Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/DR AYUB.jpg

 

شعر النقائض ديوان العرب في العهد الأموي

د. محمد أيوب تاج الدين الندوي

أستاذ قسم اللغة العربية

 الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي

Email: mayub@jmi.ac.in

 

كان الشعر في العصر الأموي صقلاً للآداب الجاهلية، وولادة للآداب الإسلامية، وكان منقسما إلى طوائف سياسية عديدة، وكان كلُّ شاعر يعبّر بآرائه واتّجاهه السياسي في شعره. وامتاز هذا العهد بفنين أدبيين ظهرا بشكل متميز في هذا العصر فشغلا بيئتين مهمتين من أقاليم الدولة العربية الإسلامية، فشاع الغزل في بلاد الحجاز بنوعيه العذري والصريح واشتهر في العراق فن النقائض ذلك الفن الذي استوقف العرب كثيراً لعودته بهم إلى الجاهلية التي ما زالت تجري في عروقهم، وأشهر أعلام هذا الفن جرير والفرزدق والأخطل.

وإن شعر النقائض هو أحد فنون الأدب التي بدأت بواكيرها منذ العصر الجاهلي وتطورت وأصبحت فنا أدبيا قائما بذاته في العصر الأموي على أيدي ثلاثة شعراء أمويين هم الفرزدق وجرير والأخطل، ولكن نقائض الفرزدق وجرير هي الأكثر شهرة وعمقاً في هذا المجال من الأدب في تاريخ الأدب العربي على مر العصور. 

كان الشعراء في العهد الأموي ينغمسون في تلك الخصومات والعصبيات القبلية التي تغذوها الدولة وتذكي نارها، فذاع فن شعري طريف وهو فن النقائض. وذلك أن يقول الشاعر قصيدة يهجو فيها شاعرا آخر ويسخر منه ومن قبيلته ويفخر بنفسه ورهطه وبما لهم من أمجاد في الجاهلية ومكانة في الإسلام، فيجيبه الشاعر بقصيدة – على وزنها وقافيتها في الأغلب – ناقضا كثيرا مما جاء به الشاعر الأول من معان وصور، مضيفا إليها من جانبه مزيدا من الفخر والهجاء.

والنقيضة تدور في الأغلب حول محورين أساسيين، أولهما فخر وهجاء قبلي، والثاني فحش من القول يتناول أعراض الأمهات والزوجات والأخوات ونساء القبيلة بوجه عام، فيه قدر غير قليل من الطرافة والفكاهة والسخرية اللاذعة، والناظر في أمر هذه الصور الفاحشة يدرك أن المتناقضين ومن يتلقون شعرهم لم يكونوا يأخذون الأمر مأخذ الجد، وإلا لكان أقل قليله كافيا لإراقة الدماء، بل كان الأمر يبدو كأنه "مباراة شعبية" في الفكاهة والسخرية.  وليس أدل على ذلك من أن جريرا قد رثى الفرزدق بقصيدة جيدة نسب إليه فيها كل ما ينسب إلى السيد العربي الجليل واصفا خسارة قبيلتيهما تميم بفقد هذا الشاعر الفذ:

لعمري لقد أشجى تميماً وهدّها    على نكبات الدهر موتُ الفرزدق

وقد اشترك في تلك المناقضات عدد كبير من شعراء ذلك العصر. لكن أشهر النقائض ما كان بين جرير والفرزدق.  وكما يقول الدكتور شوقي ضيف "وأهم من وقفوا حياتهم على تنمية تلك النقائض القبلية مستلهمين فيها ظروف العصر وأحداثه السياسية جرير والفرزدق التميميان. وكان أولهما من عشيرة كليب اليربوعية، والثاني من عشيرة مجاشع الدارمية."[1]

والقصيدة من النقائض قصيدة طويلة – في الأغلب – قد يبدؤها الشاعر بالمطامع العاطفية ووصف الرحلة كالمألوف، وقد يقتحم الفخر والهجاء منذ البداية. ولم تكن النقائض مجرد عملية شعرية تلهو وتلعب بعزة القبائل بل كانت سجلا تاريخيا لذكر القبائل العربية وبيان منزلتها ولقد صدق الدكتور شوقي ضيف حينما قال: "ومعنى ذلك أن جريرا والفرزدق درسا دراسة عميقة تاريخ القبائل العربية في الجاهلية والإسلام واستلهما هذا التاريخ في نقائضهما، بحيث تعد وثائق تاريخية طريفة." [2]

كان الفرزدق واحدا من أركان المثلث الأموي، ولد بالبصرة سنة 20 هـ الموافق 641م وكان يتجول في البادية فتطبع بطبائعها من قوة شكيمة، وغلظة وجفاف، وتعال على المجد، يعضده في ذلك شرف أصل وكرم محتد. ويقول الأستاذ علي فاعور عنه: " نعم الفرزدق بعمر مديد، قضى معظمه في الفسق والفجور، فتكشفت له نواحي الحياة بشهدها وحنظلها، فأقبل على الدنيا ينهل من ملاذها، ويتزود من مفاتنها، حتى إذا مرت به لمحات من الزهد، تنبه من غفوته، فراح يهجو إبليس مشيرا إليه بأصابع الإتهام قائلا:

أطعتك يا إبليس تسعين حجة    فلما انقضى عمري وتم تمامي

رجعت إلى ربي وأيقنت أنني     مــــــــلاق لأيام المنون حِـــــمامي[3]

وإن شعر الفرزدق، فضلا عن قيمته الأدبية، ذو قيمة تاريخية كبرى، لأنه يطلعنا على نواح كثيرة من حياة صاحبه وخصومه، وعلى أخبار العرب وأيامهم وعاداتهم، وعلى أخبار الدولة الأموية وتصرف عمالها وولاتها وعلى الفتوحات والجيوش وغير ذلك مما يؤلف سِفراً ضخما.

وأما جرير فولد باليمامة من بلاد نجد، ثم انتقل إلى البصرة في العراق، وامتدح الحجاج بن يوسف، ثم اتصل بخلفاء بني أمية ومدحهم فأغدقوا عليه المال الوافر، وكان من فحول الشعراء وأصحاب التقدم. "بيد أن جفاء البيئة الاجتماعية أورثه حدة في المزاج، وخشونة في المعاملة، وتعصبا شديدا لقومه، وحملا شنيعا على أعدائه، مما كان يسبب له سرعة في الانفعال، ومن ثم مالت به نفسه نحو الشر والمنازعة، حتى بدا ذلك فيما بعد في شعره ولا سيما الهجاء الذي اتسم به وقطبي الشعر الأموي الثانيين الأخطل والفرزدق."[4]

وأما الأخطل فهو من فحول شعراء الدولة الأموية ولد في الحيرة نحو سنة 20هـ / 640م وحرم أمه صغيرا، فأساءت إليه زوجة أبيه فهجاها في شعره. توثقت علاقات الشاعر مع بني أمية، فتقلب في بلاطهم بدمشق، ناعما بالحظوة والإكرام، حتى إذا ولي يزيد الخلافة أجمل معاملته وجعله رفيق حياته، فمدح الشاعر يزيد بعدة قصائد، ولما توفي رثاه. ويذكر مجيد طراد عن الأخطل : " ...أن أخلاق الأخطل كانت مزيجا من أخلاق البدو والنصارى والمسلمين، إذ اقتضت عليه طبيعة دوره في بلاط بني أمية أن يأخذ ببعض تعاليم الإسلام، يضيفها إلى عاداته النصرانية التي حملها عن قبيلته تغلب، كما يضيفها إلى عصبيته القبلية التي تمسكت بها قبيلته منذ عصور الجاهلية الأولى."[5]

ونستطيع أن نقدم في التالي نموذجا مثاليا للنقائض في لاميتي الفرزدق وجرير المعروفتين. فالفرزدق يفخر – كعادته – بعزة قبيلته ومجد آبائه وأجداده، ويعير جريرا وقبيلته بضعف الشأن وقلة العدد.  وجرير إلى جانب فخره وهجائه على هذا النحو، يدور حول معنى لا يكاد ينساه في نقيضة من نقائضه هو أن بعض آباء الفرزدق كان قينا "أي" حدادا، مستغلا تلك الحقيقة ليولد منها كثيرا من الصور الساخرة الطريفة.

يبدأ الفرزدق قصيدته فاخرا بعزة بيته وسيادة آبائه فيقول:

إن الذي سمك السماء بنى لنا        بيتـــــا دعائمه  أعز وأطول

بيتا بناه لنا المليـــــــــك، ما بنى        حكم السمــاء فإنه لا ينقـــــل

فينقض جرير هذا القول بقوله مرددا كثيرا من ألفاظه:

أخزى الذي سمك السماء مجاشعا   وبنى بناءك في الحضيض الأسفل

بيتــــــــــا يحمِّــــــم قينـــــــــــــكم بفنــــائــــــــه     دنســـــــــاً مقاعــــده خبـيـــــــــــث المدخــل

ويسخر جرير من حديث الفرزدق أنه يحتبي بفناء بيتهم من سادة فينقضه بقوله:

قتــل الزبيــر وأنت عاقـد حبـوة    تبــاً لحـــبـــوتك التــي لــم تحــلل

ويقول الفرزدق:

أحلامــنا تــــزن الجبــال رزانة     وتخــــالنــا جنًّا  إذا ما نجــــهل

فيرد جرير بقوله:

أحـــلامنـــا تزن الجبـــال رزانـــــــة  ويفـــوق جاهـــلنا فعـــال الجهـــــــــــــل

أبلـــغ بني وقبــــــــان أن حــلومهـم   خـــفّ، فلا يزنــون حبـة خردل

كانت النقائض تجري دائما على هذا النحو في كل أجزاء القصيدة، بل يتجاوز الشاعر الرد على أقوال صاحبه معنى معنى إلى الهجاء العام والفخر بالأيام القديمة والآباء والأجداد، ويمضي الشاعر في تعداد تلك الوقائع القديمة بتفصيل عجيب خالطا بين ما كان منها في الجاهلية والإسلام. وكأنه ما زال يعيش في العصر الجاهلي بكل قيمه الخلقية وعصبياته القبلية، ولذلك نرى الشاعر يعتمد على مجرد قدرته على النظم الجيد وصياغة العبارة المحكمة الطنانة. وهكذا لا يجد قارئ هذا الشعر صورة فنية كاملة مستقلة بذاتها، ويرى نفسه مضطرا إلى قراءة شروح تاريخية طويلة تمضي به في متاهات من الأحداث الصغيرة والأنساب المتشابكة والوقائع القبلية القديمة.

ولعل أطرف ما في هذه القصائد سخريتها وفكاهتها، وبخاصة حين يتصل الأمر بالنساء. وكثيرا ما يعتمد أصحاب النقائض في سخريتهم على تكرار أسماء من يهجونهم ويسخرون منهم، وكأن الشاعر لا يريد أن يغيب اسم من يهجوه لحظة عن سمع السامع أو القارئ، وكأنه يريد أن "يحفر" تلك الصورة الساخرة- بالتكرار المُلِح – في فكره ووجدانه.

ومن ذلك قول جرير:

وقد جلّت نساء بني نمير       وما عرفت أناملها الخضابا

إذا حلـــت نساء بني نمير     على تِبْراك خبثــت التـــرابــــــا

ولو وزنت حلوم بني نمير     على الميزان ما وزنت ذبابا

فصبرا على تيـوس بني نميـر    فإن الحــرب موقدة شهابا

فغــض الطرف إنك من نمير    فلا كعبــا بلغــت ولا كلابا

وحين أجابه الفرزدق استعان هو أيضا بالتكرار لكي يؤكد مجد بني نمير ويرفع ما دمغهم به جرير من هوان الشأن، ويدمغ بدوره بني كليب قوم جرير، فقال:

فإنك من هجاء بني نميــــــر        كأهل النـــار إذ وجدوا العذابا

رجوا من حرها أن يستريحوا       وقـــد كان الصديد لهم الشرابا

كليــــب دمنـــة خبثـــت وقلت        أبـى الآبــي لهـــــا إلا سبــــابا

وتحســـب من ملائمـــها كليـــب      عليـــها النـــاس كلـــهم غضابا

فأغلـــق من وراء بني كليـــــب      عطيّـــة من مخازي اللـؤم بابا

وخلاصة القول إن الدولة الأموية استغلت شعراء النقائض لتصرف أنظار الطامحين للحكم الأموي ولم يكن القصد أبدا من هذه النقائض إلا "تسلية الجماعة العاطلة التي تكونت في المدينتين الكبيرتين: البصرة والكوفة." [6]

لقد كانت النقائض عند ظهورها عبارة عن لون جديد من ألوان الأدب العربي والتي ظهرت على شكل مناظرات أدبية، كما كان لهذا اللون فضل كبير في تسجيل تاريخ العرب وصفاتهم وأنسابهم وعاداتهم وتقاليدهم، وجميع حكاياتهم، وكان لهذا اللون الأدبي فضل كبير في الإثراء اللفظي للغة العربية في العصر الأموي وامتد تأثيره لباقي العصور.

المراجع:

1-   شوقي ضيف الدكتور: تاريخ الأدب العربي العصر الإسلامي، الطبعة العاشرة، دار المعارف،  مصر. 1986م

2-   الأستاذ علي فاعور:  ديوان الفرزدق دار الكنب العلمية بيروت ، لبنان سنة الطباعة لم تذكر.

3-   حمدو طماس:  ديوان جرير الطبعة الثالثة 1429هـ / 2008م دار المعرفة بيروت لبنان.

مجيد طراد : ديوان الأخطل  دار الجيل بيروت لبنان سنة الطباعة لم تذكر.

 



[1] -  تاريخ الأدب العربي العصر الإسلامي ص 242

[2] - نفس المرجع ص 244

[3] - ديوان الفرزدق للأستاذ علي فاعور ص 7

[4] - ديوان جرير : حمدو طماس  ص5 و6.

[5] - ديوان الأخطل : مجيد طراد دار الجيل بيروت لبنان ص 9

[6] - تاريخ الأدب العربي العصر الإسلامي الدكتور شوقي ضيف  ص 250

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو