Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/BirthAnniversaryofLateMaulanaAbulKalamAzad.jpg

 

مولانا آزاد صحافيا ثائرا

دكتور معراج الندوي

 

                          الملخص:

يتربع أبو الكلام آزاد على مكانة الصدراة في مجال السياسة والصحافة بفكره وفلسفته ونزعاته واتجاهاته تجاه الهند والأمة الإسلامية حول العالم. قد تناول الكتاب والباحثين هذا السياسي القدير والمفكر العظيم والصحافي الكبير وبحثوا عن كل جانب من جوانب حياته وكتبوا عن أفكاره في السياسة والإسلام والقضايا الأمة الإسلامية. ولا شك في أنه صاحب فكرة واضحة، وعقيدة راسخة عن الخلود الرسالة المحمدية وعمومها. استخدم عبقريته الشعرية ومواهبه الأدبية والصحافية في نشر عقيدته وشعوره ودعوته. وقف موهبته ي الدفاع عن الإسلام مشيدا بعظمته وخلود مبادئه وحرص على وحدة المسلمين وتضامنهم في وجه الإخطار.

مدخل: لقد انجبت الهند في أرضها الخصبة كثيرا من الأدباء البارعين الذين لهم دوي في الأوساط العلمية والأدبية، ولهم جولة وصولة في الآداب والثقافة العامة، مثل الأستاذ شبلي النعماني، والسيد سليمان الندوي، ومسعود عالم الندوي، ومحمد الحسني ومولانا محمد علي جوهر، والسير سيد أحمد خان، والسيد أبو الأعلى المودودي والأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي وغيرهم، إنما يرجع السبب إلى" الصحافة" التي استخدموها لإيصال الأفكار إلى كل طبقة من الناس، وللتعبير عما في نفوسهم وقلوبهم، وبها بلغوا ما بلغوا في قمة عالية من الأدب والبلاغة والفصاحة، ولعبوا دورا بارزا فيما أرادوا وقصدوا من الهدف المنشود والغرض المطلوب والغاية القصوى وكسبوا بها أنظار الناس إليهم، وسيطروا على عقولهم، وتملكوا زمام أفكارهم، فمن بين تلك الكوكبة النيرة والنخبة الممتازة المختارة إمام الهند أبو الكلام آزاد. يعد أبو الكلام آزاد من عباقرة العلماء و نوادر الزمان، وأفذاذ الرجال قلما يجود بمثله الزمان. كانت شخصيته شخصية ممتازة جامعة بين العلم والأدب، بين الدين والسياسة، بين القديم والجديد، وكانت شخصيته شخصية مترامية الأطراف، متعددة الجوانب. كان رجلا موهوبا،  عالما بارعا ، خطيبا مصقعا، كاتبا قديرا، وصحافيا كبيرا، وفي الحقيقة كان عبقريا في كل مجال من المجالات ومنها مجال الصحافة التي اتخذها  مولانا آزاد  لمصالح الأمة والوطن.

مولده ونشأته:

ولد مولانا آزاد أبو الكلام آزاد من أب هندي وأم عربية عام 1888م في مكة  المكرمة. وسمى باسم محي الدين أحمد. انتقلت الأسرة بعد مولده بسنتين من مكة إلى مدينة كلكته بالهند. كان حباه الله ذهنا حرا متنورا منذ صباه. فاكتشفت نفسه طرقا جديدة في مجالات الدراسة والفكر والتعبير. ولم يجعل التقليد الأعمى سائغا لنفسه قط. درس الكتب المنهجية في لغتي الفارسية والعربية الكتب الدينية المعتمدة ذات الأهمية البالغة. ولم يرو به بل أخذ يتعرف على العلوم الغربية وفنونها وأفكارها من خلال مطالعته الشخصية حتى صار ذهنه ملتقى رائعا للقديم الصالح والجديد النافع يمتاز بطراوة الأفكار. ولم يخرج على الدين بل جمع بين الدين الخالد الذي لا يتغير والعلم الذي يتغير ويتطور ويتقدم. إنه كان يؤمن بالدين الخنيف بقوته ونفوذه. وكات له خبرة في إثبات العقائد الإسلامية على أسس المنطقية. كان الشعر أول مظهر لقوته الإبداعية فتخلص "آزاد" ولو لم يملك مؤهلات فائقة بأن يكون شاعرا فسرعان تخلى عن هذا المجال ودخل في مجال الصحافة وكتب بعض القضايا التي كانت ذات أهيمة في أسلوب عاطفي حماسي واستنفد قوة خطابته كلها فيها. لم يكن مولانا آزاد صحافيا  تقليديا أو فنيا. كانت مقالاته متعددة المواضيع من سياسة واجتماعية ودينية وتاريخية متسمة بالطابع العلمي.

 مولانا آزاد خطيبا مصقعا:

 وكان المولانا آزاد خطيبا مصقعا لا يوجد نظيره في هذا الباب. كان يتصدى لإلقاء الخطبة في حفلة الجماهير أيا كان موضوعها يترأى السامعون كأن الطور على رؤسهم وأنهم يستمعون إلى صوت يأتي من فوق السماء. وكان يغشي على حشود الملايين بخطبته التي كانت سحرا حلالا، ولم يكن مكثارا ثرثارا بل كان له أسلوب بديع لتحدث إلى الناس. وكان يأتي خلال خطبته بتشبيهات رائعة واستعارات بديعة، تارة في قوة الخطابة العربية وثانية في حلاوة الغزل الفارسي وجماله وثالثة كان ينظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في سلك حديثه كترصيع الفصوص في الخواتيم. وأخرى كانت توجد جاذبية مقناطسية في الألفاظ والكلمات بتعرضه ومحاكاته. وإذا كان يتحدث يترأى أن البروق تلمع في السماء وأن البحر يموج ويتصادم مع الجنادل والأحجار ليخلق فيها طريقة. ولا ينسى أحد استمع إلى خطب مولانا آزاد الحماسية زمن حركة الاستقلال فاعليتها ووشدة أسرها مادام يمشي على ظهور الغبراء.

مولانا آزاد أديبا بارعا:

كان مولانا آزاد إلى كونه خطيبا مصقعا أديبا بارعا وله أسلوب فريد في كتابة النثر. ولو كتب على التاريخ النثر الأردي وأساليبه، لا يغض النظر عن عن آزاد مهما كان ذلك العمل موجزا مقتضبا. إن صفحات مجدات جريدة "الهلال" تشهد بقوة كتابته و "التذكرة" رغم ثقله الذي يتسم به يحمل أسلوبا ولكن كتابه "غبارخاطر" يمثل صفاء أسلوب كتابته أكثر من غيره ويعد الكتاب موادا يفتخر به في تراث النثر الأردي بتعدد مقالاته وروعة أسلوبه وسلامة بيانه. "التذكرة" هي ترجمة حياته ولكنه انتهى في التوطئة والتصوير.  ومن سوء حظنا أن آزاد لم ينه عملا من أعماله الكتابية المهمة. ولو قدر له أن يكمل "التذكرة" لكان مرآة صافية يمكن أن نرى بوساطتها تاريخ ذلك العصر بكل صراحة و وضوح ولكنه لم يبلغ نهايته.

 مولانا آزاد مفسرا  للقرآن الكريم:

تصدى مولانا آزاد لتفسير القرآن الكريم  ولكن لم يقدر له أن يكمل أكثر من 18 جزء.  وكان له ذوق خاص في تفسير القرآن الكريم. وإن "ترجمان القرآن" يحتل مكانة عالية في تراث تفسير القرآن في اللغة الأردية. إن المجلد الأول من هذا التفسير يتميز  بإيجاز  وإختصار أكثر من بقية المجدات. خصص آزاد  هذا الجزء الأول بتفسير أم الكتاب وقد سماه بأم القرآن. لم تناول آزاد فيه سورة الفاتحة بالتفسير فحسب، بل تناول حملة مباحث القرآن الكريم ومحتوياتها نسبة الإيجاز والإطناب، أو الإجمال و التفصيل.  ولا شك، فإنه فتح آفاقا واسعة للمعاني والمطالب والتحقيقات الحديثة. نجد المؤلف في تفسيره لمختلف المواضع من هذا الجزء يتميز قلمه بروعة اليبان أكثر مما نجدها في غيرها من المجلدات حيث يقع هذا الجزء على ماتين وخمسين صفحة . تناول آزاد سورة الفاتحة بشرح تفصيلي وتفسير قيم لما فيها الصفات الإلهية التي وردت فيها. وإن تفسيره بسورة الفاتحة مليئة بالفوائد العلمية في أسلوب فصيح ورائع أخاذ يتلألأ كدرة في أدب أردو  التفسيري. وقد بين آزاد ما أراده من تحقيق الغاية بتفسيره للقرآن الكريم والنهج الذي انتهجه في عمله مشيرا إلى النقائض التي قلما تخلو عنها عماة كتب التفسير. فقال: "الغاية من تأليفه أن يظهر لفهم المعانى القرآنية والتدبر فيها كتاب يخلو من الإطناب الزائد الذي نجده في عامة كتب التفسير، ولكن يتوافر فيه كل ما يحتاج إليه القارئ لفهم القرآن فهما صحيحا كاملا. فكانت المحاولة الأولى أن يقدم ترجمة للقرآن الكريم باللغة الأردية، الترجمة التي تشرح القرآن شرحا كاملا حيث لا يبقي إحتياج إلى مزيد من الإيضاح. وبالإضافة إلى الملحوظات التي تقع بين حين وآخر والتي تواصل سيرها مع المفهيم والمطالب التي تتضمنها السورة."[1]إن هذا التفسير له مزايا كثيرة وخصائص هامة. لم يقلد آزاد أحدا ولم يتبع المفسرين القدامى والجدد، بل اختار لنفسه المثل الأعلى وسلك مسلكا يطابق بروح الكتاب والسنة والفطرة الإنسانية.

مولانا آزاد وطنيا صادقا:

 إذا ألقينا نظرة على مساهمات آزاد الوطنية والسياسية لفنجد أنه كان تبنى نظرياته السياسية قبل عام 1912م ودأب عليها طول حياته حوالي أربعين عاما. إنه كان وطنيا مخلصا صادقا وكان يعارض انقسام الهند إلى دولتين وبذل كل ما في وسعه أن لا تنقسم الهند إلى آخر لحظة ولكنها وقعت كل ما وقعت. اعتبر مولانا آزاد هذا الانقسام سوء حظه وهزيمته في مجال السياسة. إن هذا يدل على سمو نفسه وحبه للوطن. وكان رئيسا للمؤتمر الوطني لعوم الهند لمدة تستغرق سبعة أعوام. وأول ما انتخب رئيسا للمؤتمر لم يتجاوز عمره خمس وثلاثين سنة. لا يستطيع أحد من الزعماء السياسيين أن يمثل هذه السابقة العظيمة في الخدمات الوطنية إلا المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو. وعندما نالت الهند الاستقلال عام 1947م اختير وزيرا المعارف وقاد هذه الوزارة لمدة عشرة أعوام بطريقة حسنة ناجحة حيث أصبح  موسس للتعليم الجديد للهند المستقلة.  

 مولانا آزاد سياسيا قديرا:

 كان مولانا آزاد سياسي منفردا من طراز وحيد. إنه كان بعيد عن الأساليب العادية للسياسة. إن التاريخ الإنساني حافل بأسماء ارتبطت بحركات وثورات وبتغيرات اجتماعات. وفي تاريخ الهند الجديد- تاريخ الكفاح لأجل الحرية والإستقلال نجد اسم مولانا أبي الكلام يأتي في مقدمة قادة طلائع الحرية. وإنه بهذه المكانة بين أعظم القادة والزعماء. ميز دوره السياسي بعلم وشرف وعزيمة وإخلاص. وعرف بالتمسك بالقيم النبيلة- المزيج نادرا ما يوجد له مثييل في مجالات الحياة وينعدم خاصة في ميدان السياسة. قد مر مولانا آزاد بمختلف مراحل وأدوار في السياسة. و يمكن لنا أن نقسم تلك المراحل إلى ثلاة مراحل.

 المرحلة الأولى: من عام 1906م إلى عام 191م. وفي هذه الفترة عرف مولانا آزاد كداعية إسلامي،محب للوطن. وفي هذه المرحلة جعل آزاد " الأخوة الإسلامية العالمية" و "إحياء تراث الإسلام" على أسس معقولة. 

 المرحلة الثانية: من عام 18816م إلى عام 1919م. وهذه الفترة التي قضاها آزاد في ألاسر بقرية- مور آبادي- أربع سنوات وتتراوح عمره بين 32- 35 سنة. و ظهر خلالها على الساحةالسياسة الوطنية بوصفه قائدا من قادة "حركة الخلافة الإسلامية" و "حركة العصيان المدني" ضد حكم الإنجليز الغاشم.

المرحلة الثالثة: هذه الفترة من حياته السياسية تمتد من 1919م إلى1958م. وفي هذه الفترة من التاريخ عرف مولانا آزاد بتمحسه للقومية  الهندية الموحدة  وبرز في طليعة القادة والزعماء الوطنيين.

كان مولانا أبو الكلام آزاد يحب وطنه حبا جما ويؤمن بالوحدة بين المسلمين والهندوس كما يؤمن بوحدة  الأمة الهندية منذ وقت مبكر في حياته، فزادته الأيام أيمانا بأن وحدة الأمة هي ملاذها الأمن وطريقها إلى التقدم والإزدهار، و وسيلتها الناجحة للعودة إلى حفظ التاريخ. فلأمة الهندية بموقعها الفريد وطاقتها البشرية الهائلة وثرواتها الغنية مؤهلة لتحتل مكانة سامية في الركب العالمي، وتكون عنصرا مؤثرا في وضع حضارة المستقبل، حضارة تقوم على الإخاء والتعاون بين الأمم لينعم البشر بالرخاء والخير وترفرف عليهم رأيات المحبة السلام.

مولانا آزاد صحافيا ثائرا:

كانت شخصيته آزاد شخصية ممتازة جامعة بين العلم والأدب، بين الدين والسياسة، بين القديم والجديد، وكانت شخصيته شخصية مترامية الأطراف،متعددة الجوانب. كان رجلا موهوبا، ذكيا بارعا، وكان خطيبا مصقعا، كاتبا قديرا، وصحافيا كبيرا، وفي الحقيقة كان عبقريا في كل مجال من المجالات ، ومنها مجال الصحافة التي اتخذها مولانا آزاد كجزء من حياته واستخدمها لمصالح الأمة، وكان مولعا ومغرما بالصحافة منذ نعومة أظفاره. وكان له ذهن أخاذ فتمكن بأسرع وقت ممكن على الكتابة، وكان في عنفوان شبابه ولم يناهز عمره آنذاك من الحادية عشر بدأ حياته كصحافي، فلم تكن الصحافة لديه مهنة وظيفية، أوعمل لقضاء الوقت فحسب، بل اختارها لكي يطلع عامة الناس على مدى أهمية الصحافة ومكانتها في تغيير ما عليه من البيئة. فنهض أبو الكلام عازما على أن ينفخ روح الحرية، والاستقلال واليقظة في عامة الناس، ورأى أن الصحافة هي الوسيلة الوحيدة التي تقوم بهذا المهام.  وكان أبوالكلام آزاد يرى الصحافة كقائد وهاد وطريقة يستطيع الناس أن يصلوا معها إلى الصراط المستقيم، يقول : "إن الصحافة بمثابة هاد حي يهدي فى كل أمر إلى ما فيه من سداد وصواب، وتبعد عما فيه من قبيحة، وسوء، و ظلام، وهلاك، وتحث على أعمال الخير، والبر والمعروف.[2]   

أنشأ مولانا أبو الكلام مجلات مختلفة باللغة الأردية ثم باللغة العربية.، فأول مجلة أنشأها "نيرنك عالم" (ألوان العالم) باللغة الأردية في شهر نوفمبر عام 1899م بمدينة كولكاتا، ثم أنشأ مجلة باسم "المفتاح" باللغة الأردية بمدينة كولكاتا عام 1901م، ولم تصدر لمدة إلا وأن توقفت، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة         " أحسن الأخبار" في سنة 1902م الذي أسسه مولانا أحمد حسن في البداية وتلتهما مجلة "لسان الصدق" فهذه المجلة وإن توقفت بعد ما صدرت من 1903م إلى 1905م، وصدرت لها عشرة أعداد، ولكنها هزت دنيا الصحافة وسُمع صداها في العالم، واعترف الأدباء والصحفين بمقاصدها الجليلة وكسبت المجلة أنظار الأدباء والصحفيين إليها بحسن ديباجتها وأدبها الرفيع وأسلوبها الرشيق وجمال تراكيبها وأناقة ترتيبها وتزيينها. تأثر به الأديب والشاعر ألطاف حسين الحالي والأستاذ شبلي النعماني ومولانا وحيد الدين سليم الجستي، وكانوا في حيرة ودهشة كيف تمكن هذا الغلام في هذا السن المبكر من الكتابة البليغة وعذوبة الكلام ورشاقة الأسلوب وعمق الفكر والآراء السديدة الرصينة. ولما سنحت له الفرصة للذهاب إلى "لاهور" للمشاركة في حفلة عقدها "أنجمن إسلام" فقابل هناك من الشيخ ألطاف حسين الحالي فلم يكد يصدق بعد ما سمعه وتعرف على أنه هو مدير "لسان الصدق" بسبب المضامين العميقة والأفكار الرصينة في هذا السن المبكر، وكرر السوال هل أبو الكلام أبوك؟ فأجاب لا، أبو الكلام اسمي ولقبي، وأنا أبو الكلام، وهكذا حدث حادث مع الشيخ الأستاذ شبلي النعماني، وكان من مقاصد إنشاء هذه المجلة تنمية ذوق اللغة والأدب والتنقيد، وإصلاح المجتمع"[3] ولكن تلك المجلة بعد عامين توقفت بعد أبريل في سنة 1905م، ثم غادر مولانا آزاد إلى مدينة لكناؤ استجابة لدعوة موجهة إليه من قبل الأستاذ شبلى النعماني، والتحق بمجلة "الندوة " الصادرة من مدينة لكناؤ، وذلك من أكتوبر 1905م إلى مارس 1906م، وبدأ يعمل في هذه المجلة بكل جد واجتهاد، ونشرت مقالاته العلمية والأدبية التي كانت تأخذ بمجامع القلوب، وتسيطرعلى عقول الناس، ولكنه بعد سنة لم يستطيع أن يواصل جهوده في هذه المجلة بأسباب، فغادر إلى "أمرتسر" حيث أسس صحيفة "الوكيل" نصف أسبوعية، وذلك في سنة 1906م، ثم انتقل بدعوة من أبيه إلى كولكاتا، وأنشأ هناك صحيفة "الهلال" الأسبوعية سنة 1330هـ، التي طلعت في سماء الصحافة هلالا، ولكنها تلألأت وظهرت فيما بعد بصورة بدر كامل، وأول عدد صدر لمجلة "الهلال" في 13 يوليو عام 1912م، وبعد سنتين توقفت في نوفمبر عام1914م بسبب مؤامرة الإنجليز بعد ما صدرت عشرون عددا، ثم قام بإنشاء صحيفة "البلاغ" سنة 1915م، يقول مولانا آزاد عن هذه المجلة: " صممت أن تكون مجلتى أنيقة الطباعة، قوية الدعوة والفكرة، وتطبع على الآلات الطابعة، لا على الطباعة الحجرية التقليدية، ولهذا أسست مطبعة جديدة لطبع الهلال، وصدر العدد الأول منها في شهر يونيو 1912م، وكان صدورها نقطة تحول في تاريخ الصحافة إذ نالت في أقل وقت إقبالا لم يسبق له نظير، وأعجب بها الشعب أيما إعجاب لا من ناحية طباعتها الراقية، والأوراق الجديدة فحسب، بل تأثروا بدروسها القوية، التي نشرته على صفحاتها، وخلقت الهلال بين عامة المسلمين حركة ثورية.[4] وكتب في العدد الأول لهذه المجلة "البلاغ" مقالة افتتاحية باللغة العربية الرصينة التي تدل في جانب على سعة دراسته وتضلعه بالعلوم العربية والإسلامية، وفي جانب آخر على قدرته القاهرة للتعبير باللغة العربية الفصحى مع الاستشهاد بالآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية.  وبعد سنة توقفت هذه المجلة أيضا في مارس عام 1916م، ولما أصدرت حكومة بنجال أمرا لإجلائه فأدخل في السجن في "رانتشي" ومكث هناك أربع سنوات، وبعد ما أطلق سراحه أنشأ مجلة أسبوعية "بيغام" (الرسالة) وفوض رئاسة تحريرها إلى مولانا عبد الرزاق المليح آبادي، وكان يتمنى أن يصدر مرة أخرى صحيفة "الهلال" فأصدرها في شهر 10 جون 1927م، ولكنها لم تطل مدتها إلا وأن توقفت بعد بضعة شهور في شهر ديسمبر 1927م.[5] وهذه المجلات كلها كانت باللغة الأردية.  

ثم أصدر مجلتين باللغة العربية هما: "الجامعة " التي صدرت في كولكاتا في سنة 1923م، ومجلة " ثقافة الهند" الصادرة في نيو دلهي منذ عام 1950م  وما زالت تصدر حتى اليوم- قاصدا توطيد الصلات وتوثيق العلاقات بين الهند وبلاد الحجاز. أما مجلة "الجامعة" فكان مولانا آزاد يهدف من إصدارها أن يقوم بتعريف العالم العربي بما لأبناء الهند من المساهمة في الكفاح في سبيل الحرية والاستقلال، وطلب التأييد من ملوك العرب، وكذلك تأييد الخلافة الإسلامية، وكتب مولانا آزاد على غلاف المجلة: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" الجامعة " مجلة أدبية اجتماعية تصدر مرتين في الشهر تدعو إلى الجامعة الإسلامية والشرقية تحت رعاية الأستاذ الشيخ أحمد المكني بأبي الكلام، من إدارة المجلة مطبعة البلاغ    25 ربن استريت كولكاتا الهند، المحرر والمدير المسؤل: عبد الرزاق اللكهنوي"[6] ومن أهداف هذه المجلة نشر اللغة العربية وتطويرها في أرجاء الهند، لأنها اللغة المقدسة لدى المسلمين في كل بقاع الأرض، كما أن حياتهم الاجتماعية والأخلاقية والدينية مرتبطة بهذه اللغة، وقامت هذه المجلة بدور كبير في إحياء العلوم الإسلامية وذلك عن طريق نشر المقالات الدينية والعلمية لعلماء ذلك المعهد، كما قامت بدور مؤثر في إيقاظ المسلمين وتعريفهم بأمور دينهم، وأدت واجبها في إثارة حمية المسلمين نحو مسؤليتهم، وواجباتهم السياسية بالرغم من أن عمرها لم يطل ولم يمتد الزمان بها كثيرا إذ توقفت في مارس عام 1924م بسبب سوء أوضاعها الاقتصادية وسقوط حكومة الشريف حسين بن على في الحجاز الذي كان السبب الأول في تأسيس هذه المجلة، وتعتبر هذه المجلة نقطة مضيئة في تاريخ الصحافة العربية في الهند، ومصدرا مهما للمعلومات المتعلقة بالأوضاع السياسية خلال عامي 1923- 1924م في كل من الهند الحجاز وتركيا.[7]

أما مجلة "ثقافة الهند" التي ما زالت تصدر حتى الآن بالمواظبة وبصفة الاستمرارية، أنشأها لتكون نواة وبذرة لتوثيق الصلات بين الهند والعرب ثقافيا وحضاريا ولتكون وسيلة لنشر اللغة العربية بين أبناء الهند، وعندما صدرت مجلة "ثقافة الهند" قال مولانا آزاد: " وأرى أن المجلس (مجلس الهند للروابط الثقافية) ينبغي له أن ينشئ لنفسه دارا للكتب، ويفتح قاعة للمطالعة ويستعد لإصدار مجلات ونشر مطبوعات مؤقتة أخرى.[8]

إن إسهامات آزاد في مجال الصحافة يمكن أن نقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تبدأ من البداية إلى إنشاء مجلة "لسان الصدق" 1903م كتب في هذه المرحلة مقالات علمية وأدبية وإصلاحية، وتتلوها المرحلة الثانية بدءا من التحاقه بـمجلة "الندوة" إلى مجلة "الوكيل" الصادرة من مدينة أمرتسر في سنة 1906م، وبدأت المرحلة النهائية منذ أن أنشأ مجلة "الهلال" و"البلاغ" التي بلغت صحافته من الأدب والبلاغة والفصاحة مبلغها، وأخذت منه مأخذها، وشقت صحافته من الأسلوب طريقة أثرت على أفكار المعاصرين من العلماء والأدباء، والصحفيين، ورجال السياسة، وهزت مقالاته قلوب المسلمين، وأقلقت بالهم، وأقضت مضاجعهم، وشنت غاراتها على غفلتهم، وأحدثت الثورة السياسية والدينية بين المسلمين، وكانت مجلته الشهيرة " الهلال" بداية جديدة في تاريخ الهند، وكانت تشبه مجلة "الهلال" لجورجي زيدان المصري، و" المنار" لرشيد رضا المصري، و "العروة" لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.  وكانت كتابات أبي الكلام آزاد في افتتاحيات "الهلال" و"البلاغ" باللغة العربية قطعة رائعة ونموذجا للأسلوب العربي، كما تتجلى في هذه الافتتاحية المذكورة فيما أدناه، خاطب أبو الكلام  جمهور من المسلمين في هذه الافتتاحية لـ "الهلال" يقول: "رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا".   وبعد: فقد رأيت رؤيا بعين اليقظة النابهة سنة 1906م ومكثت سنين متتالية أبحث عن التعبير العملي لهذه الرؤيا، وكنت في غاية الاشتياق لتحقيق هذه البغية، وما زلت بين الآمال والعزائم: ولطالما هاجمني القنوط مهاجمة عنيفة، للتغلب على عزائمي، والنيل من إرادتي، لكني تشبثت بعزيمتي المستحكمة معتمدا على عون الله، واثقا من تأييده إلى أن حان يوم أقول فيه "هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا" ولا يخفى على عالم السرائر، وعارف الخفايا، ما يحيط بي من المشاكل المضنية، وما يهددني من الآمال والأحزان،مما يكاد يذهب معه وعيي، ويحرمني طمأنينة البال، بيد أننا لا نجد مبررا لترك حياتنا تسير معطلة، وتضيع سدى. وما لنا نشتغل- كعادتنا- بالحديث عن الفشل والخيبة وشكوى الدهر؟ ليت شعري... ما دعا الناس إلى الإيمان بأن الحياة لا بد أن تكون مقرونة بالطمأنينة والهدوء؟ وما يمنعنا أن نقوم في وجه النوائب والآلام؟ ألا ترون الغواصين يسبحون البحر إلى شاطئ السلام، بينما يرتعد الخائفون وجلا وهم راكبون في السفن، أو واقفون على الشواطي؟ ألا إن الحياة مقرونة بالشدائد، لا فكاك لها قبل الموت، فهلا روض الشاكون أنفسهم على احتمال المشاق ومكابدة الشدائد فعبروا الأبحر دون خوف أو خشية.[9]

ويقول أبو الكلام آزاد في افتتاحية أخرى لمجلة "الهلال": "يا صاحبي السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " يا قوم اعلموا وأدركوا بأنه ما قدر أن يكون لا بد أن سيكون، وما من أحد يحول دون حدوثه، وسيأتي اليوم الذي تكون فيه الهند قد اجتازت آخر مراحل التطور السياسي، وسيسجل التاريخ تقدم البلاد وخطواتها في سبيل النهضة، أفلا فكرتم فيما سيسجله التأريخ عنكم.[10]

ونموذج آخر مما سطر قلمه الرصين في العدد الأول من مجلة "البلاغ" باللغة العربية بعنوان "المسلمون بين الاجتهاد والتقليد" يقول: الحمد الله الذي رضي لنا الإسلام دينا ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا وأمرنا أن نستهدي به صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد خاتم أنبيائه ورسله وصفوته من خلقه وحجته على عباده، وأمينه على وحيه الذي بعثه بتوحيد الألوهية ليحرر الخلق من رق العبودية، للعوالم السماوية والأرضية وبتوحيد الربوبية ليعتقهم من رق التقاليد الدينية.[11]

ملخص البحث: إن أبا الكلام آزاد رحمه الله كان رجلا عملاقا، نادرة من نوادر الزمان، ونابغة من نوابغ العصر، قلما يجود بمثله الزمان، كان قويا، قويا في الإيمان، قويا في الهمة، قويا في الإرادة، قويا في العلم والأدب، قويا في السياسة، وكل شيئ عرفت عنه الدنيا شرقا وغربا شمالا وجنوبا فهو بطريقة الصحافة التي استخدمها طول حياته وجعلها وسيلة لنشر وإبلاغ ما لديه من الأفكار والتوجيهات والتوصيات تجاه الشعب الهندي بالخطابة الرصينة والكتابة البليغة الأدبية الرائعة باللغتين العربية والأردية وأوصل الصحافة العربية والأردية في الهند إلى ذروة الكمال  والفن.

الهوامش:



[1]  الشيخ برهان الدين السنبهلي: دراسة موضوعية حول ترجمان القرآن:  ثفاقة الهند المجلد 39 العدد 304 عام 1988م

[2]  مجلة " مخزن " شهر مايو 1902م

[3] شاهجهانفوري، الدكتور أبو سلمان، انتخاب ، من "الرسالة" الأسبوعية، طبع بكراتشي باكستان

[4] مجلة ثقافة الهند. المجلد الأول. العدد الأول. ص: 6-7

[5] أبو الكلام  آزاد، غبار خاطر. دوسري مرتبه. لاهور.1962.ص:265

[6] محسن عثماني : مولانا أبو  الكلام آزاد، الطابع : الأكاديمية الأردية أندهرابراديش، حيدرآباد، 2008م

[7] أبو الكلام آزاد  مذكرات آزاد. مجلة ثقافة الهند. عدد سبتمبر 1985م. ص: 24-

[8] مليح آبادي : ذكر ى آزاد. الطبعة الأولى . كلكته. 1960. ص: 297- 298

[9] عبد القدوس دسنوي : أبو الكلام آزاد. ساهتية أكادمي. نئي دلهي

[10] محمد أيوب تاج الدين الندوي: مولانا أبو الكلام آزاد وإسهاماته في الصحافة العربية في الهند. ، ثقافة الهند. المجلد 55، العدد 1، 2004م ص: 39

[11]  مجلة ثقافة الهند. المجلد الأول. العدد الأول. ص: 6-7

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو