتماعي في عصر فاني:

إن الأمن والسلامة مهمة لاستقرار الفرد النفسي والوجداني، لقد مرت الهند كما مر غيرها من البلاد الأخرى المحتلة تحت براثن الإستعمار الإنكليزي الذي كان له أثر كبير في جميع نواحي الحياة. فقد كانت الهند قبل 1600م دولة حرة مستقلة، فصارت بعدالإحتلال دولة محتلة مستعمرة، إذ فقد الناس الأمن والسلامة في حياتهم وملئت السجون بالأبرياء بحجة أنهم من أنصار الثورةأو ضد الحكومة الإستعمارية. ونتيجة  لذلك ساد التطرف الإنجليزي الظالم الذي أضعف نفوس الناس من شدة وقهر، ورزحت الأمة الهندية تحت نظام حكم استبدادي خاضع للسيطرة الأجنبية، وقد خطط الإنجليز إلى تحويل الهند إلى تعبية إقتصادية مطلقة لبلادهم، والقضاء على الحياة الصناعية اليدوية الهندية التي كانت معروفة في العالم في مجال الصناعة اليدوية [10]والأقمشة خاصة قماش ململ، الذي كان معروفا بلينه في العالم ومستورد في العالم من الهند، وينسحب على هذا قلة فرص العمل وانتشار الفقر وتدهور الحالة الاجتماعية في الأمة تدهورا بالغا، من سيئ إلى أسوأ، ومن ضيق إلى أضيق وأشد.

فسنة 1857م كانت فترة ثورية ناضل فيها الشعب والنواب في معركة دامية وقد كانت نتيجة هذه الثورة الشعبية وقعت الهند في أيدي الإستعمار واستولى أهله مقاليد السلطة الهندية قاطبة، وكان رد الفعل تنكيلا لكل من كانت له صلة بالثورة نفيا أو قتلا أو سجنا كما في في ثورة عرابية في مصر، وسُجن هؤلاء الشعراء في سجن مع التعذيب، إنهم قد شاهدوا بعيونهم قادة الثورة يعانون المرارة ويحملون الهم.[11]

حياة فاني: ففي هذه البيئة الهالكة ولد شوكت على خان فاني في عام 1879م في شهر سبتمبر بقرية مسمية "بإسلام نغر" في مديرية "بدايون"، في ولاية أترابراديش وبعد إكمال الدراسة الابتدائية التحق بمدرسة الثانوية الحكومية ثم تم تسجيله في كلية بريلي وحصل على شهادة البكالوريوس بدرجة ممتازة[12]. وإنه نال شهادة البكالوريوس في وقت كان الناس عامة يتركون تعليم اللغة الإنجليزية ويبتعدون أنفسهم منه و يكرهونه. [13]

 الشاعر الهندي فاني قد بدأ يقرض شعره منذ طفولته، وفي عام 1897م رتب ديوانه الأول لكن أباه كان مخالفا لشاعريته فحصل على نسخة الديوان وأحرقها[14]. في عام 1904م أنه عُيّن كمدرس في مدرسة إسلامية ثانوية بإتاوه(Etawah)، هنا نال فاني الراحة والهدوء في الحياة، وكان رئيس المدرسين من أصدقائه، كانت تصرفاته مع فاني بنوع لم يشعر فاني أبدا بأنه تابع له،[15]. وفي عام 1906م ماشيا على تشاور أبيه التحق بكلية على جراه في قسم القانون والشريعة في البكالوريوس، وحصل على شهادة القانون في عام 1908م وبدأ يشتغل في المحكمة، فجرى شغله في محكمة لكناؤ وشرع يكتسب مالا مناسبا، لكن النفقات المنزلية لا تكاد تقتصر، بل تزال تتزايد. فاني حصل على شهادة ليسانس الحقوق في عام 1908م،[16] وتأهل إمتحان المحامي في المحكمة العليا في لكناؤ فبدأ العمل، ما كانت المحكمة في بدايون آنذاك، وسرعان ما جرى عمله،أنه نال مكانة مرموقة في مجال المحكمة وسرعان ما يعتبر من أفضل وأمهرالمحاميين، لذا كان الناس يأتون إليه من كل فج عميق للتوكيل، حتى فاني كان يأخذ القضايا المهمة فقط ويتحول القضايا العادية إلى المحاميين الآخرين[17]. وكان يكسب قدرا كبيرا من المال بالمحاماة، بالرغم كان شجاعت علي خان يرسل إليه مبلغا للنفقات، لأنه كان مفرطا ومتهورا جدا في إنفاق المال[18].

كما إنه سافر إلى مدن أخرى من الهند، سافر من لكناؤ إلى بريلي، وإتاوه، وكولكاتا، وممبائي لكن المدينة التي لها أهمية كبيرة في حياة فاني هي مدينة حيدرآباد، فلما عاد من آجره توجه إلى حيدرآباد، السبب وراء هذه الرحلة كان غامضا، هو يقول بنفسه أنه سنحت له الفرصة للذهاب إلى حيدرآباد لأول مرة في عام 1926م، وما كان مهاراجه كشن برشاد يستولي مقاليد السلطة في يده آنذاك، ولم يمر بي هنا 24 ساعات لوصوله إليها حتى عرف هو أني أتيت في حيدرآباد، فاستقدمني إليه وأثنى علي وأمدحني والتمس مني للشعر فجل ما كنت حفظت آنذاك من القصائد قرأتها عليه، فشجعني عليه وأشاد بي كثيرا وأمدحني حق المدح الذي الشاعر الحق يستحق به ونادراما يناله شخص آخر[19]. فاني البدايوني شاعر، وأديب متأمل، له آراء ودراسات فلسفية ذات قيم أدبية وفنية عالية، لكنه قبل كل شيء شاعر بالدرجة الأولى، حيث استطاع أن يوظف شعره ليكون مرآة لوجدانه، ذاتي المعاني، واصفاً لمصداقية عواطفه بكل مشاعرها من خير وشر وحزن ويأس، ولذة وألم، ومحللاً لأسرارالطبيعة، وعظمتها متلمساً لصلات وجدانية تربط بينه وبين مخلوقات الكون بطريقة تمتزج فيها روعة الطبيعة، وأسرار نفسه البشرية وقد أثمر ذلك كل أن أنتج لنا فاني أربعة دواوين شعرية نشرت كلها .

في آخرأيام من حياته قد كان بلغت مشاكله إلى ذروة الكمال، مهاراجه كشن برساد الذي كان يهتم به كثيرا مات، فراحت وطيفة التدريس، ماتت زوجته في هذه الأيام، قد يئس من أولاده، كان يعيش حياته على الدخل الضئيل سواء كان من قبل الناشر أو غير ذلك، أو على التوكل محضا، بالرغم من ذلك يصبر ولا ينفذ صبره، ولا يشكى أبدا، لم يمد يده إلى المساعدة أمام أحد. [20] بالإيجاز، لما رجع إلى حيدرآباد مرة أخرى قضى حياته هناك 9 أعوام. حتى لحق إلى رفيقه الأعلى في الغربة في عام 1941م ودفن هناك.

 

المحور الثاني: التشاؤم في كلام الشاعرين

 المطلب الأول :العوامل التشاؤمية لكلا الشاعرين وتداعياتها في الحياة العلمية والفكرية والأدبية.

إن شخصية شاعرين لنا تميز فريد، فحساسيتهما المفرطة جعلتهما ملتهب الذهن، قوي البيان، ذكي التفكير وعميقه، وذلك العمق كشف لهما عن معاني الحياة وأسرارها، ومن ثم أبان عنهما بأسلوب مميز خاص بهما وقد مال كل من  شكري وفاني في تذوقه للصورة في قصائد عدة إلى السوداوية والظلمة، فما الذي دعاهما إلى ذلك التذوق المرير، وما هي تداعيات ذلك الأمر على الشاعرين وما هي الموقات التي أثرت على حياة كل من الشاعرين وأدبهما؟

لقد اجتمعت دواعي كثيرة عند عبدالرحمن شكري وفاني البدايوني منها ما كان داخلياً ومنها الخارجي فإحساسهما المرهف، وتفكيرهما العميق أثرا فيهما بطريقة كبيرة إذ جعلاهما يتذوق طعم الألم والسعادة، بل تذوقهما للألم جعلهما يعرف معنى السعادة، كذا خيالهما الخصب دفعهما إلى الشعور بالخوف والألم حتى أصبحا يخشيان كثيراً من مصائب الحياة وإن لم تحدث لهما. بالإضافة إلى معاناتهماالذاتية وشعورهما بالشقاء والبؤس يؤاخيانهما، حتى تمنيا الموت وفضلهما على الحياة وطعم لذتهما بالأحزان والهموم لعدم تحقق الأماني، وكذلك ضاعت عقول الناس وسوء ظنه بهم وبنفسه (هذا كان خاصا مع شكري فقط)، وخيبة أملهما في صداقتهم كان ذلك من الدواعي التي أثرت في نفسيتهما، وحالت بهما إلى تفضيل العزلة، وشعوره بالتفرد والغربة بين الأهل والصحاب حيث يقول:

بكائـي أننـي أغـــــــدو غريبـــــــــاً

                وحولي معشـري وبنـو ودادي

و كذلك يقول أيضا:

أظل غريبـاً بين أهلـي ومعشـري      

                                وكـم أشيب في قومــه كغريــب

و يقول فاني:

 

فانی دکن میں آکے یہ عقدہ کھلا کہ ہم

ہندوستاں میں رہتے ہیں ہندوستاں سے دور[21]

يعني عندما جئت "دكن "( حيدرآبادر راهنة ) و ما إن مكثت قليلا، حتى علمت هناك أني أسكن في الهند لكني أشعر بنفسي كأني أعيش في الغربة، يعني حتى في بلدي نفسه  بسبب تصرفات شعبه معي أشعر كأنني غريب.

 

 المطلب الثاني:الملامح المشتركة والنماذج من ديوان الشاعرين في التشاؤم:

بالرغم أنهما إختارا موضوعات عديدة لأشعارهما، بعض منها تتعايش وتتشابه وبعض منها تختلف كليا، فنأخذ  بعض الموضوعات التي تتشارك فيها عبد الرحمن شكري وفاني البدايوني معا بغض الطرف عن جميع الموضوعات  من جراء ضيق الوقت.

حب للموت وكره للحياة:

أن شعر الموت كما تناوله شكري وفاني كان في معظم الأحيان نابضا بحب الحياة. أن شكري يقابل دائماً بين حس المرأة والموت، وبين الحياة والموت، وبين كفاح الناس والصراع اليومي من أجل السبق والظفر، وبين الموت وبين أحلامه وأمانيه وبين الموت الذي يتربص به لمنعه، وبين الموت وجلاله، وبين نبض الحياة في جمالها ومظاهرها، وبين سكوت الموت وصمته المخيف... وهو بعد ذلك يتمنى الموت ليستريح، لكنه حيث يثب إلى ما بعد الموت من وحشة مظلمة وانفراد متحيراً بين حب الحياة وطلب الموت ثم يغلب عليه حب الحياة.[22] يقول في قصيدة بين الحياة والموت:

أعالـج صرف الدهر في غير مطمع        

وافعـل ما تملـــــــــي علي المـقـــــــــــادر

ولكنني أرجو مـن الموت راحــــــــة      

ويفزعنــــــــــي وقـع له وخــواطـــــــــــــر

وماالعيش إلا الذئب تدمي نيوبـه    

                                 وللعـيش ناب قاتــل وأظــافر[23]

وتتجلى في هذه القصيدة مقابلة بين الحياة والموت وهي تحتوي على مضامين تشاؤمية، وعبرت عن نظرة شكري التشاؤمية للحياة وتفضيل الموت عليها، ومن ثم تمسكه بأهداب الحياة وما فيها من لذائذ ومحاسن، وما فيها من أشواك قد تدمينا لكن البشر يواصلون السير رغم الأشواك. [24]

وشكري دائم التساؤل عن حقيقة الموت والحياة، وهو في القصيدة التالية يخص الحياة بتساؤل غريب إذ أنها لغز يصعب حله، وفهم عناصره حتى بعد أن يموت الإنسان يظل يتساءل عنها وهو دفين في قبره يقول:

خبريني نفـائس اللحـد أم    

                                كل رميـم في لحـده صميـت

هل لحـي من ميـت هــاتـف     

                                يوضح أمر الحيـاة وهو مقيت

هل عدته الحياة أم ليس يدري    

تلك حـــلم وما الحلم بثبـــوت

رب ميت يسأل الحي عنـــها    

وهو في اللحد جائر مكبـــوت[25]

اعتقد الشاعر أن الميت قد ينادي الحي لأنه قضى نحبه دون أن يطلع على لغز تلك الحياة، وتساؤله الدائم الذي يوصله إلى ذلك التخيل ينم عن رغبته الدائمة في الإبانة عن سر الحياة، الذي يكمل بالموت إلى أن بلغ إلى حقيقة أن جمال الحياة تغير والموت تغير، فالموت جمال وكل شيء في الطبيعة وفي الحياة يتغير ليثمر في النهاية شيئاً آخر جديداً وجميلاً، ولو لم يكن تغير لم تكن جدة، ولم يكن جمال.

نجد في شاعرية فاني البدايوني أيضا نزعة الحب للموت، وكرهه للحياة. أكثر من مرة إنه ذكرها في شعره كل ناحية من نواحي الموت، بالرغم من أن كثير من الشعراء الفارسين و بالإضافة إلى الشعراء الأردوين قد إختاروا موضوع الموت في أشعارهم، لكن فاني قد انقطع عن قرينهم في ذكر الموت في أشعاره بصورة أنيقة مختلفة حتى بلغ شأوا إلى حد ما أحد من من الشعراء المعاصرين قبله و بعده أن يعبر عن موضوعات الموت في أشعارهم حيث يقول:

آج روز وصــــــــــــــــال فـــانی ہے

موت سے ہو رہے ہیں راز ونیاز[26]

 إنه قد قدم الموضوع المهيب مثل الموت بصورة جميلة، وتشبيهات بديعة وألفاظ رائعة في عالمه الشعري. إن التمنيات للموت في الحقيقة هي محاولة النجاة من ألم الحياة نفسيا، إن اعتباره حياة موتا وبالعكس، والموت قبل وقته. هؤلاء كله نواحي تمنيات قوية مختلفة للموت. يقول:

آکر پلٹ نہ خالی اے مرگ جان لے جا

فانی کے سر پہ تیرا احسان رہ نہ جائے[27]

 لا نبالغ إذا قلنا أن شاعريته تعتبر بالإنجيل للموت [28]. إن الألم و الحزن لدى فاني عميق للغاية والذي يعتبر فلسفيا، لو كان الألم والحزن مؤقتا عنده فنزعة الخفة والعاطفي تطغى، لكن الحياة إذا تحولت في الحزن نفسه و صارت مثله فالعيش يبدو عواقب إذن، وفي ذلك الوقت عند الشاعر ما أجمل الأشياء سوى الموت، هو يبتغي فيه حياته، و يعتقد أن تمنيات المعشوق أيضا تختفي في ستار الموت، حيث يقول:

ادا سے آڑ میں خنجر کی منھہ چھپاۓ ہوۓ

میـــــری قضــــا کو وہ لاۓ دلہن بناۓ ہوۓ[29]

يقول جاء المحب ليقتل العاشق وهو إختفى وجهه في وراء السلاح، فدلاله جميل، و قد جعل الموت مثل عريسة جميلة. نجد فيها رائحة نزعة بوذا و شوبنهار جميعا، أنه لم يحرض الناس على ترك الدنيا فقط بل إنه قال إنما الدنيا هي الحزن والشر حتى حياة مقبلة عنده عبارة عن الحزن والشر ولا يمكن التخلص من هذه المأساة حتى تستوقف جريان الحياة، يعني عمل التناسخ و نحصل على السكينة.[30] وشوبنهار الفيلوسوف الألماني أيضا يدعم تشاؤم بوذا، ويقول إن الدنيا ومحاولة الحصول عليها كلها الخدعة والمكيدة، ينبغي للبشر أن يحاول للحصول على خلاص من هذه الدنيا المملؤة من الحزن و المحن.[31]

فلو تأملنا أدنى التأمل في هذه الفكر كلها ونرجع إلى فاني البدايوني فيتضح لنا جليا أنه أيضا عبر عن كره من الحياة وحب الموت، كما فعل بوذا وشوبنهار، وتمنى دوما لتحرير منه. والسبب وراء هذه النزعة هو الفشل في الحياة الذاتية حتى أنه كان يعاذل حياته و يتصورها عذابا، وعلاوة على ذلك نزعة التشاؤم أذكتها وعززتها وقدمتها في شكل جديد ينتمي إلى فاني فقط و ليس غير[32]. ويقول قاضي عبد الستار: إن فاني قال عشرات من الأبيات في تعبير عن حب الموت له، والألم و الحزن بسبب إفتراقه، وإضافة إلى الشدة في العواطف و الأخلاص فيها، يستكثر عدد أشعار نفسها حتى يمكننا أن نلقبه بشاعر حب الموت. [33]

  مشاعر الوجدان:

ارتباط الموت بالحب والجمال، مظهر آخر للتشاؤم في شعر عبد الرحمن شكري، يقول دكتور فرهود: أن شكري إذا استوحش من دلال محبوبته أو ضلالها رأى الموت أروح له مما يلقى من عناء[34]. وقد مهد شكري هذه الطريقة للخلاص من عذاب الحب، كما استنها للخلاص من شرور الحياة، ولديه طريقة مؤلمة للنفس في إظهار أزمات الموت، وما قد يحدث للحبيب إن هو طغى وتكبر وزاد في الجفاء، فالموت قادر على تحويل حسنه إلى قبح.

يا سمير الموتى أين لي حبيب      كان فـــي مقلتي بدراً تمامـــــــاً

غبنتني فيــه المنـون ولــو شــــــا       ءت لسامت به الأنام مساماً

أنت في الموت والحياة تقودين       فــــؤاداً متيـــماً مستهامـــــــاً

ورأيت العظام تعرى من اللحم    وقد فاق البهاء عــظـامـــــــــــاً

أبعدي عن مشمي النفس المـــر    فقد ما شممت منه البشاما

بينـــما أنــت كالضيـــاء بـــهاء    إذا تعودين رمة تتــحامى[35]

فترى قوة شكري العجيبة في تصوير الحبيب، وتحول جماله إلى قبح منفر، من عظام تتعرى من اللحم، وهذا النفس الخبيث الذي يصدر منها بعد أن كان حلو عذب المذاق.

أما فاني قد أحس حياته في جسده و أمنياته، أن الحياة لمن؟  هل هي للحزن؟ أو للفناء؟ أو للبقاء و الخلود؟  هذا السؤال كان يهمه جدا. كأنه يقول: أنا أؤد لذة الحياة وسعادتها، خلود الحياة وتحريرها، هذه هي مطالبة طبيعية لكل ذي العقل. شخصية فاني وأنانيته كانت تطالب أيضا بأن تكون مركزا للنظر والناس يحبه ويؤده إلى حد بان جميع أموره تنتهي إلى مرامه بحيث لا تضر أنانيته. لكن إذا كان للحياة عدم الخلود وعدم البقاء فأنا لا أتوقع من الحياة أي شيئ، لأنها خدعة وسراب، لعلها ليست الخدعة والسراب، لأني أشعر بأني حي و نحن على قيد الحياة لهذا السبب نحن نريد أن نعيش إلى الأبد. لكن لماذا؟ و كيف؟ هذه هي الأسئلة التي كانت مشاعر وجدان فاني تبحث عن ردها  المقنع في  الأخيلة التي كانت في شعور المجتمع المعاصر.[36] إن في  تشكيل نظرية حياته و تصور كونه نجد العوامل الشعورية واللاشعورية المختلفة، بداية فكره ونهايته هي الحياة. إنه كان يعتقد في هذا المثل بأن الأشياء تعرف بأضداه، فاني تعرف على الحياة بالموت، فيقول:

زندگی کی حدیں ملتی ہیں کہیں ایماۓ اجل ہے آگے بڑھ

منـــزل کا نشاں ہے ہر منزل، آرام کسی منـــزل میں نہیں[37]

عادة ما الموت يعتبر نهاية الحياة وهدفها، يقول الشاعر فاني الحياة عبارة عن سفر لا يحد، ولا يتصور لمنزله، حتى الموت ليس هو المنزل أيضا، بل هو علامة المنزل التي تشير إلى أن تستمر سفرك يعني حتى  لا راحة بعد الموت.   

الطبيعة:  الطبيعة عندهما مظهرة تشاؤمية:

فالطبيعة في نظر الرومانسيين صادقة التعبيرفي صمتها وفي غضبها، وجمالها آخاذ في سكونها وحركتها، فسكون الليل عندما يشتد الظلام تسمع أنفاسه ويفيض جلاله، ويعلي الشاعر رأيات الموت خفاقة يقول الشاعر مصوراً هذا الإحساس القاتم بجلال الليل، فكل من شكري و فاني شاعر رومانسي، فهما ينظران  إلى الطبيعة ما ينظر شاعر رومانسي إليها فيقول:

ملأت الكون من نفس عميق      فاسمع كل ذي قلب مفيـــق

وأجريت الجلال على سكون     يفيض على ظلامك كالأنين

وأخرست الحيـاة وراغبيها     وريح الموت تخفق منك فيها[38]

فالجلال والسكون يشبهان الأنين الصادر عن قلب ملتاع أصابه الألم والوجع وثم جاءت الاستعارة تكشف عن رؤية سوداء لإطلالة الليل وقدومه، "فأخرست الحياة "فلم يعد يستطيع أحد النطق من هول ما يرى وشدة ما يجد، وسر احتباس النفس العميق ذلك الجلال الذي يخيم على أنحاء الكون، فالليل يشبه الموت الذي يخرس الحياة إذ أن الحياة تسكن في الليل فترى الناس هامدة مقيدة الحركة ساكنة النفس، وهو إذ يصف الليل بذلك، ثم ينتقل إلى وصف ضوء القمر وهو يرافق سكون الليل حين يرى السآمة على الهلال تحجب جماله، بل وتجعله مثيرا للخوف في النفس والفزع.

وكذلك فاني نجده أيضا ألبس الطبيعة وشاح الحزن و الشؤم في بشكل أنيقة مثل الرباعية التي قالها في "حديقة نشاط" تقع في محافظة كاشمير، جنوب الهند، وصورها تصويرا سلبيا، حيث يقول:

 

اس باغ میں جو کلی نظر اتی ہے         تصویــــر فسردگی كي نظر آتی ہے

کشمیر میں ہر حسین صورت فانی        مٹی میں ملی ہوئی نظر آتی ہے[39]

 

 

پھولوں کی نظر نواز رنگت دیکھی       مخلــــوق کی دلگداز حالــــت دیکھی

قدرت کا کرشمہ نظر آیا کشمیـــــر        دوزخ میں سموئی ہوئی جنت دیکھی.[40]

 

يعني أن معانة حياته لم تتركه حتى لزمته كالظل هنا في الحديقة أيضا، يقول أن وراء كل هذه الصورة الجميلة أشعر الصورة القبيحة كأنها متخلطة من التراب، بالرغم ، على إلقاء النظر الأولى أنها تشبه بالجنة، لكنها في الحقيقة مثل الجحيم. هذا خير شاهد على  قدرة التعبير للشاعر عن مشاعر تشاؤمية.

الملخص:

تلخيص الكلام في هذا المقام أن التشاؤم لم يكن طبيعة الشاعر بل من تداعيات الظروف والمؤثرات في الحياة. ومن تقصى سيرة شكري  وفاني  يجد أنهما انسان قد عمل بجد وكفاح خلال مراحل حياته العلمية والعملية، وتذوق لذة الفرح كما تذوق لذة الألم، فهما شاعران نافذا البصيرة يراقبان البدايات ويتأملان النهايات ويحللان مأساوية الأشياء، ثم يتغنيان بهما بشكل خاص .

 

المصادر و المراجع:

 

1.      إبراهيم، عبد الله عبد الرزاق، وشوقي الجمل، تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر، دار الثقافة للنشر و التوزيع، القاهرة،1997م.

2.      البدايوني، فاني، باقيات فاني، انجمن اردو ترقي، الهند، 1958م.

3.      البدايوني فاني، عرفانيات فاني، 1939م.

4.       خان، شاهد علي، منتخب الكلام لفاني، آزاد کتاب گھر کلاں محل ، دهلي، سنة الطباعة لم تذكر .

5.       سلامة، يسرى، شاعر الوجدان عبد الرحمن شكري ، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ، الكتاب الأول مكتبة الجامعة، سنة الطباعة لم تذكر.

6.      طفيل أحمد، مسلمانوں کا روشن مستقبل، مطبع عليمي، دهلي، 1945م.

7.      فرهود، محمد سعدي، لحق ديوان عبد الرحمن شكري، مطبعة زهران، القاهرة، 1980م.

8.      قاضي عبد الستار، اردو شاعري مين قنوطيت، علي جراه، 1963م.

9.      مجلة دارالعلوم الأردوية، خلیق نظامی، العدد 1110 ، المجلد 91 ، رمضان- ذي قعده، 1428 ھ, (اكتوبر- نوفمبر،دار العلوم ديوبند، اترابراديش، الهند، 2007م

10.  معراج الحسن، فانی کی شاعری میں حزنیہ عناصر، مطبع جيد، مراداباد، الهند ،1999م.

11.  مغني تبسم، فاني: حيات، شخصيات، و شاعري، نيشنل بك ڈپو ،مچلی کمان، حيدراباد،1969م.

12.  مقدمة ديوان عبد الرحمن الشكري، توزيع دار المعارف ، الاسكندرية ، جمع وتحقيق نقولا يوسف ، 1960م.

 

 



[1] إبراهيم، عبد الله عبد الرزاق، وشوقي الجمل(1997) تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ص 275

[2] مقدمة ديوان عبد الرحمن الشكري، ص 14-15

[3] يسرى سلامة،  شاعر الوجدان عبد الرحمن الشكري، مكتبة حامد، القاهرة، ص 37

[4] يوسف، نقولا- (1985) - مقدمة ديوان الشاعر، الجزء الأول، ص 4.

[5] يوسف نقولا، عبد الرحمن شكري : حياته و آثاره، ص 6

[6] حمدي ، سكوت/ د.جونز،  أعلام الأدب المعاصر في مصر، دار الكتاب المصرية، ص 129

[7] مقدمة ديوان شكري، الجزء الثاني، ص 135

[8]  نفس المصدر، ص 135

[9] حمدي ، سكوت/ د.جونز -(1980) - أعلام الأدب المعاصر في مصر، دار الكتاب المصرية، ص 27

[10]  طفيل أحمد، مسلمانوں کا روشن مستقبل، مطبع عليمي، دهلي، ص 80

[11]  ماہنامہ دارالعلوم،  خلیق نظامی، العدد 1110 ، المجلد 91 ، رمضان- ذي قعده، 1428 ھ, وفقا شهر اكتوبر- نوفمبر،

[12] مختار، مجلة علي جراه (العدد الخاص لفاني)، فاني كى مفارقت مين، ص 27

[13] فاني بدايوني، تبسم، مغني، ص 22

[14] مختار، مجلة علي جراه (العدد الخاص لفاني)، فاني كى مفارقت مين، ص 27

[15] تبسم، مغني، (فاني بدايوني): حيات ، شخصيات و شاعري، ص 29

[16]  مقدمة ديوان فاني،  ص 11

[17]  تبسم، مغني، (فاني بدايوني): حيات ، شخصيات و شاعري، ص 35

[18]  المرجع السابق، ص 35

[19]  تبسم، مغني، (فاني بدايوني): حيات ، شخصيات و شاعري، ص 38

[20]  فاني(1904) عبد الشكور، مطبعة فاروقي، دهلي، ص 32

[21]  عرفانيات فاني، ص 38

[22] شاعر الوجدان يسري سلامة، ص 129

[23] ديوان الشاعر، ج3 ، ص 314

[24] شاعر الوجدان- يسري سلامة، ص ١٢٦ بتصرف

[25] ديون الشاعر،ج 6 ص 490

[26]  باقيات فاني، ص 124

[27] ديوان فاني، ص 50

[28]  مجنون كوركهبوري، غزل سرا، ص 257

[29] عرفانيات فاني، ص 87

[30]   معراج الحسن، () فانی کی شاعری میں حزنیہ عناصر، ص 171-172 

[31]  معراج الحسن، () فانی کی شاعری میں حزنیہ عناصر، ص 172 

[32]  نفس المرجع ص 172

[33]  قاضي عبد الستار () اردو شاعري مين قنوطيت، ص 197

[34] لحق ديوان شكري د/ محمد السعدي فرهود، ص 16

[35] ) ديون الشاعر، ج 2 ، ص 116

[36] مغني تبسم، () فاني: حيات، شخصيات، و شاعري، ص 184

[37]  عرفانيات فاني، ص 56

[38] ديوان الشاعر، ج 2، ص 118

[39] عرفانيات فاني، ص 135

[40]  عرفانيات فاني ، ص 135

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو