Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/20170906122051 (2).jpg

 

طه حسين و معركة الإعتـراب و الإغتـراب

                                                                                      مريم نور[1]

توطئة:

تقدر أهمية أستاذ الجيل طه حسين فى السياق الأدبي و النقدي حيث أيّ عمل صوب تدوين التاريخ الأدبي الجديد للغة الضاد لا يتم من غير إحالة إليه، على أن  مكانة  طه  حسين  فى النقد من  خلال مواقفه  من  القضايا الفنية إلي  قضايا  إنسانية ظلت دوامة احتدامات و معاكسات . على أن طه حسين لم يكن إبن عصر النهضة العربي- الحاضرزمنه  و حسب ،  بقدر  ما  كان  إبن   عصر النهضة – المستقبل ، مستقبل  الثقافة العامة ،  ثقافة   البحر  المتوسط بمعناها  العام، أو الغربالثقافي كما حاول أن يقدمه لنا داخل كتاباته و خارجها، خاصة فى تأليفه "مستقبل الثقافة فى مصر" الذى أثار الكثير من الجدل فى سياق أيديولوجي يمنطق الإعتراب أو الإغتراب.

و مرد ذلك كله يكمن فى منظور  طه حسين الذى اختلف  جذريا فى تقسيم الشرق و الغرب  فى السياق الرئيوي و الثقافي عن غالبية النقاد و المؤرخين  ، فالغرب الحضاري فى انتماءه  فى أصوله  الحضارية  إلى الحضارة الإغريقية   إنماينتمي بدوره إلي حضارة الشرق ، ليس الشرق الصيني أو الهندي بأي حال، إنما هو الشرق الذي اسهم كثيرا في صنع  الحضارة  و من هنا ،  فإن  انتماء  الشرق  العربي  اليوم  إلى  حضارة الغرب  يظل انتماء إلي الماضى الذى أسهمنا فى صنعه و عبورا إلي المستقبل الذى نمضي إليه فليس هناك تنافر_ بين حضارة البحر المتوسط اليوم و حضارة  المنطقة  التي نعيش  فيها .  و علي  هذا  النحو  ،  يكون ارتباطنا بالثقافة الغربية اليوم مرهونا بوعينا بالمستقبل. واضح أن هذا المنظور يمنطق معادلة تراجع بعض القضايا الجغرافية وفق مرجعيات أيديولوحية خاصة.

وقفة فى السيرة و المسيرة :

قبل الولوج فى منعرجات أدبية و نقدية لطه حسين يتعود الباحثون على وقفة فى سيرته، و معروف أنه ولد في 14 نوفمبر 1889 في إحدى القرى بصعيد مصر، فى عائلة من الطبقة البرجوازية الريفية الدنيا حيث لم تكن ميسورة الحال ، لكنها لم تكن معدمة كذلك و قد هيات لابنها الضرير أن يدرس  و  يتعلم ، فدخل بداء في الكتاتيب بعدما فقد بصره و هو في الثالثة، و انتقل الى  القاهرة  ليدرس  في الجامع  الأزهر  و  استمع  إلى بعض محاضرات الشيخ محمد عبده الذى كان  يعيش  أواخر أيامه ، و  هناك  تعرف  عن  عن  كثب  على علوم اللغة العربية و آدابها.

يحكى في كتابه (ألايام) عن انكبابه على التعلم فيقول : " و إذا هو يدرس شرح الطائى على الكنز  مصبحاً،  و الأزهرية مع الظهر ، و شرح السيد الجرجاني على ايساغوجى ممسياً. و كان يحضر الدرس الأول في الأزهر،و الدرس الثاني في مسجد محمد بك أبي الذهب ، و الدرس الثالث في المسجد الشيخ  العدوي  علي  أستاذ   من سلالة  الشيخ العدوي نفسه . و ربما الّم بدرس من دروس الضحى كان يقرأ فيه كتاب قطر الندى لابن هشام  تعجلاً للتعمق في النحو و الفراغ من كتب المبتدئين و الوصول إلى شرح إبن عقيل على الألفية . و لكنه لم يكن يواظب على هذا الدرس . كان يستجهل الشيخ ، و يرى في "قنقلة" الشيخ عبد المجيد الشاذلي حول  الأزهرية  و حاشية العطار ما يكفيه و يرضيه".

و لم يكتف بدروس الأزهر   بل  تعرف  على  أفكار  المعاصرين  من  المفكرين المصريين  و  اللبنانيين  و  لا  سيما الليبراليين منهم (من الطهطاوى و حتى أحمد لطفي السيد ) و في الجامعة مصرية الوليدة استمع إلى محاضرات بعض المستشرقين من أمثال ليتمان و نالينو و سنتيانا، و أخذ يتعلم اللغة الفرنسية ، و في العام 1914 غادر في بعثة الدراسية  إلى فرنسا ليدرس في السوربون ، و سرعان ما تم إعادته إلى مصر بسبب عدم وجود تخصيصات مالية كافية لاستمرار طلاب البعثة في الدراسة ، لكنه رجع إلي باريس ثانية في  1915  بعد  توفر الاموال  اللازمية لدى الجامعة مصرية فمكث في الباريس حتي 1919 ، و خلال هذه السنوات الأربع  الدرس  تلقي  العلم  على  يد أكاديميين و مفكرين كبار منهم إميل دور كهايم و إرنست بلوخ و غاستون لاتسون و بيار جاني و لوسيان  ليفي برول ، و طاع مؤلفات كبار الكتّاب الفرنسيين و تأثر بهم و لا سيما أناتول فرانس ، و كانت رسالة التي  و  ضعها هناك عن إبن خلدون و تزوج من إمرأة فرنسية تدعى سوزان ، التى ستشجعه ، و ستعينه ، إلى حد بعيد ، خلال  أكثر من خمسة عقود، في أن يحقق ما حلم به. و بعد عودته استطاع أن يكون واحداً  من تلك  الكوكبة  اللامعة من المفكرين مصريين الذين سيبقى تأثيرهم يتصادى فى الويط الفكري و الثقافي لأجيال  لاحقه  ،  و  خلال  ذلك خاض مجموعة من المعارك على صفحات الصحف و المجلات مع مجايليه تشير إلى مرحلة زاهية من تاريخ تطور فكر النهضة العربية و ثقافتها.

في سلسلة أعلام الأدب المعاصر في مصر التى أصدرتها الجامعة الأمريكية في القاهرة  و  هي  سلسلة  بيوجرافية نقدية ببيوجرافية خصص خزؤها الأول لعميد الأدب العربي طه حسين و صدر في العام  1975  ،  وقد أحصى واضعوا الببلوجرافيا مؤلفاته على الشكل الآتى "كتبه في الأدب و النقد و التاريخ و التربية ( 40  كتباً )  ثم  أدبه القصصي ( 6 روايات و مجموعة قصة قصيرة ، 12 قصة قصيرة في دوريات ) ثم الأعمال التى قام بترجمتها و هى (10 كتب ترجمها ، و كتابان راجع ترجمتها ، 29 مقالاً و دراسة قام بترجمتها نشرها  في دوريات )  يلي  هذا  نشره (23  قصيدة نشرها في مصر الفتاة الجريدة و السياسة ) و المقدمات التى كتبها لكتب الآخرين ( 36 مقدمة ) ثم فهرسة للدراسات و المقالات و الخواطر التي كتبها و نشرها في الصحف و الدوريات(  عددها  1325  مقالاً  و خاطرة و دراسة ) و أخيرا الأحاديث الصحفية و الندوات التي شارك فيها أو أدلى بها و عددها 110 ".

بين التأصيل و التواصل:

النقد عند طه حسين منهج  فلسفي مجرد ، أي أن الناقد لا بد أن  يتجرد  من  كل  شئ و  أن  يستقبل النص المطلوب نقده و هو خالي الذهن مما سمعه عن هذا النص من قبل ، و أن يخلي نفسه من القومية و من الديانة و من انحيازة إلى لغة معينة أو طائفة معينة في نظر طه حسين النقد عبارة الدراسة البحثية للنص، أي يبحث عن الفنيات ثم اللغويات و الخ.

و بهذه الطريقة أصبح الدكتور طه حسين يقلل من معظم الأعمال التي قرأها في تحليلاته  و  نقده  و  أوضح مثال لذلك ما قاله عن الشعر الجاهلي في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) حيث أنه قال :

"  أني   شككت   في  قيمة  الشعر الجاهلي و ألححت في الشك ، فأخذت أبحث أفكر و أقرأ و أتدبر ، حتي انتهي بي هذا كله  إلى  شيئ  إلّا يكن  يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثـرة المطلقة مما نسمية  شعرا جاهليا  ليست من  الجاهلية   في  شيئ "  و  أتبعه قائلا معقبا موضحا نظرته " و لا أضعف عن أن أعلن إليك و إلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرى القيس أو طرفة أو إبن كلثوم أو عنتره من هؤلاء النّاس في شيئ ؛ و إنما هو انتحال الرواة  أو  إختلاق  الأعراب  أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو إختراع المفسرين و المحدثين و المتكلمين " .

تحدث طه حسين نفسه عن المنهج الذى أراد أن يصطنعه في الأدب و تاريخ فنونه ، فيقول بأنه  المنهج  الفلسفي الذى  استحدثه " ديكارت " للبحث عن حقائق الأشياء و أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيئ كان يعلمه من قبل ، و أن يستقبل موضوع بحثه خالي  الذهن  مما  قيل  فيه خلوا تاما  (  في  الشعر الجاهلي الطبعة المغربية ص 11 ) ثم يقول : و يجب حين  نستقبل البحث عن الأدب العربي  و   تاريخه و  كل  ما يتصل به...، و يجب أن لا نتقيد بشيئ و لا نذعن لشيئ إلّا مناهج البحث العلمي الصحيح حتي لا نغل عقولنا بما يلائم هذه القومية و هذا الدين مما أفسد علم القدماء ...، و يضيف بأن إخلاص القدماء في حب الإسلام جعلهم يخصعون كل شيئ لهذا الإسلام ، و لم يعرضوا لمبحث علمي ، و  لا  لفصل  من  فصول  الأدب  أو لون  من  ألوان الفن إلا من حيث أنه  يؤيد الإسلام ، و  يعزه  و  يعلي  كلمته،  فما  لائم  مذهبهم هذا أخذوه ، و ما نافره انصرفوا عنه انصرافا و لو أن القدماء تناولوا العلم على نحو تناوله المحدثون ، لا يتأثرون في ذلك بقومية و لا عصبية ، و لا دين ، و لا ما يتصل بهذا كله من الأهواء لتركوا لنا أدباء غير الأدب  الذى نجده  بين  أيدينا . ( ص 13 )  و  يقول طه حسين بأن منهج ( ديكارت ) ليس خصبا في العلم و الفلسفة ، و الأدب فحسب ، و إنما هو خصب في الإخلاق و الحياة الإجتماعية أيضاً.

هذا إذن هو المذهب أو النظرية الخطرة التي قادت طه حسين إلى أن يصطنع في البحث عن الأدب و تاريخ فنونه ، و ينتهي به إلى أن يصع علم المتقدمين كله موضع الشك الذى ينتهي في كثير من الأحيان إلى الإنكار  و  الجحود  و هو  يريد أن يقلب العلم القديم رأساً على عقب ، و يسعى إلى محوه و إتلافه فيتعمد الهدم تعمدا و يقصد  إليه في غير رفق و لا لين ، و يقول بأنه قد يتخوف القراء من عواقب هذا الهدم على الأدب العربي و على القرآن الذى يتصل بهذا الأدب خاصة و يرى أن هذا الشك الأدبي لا ضرر منه ، و لا بأس به لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير بل لأنه آن للأدب العربي و علومه أن تقوم على أساس متين ، و خير للأدب العربي أن يزال منه ما لا يستطيع الحياة و لا يصلح لها ( ص 182 ) . ثم يقول : " أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا مقتنعون بأن  الشعر  الجاهلي  أو أكثر هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئا و لا تدل على شيئ إلا ما قدمنا من العبث و الكذب و الانتحال ،و أنه إذا لم يكن بد من الإستدلال بنص على نص ، إنما هو الإستدلال  بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن ( ص 183 ).

لا شك بأن  طه  حسين  (  في الشعر الجاهلي  )  يندرج  ضمن  السياق   العام لحركة    الاستشراق  و    تصورها الأيديولوجي العدائي للإسلام و تراثه  و قد  تأثر المؤلف  بالمناهج  الإستشراقية  و  أذواقها  و  سلوكها  و   من  ثمة انخرط بوعي أو بغيـر وعي في مخطط التشكيك في اللغة العربية و آدابها و التـراث الإسلامي و حصارته بغية جذب الأنظار إلى الآداب الأوربية ... لقد اعتمد طه حسين في بحثه على الدراسات الاستشراقية الفيلولوجية التي أنجزها بعض كبار المستشرقين ، و خاصة مقال " مرجليوت " حول ( أصول الشعر العربي ) للتشكيك في وحدة اللغة ، و في صحة الشعر الجاهلي الذى كتب بهذه اللغة .

لقد حظي الشعر بعناية الدارسين في عرب و مستشرقين فدرس من جوانب شتي ، و كلما قامت  الهجمة  على الإسلام و اللغة العربية و القرآن الكريم فإن الشعر الجاهلي تناله سهام المغرضين ، و نتيجة لذلك كثر دارسوه و عشاقةو الشعر الجاهلي عند علماء الإسلام زاد العربية و  مادتها عليه قامت اللغة  و  به  فسر القرآن ا لكريم   و بفضله قوم اللسان العربي .

رأى الجاحظ أن العصر الجاهلي يمتد على مدى قرنين قبل البعثة النبوية و هي الحقبة التي اكتملت  فيها  اللغة العربية خصائصها التي جاءنا عنها الشعر الجاهلي . و هي لغة عرب الشمال و يقسم النسابون عرب الشمال إلى قسمين قسم عدناني مضري أي المنحدرون من عدنان و مضر و نزار و القسم الثاني ثحطاني  و قد  هاجر  من الجنوب من اليمن و حضر موت و عاش بين العرب و قد  وحدت الهجرات الجماعية  من  الجنوب  إلى  الشمال الشعبين القحطاني و العدناني لغة و نشاطا حتى كان من أمرها ما كان في التجربة الحضارية الإسلامية الكبرى.

إلا أن بعض المستشرقين يشككون في هذا التقسيم بل و ينكرون أن يكون عرب الجنوب قد هاجروا إلى الشمال و يقر طه حسين بهذا الرأى بقوله ( للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم و إسماعيل و للقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً،و لكن ورود هذين الاسمين في التوراة و القرآن لا يكفي ، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة و نشأة العرب المستعربة فيها  ثم  يقول  و  نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود و العرب من جهة و بين الإسلام و اليهودية و القرآن و التوراة من جهة أخرى (في الشعر الجاهلي ص 26 ) ، و  يقول  أيضا  بأن  الرواة  معجمون  على  أن  قبائل  عدنان لم تكن متحدة اللغة و لا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام فيقارب بين اللغات المختلفة، و يزيل كثير من تباين اللهجات ...  و  إذا  صح هذا كله كان لكل قبيلة من القبائل العدنانيةلغتها و لهجها و مذهبها  في  الكلام ، و  أن يظهر  إختلاف  اللغات   و التباين اللهجات في شعر هذه القبائل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة و لهجات متقاربة.(ص 32 ) و يخلص طه حسين من هذا كله إلى الفكرة المركزية في كتابه و التي تشكل نواة منهجه  و  نظريته  الأدبية  فهو  يرى بأنه إذا كان إختلاف القبائل العربية في اللغة و في اللهجة و في مذهب الكلام لم يؤثر في الشعراء ، فأما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل و إنما حمل عليها حملا بعد الإسلام لأن البرهان القاطع قائم بإختلاف اللغة و اللهجة كان حقيقة بالنسبة إلى عدنان و قحطان و يعترف القدماء بذلك ( ص 33 ) .

إن الخطأ الذى وقع فيه طه حسين هو أنه نصب نفسه قاضيا يطلق الأحكام المتعسفة من غير تثبت و لا روية في مسألة تتشابك فيها عناصر الحياة بالإبداع الفني لأنها تتألف من أساليب جميلة فهي لا  تخضع  خضوعا  مطلقا لقواعد العلم بل للذوق و نفاذ البصيرة و الإحساس المرهف ثم إن البحث  الأدبي لا  يعرف  الكلمة الأخيرة   في أي مسألة من مسائله .

لقد اختلفت آراء المستشرقين حول اللهجات العربية : " فنولدكة " يرى بان الاختلافات بين اللهجات  في  الأجزاء الأساسيةفي جزيرة العرب مثل نجد و الحجاز و إقليم  الفرات  قليلة ،  و  قد  تركبت  منها  جميعا  هذه  اللهجة الفصحى و تبعه " جودى " الذى قال بأنها مزيج من اللهجات أهل نجد و من جاورهم و ذهب " نالينو " بأنها لغة القبائل التي اشتهرت بنظم الشعر ، و أنها تولدت من إحدى اللهجات النجدية و تهذبت في زمن كندة ، و سارت اللغة الأدبية السائدة بين العرب و زعم بروكلمان أن الفصحى كانت لغة فنية  قائمة ، فوق  اللهجات ،  و   قال "بلاشير " أن الفصحى مشتقة من الشعر الجاهلي و القرآن معا و أن القرآن لا يستند على اللهجة مكية ، و إنما على لغة هذا الشعر و مضى يشك في أن تكون لغة قريش هي التي حققت هذا التسامي .

و من الواضح أن كل هذه الآراء تعتمد على الفرض و الحدس ، و قد أرادوا أن يناقضوا ما استقر عليه علماء الإسلام من أن اللهجة الفصحى إنما هي اللهجة قريش التي نزل بها القرآن الكريم و قد اعتمد القدماء على منهج السليم في أصول التدوين و فنون المقابلة و التوثيق من النصوص  و  الروايات  و  الأسانيد   و   الالتزام  بأصول السماع  و القراءات و الإجازات ... الخ يقول ابو نصر الفارابي بأن قريش كانت أجود العرب انتقاء  للأفصح  من ألفاظ و أسهلها على اللسان  عند النطق و أحسنها مسموعا و أبينها إبانة عما في النفس( الشعر الجاهلي ص 132 ) .

أما فيما يخص قضية الإنتحال في الشعر التي أثارها  ابن سلام  في كتابه " طبقات  فحول  الشعراء " فقد  حاول البعض تخضيم هذه المسألة و البناء عليها الإبطال الشعر الجاهلي كله كما فعل " مرجوليوت " وغيره إلّا أن ابن سلام فصل في هذه المسألة بقوله ليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة لا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون .

و لكن طه حسين و هو يرسل الكلام إرسالا يطلقه على عواهنه معلنا بأن أشعار امروئ القيس أو ابن  كلثوم  أو عنترة ليس من هؤلاء في شيئ و إنما هو انتحال الرواة و اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو  تكلف  القصاص  أو اختراع المفسرين و المحدثين و المتكلمين...(في الشعر الجاهلي ص 8 ) .

و يرى الأستاذ العقاد معلقا على هذا التعسف في الفروض التي لا تقبل التصديق بأنه  ما من  قارئ  للأدب  يسيغ القول بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية كما وصلت إلينا و يفلحون في ذلك التوفيق إذ معنى ذلك أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها التي بلغها إمروئ القيس و النابغة و طرفة و عنترة و زهير و غيرهم من فحول الشعراء  في الجاهلية و معنى  ذلك ثانيا أنهم  مقتدرون  على  توزيع  الأساليب  على حسب  ا لأمزجة   و الأعمار و الكلمات الأدبية ، و معنى ذلك ثالثا أن هذه القدرة توجد عند الرواة ، و لا توجد عند أحد الشعراء ، ثم يفرط الرواة في سمعتها . و هم على هذا العلم  بقيمة  الشعر الأصيل .  ثم  يقول  ما من  ناقد  يسيغ  هذا  الفرض ببرهان ، فضلا عن إشاعة بغير برهان و بغير سبب إلا أن يتوهم و يعزز التوهم بالتخمين و إن تصديق النقائض الجاهلية جميعا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق بها الحس  و  يضيق  بها  الخيال . و  النقائض  التي يفرضها العقل ، لا موجب لها من الواقع  و لا من الفكر السليم . فهذه النقائض التي تحاول أن تشككنا في وحدة اللغة العربية قبل الإسلام ، يرفضها العقل ، لأن قبولها يكلفه شططا ، و لا يوجبه بحث جدير بالإقناع . ( العقاد " مطلع النور " ص 74 – 75 ) .

زوبعة طه حسين و ما تبعها :

الأستاذ الجليل طه حسين إنه قد ملأ الدنيا و شغل الناس بزوبعته  التي أثارها .  و  بعد كثيـر من القيل و القال عن هذا الشخص و عن سقوط القناع الزائف عنه ، في مؤلفات عديدة ، منها :

1.    طه حسين حياته و فكره في ميزان الإسلام ، و الوجه الآخر لطه حسين ، و محاكمة فكر طه حسين ، و المعارك الأدبية في مصر ، كلها للأستاذ أنور الجندي .

2.      نقض كتاب في الشعر الجاهلي للعلامة محمد الخضر حسين المتوفي سنة 1377 ه .

3.      تحت راية القرآن للأستاذ مصطفي بن صادق الرافعي المتوفي 1356 ه .

4.      بين القديم و الجديد ، للأستاذ مصطفي بن الصادق الرافعي .

5.      ناصر الدين الأسد : مصادر الشعر الجاهلي .

6.      مجمع البحرين في محاكمة بين الرافعي و طه حسين ، لوائل حافظ خلف .

7.      نقد كتاب الشعر الجاهلي ، للأستاذ محمد فريد وجدي .

8.      الشهاب الراصد لمحمد لطفي جمعة .

9.      النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي ، لأحمد محمد الغمراوي .

10.  نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين ، للأستاذ سيد قطب المتوفي 1386 ه .

11.  طه حسين في ميزان الأدباء و العلماء ، جمعه الشيخ محمود بن مهدي الأستانبولي المتوفي 1420 ه .

12.  طه حسين الوثائق السرية ، لعبد الحميد إبراهيم .

13.  أعلام و أقزام في ميزان الإسلام ، للشيخ سيد بن حسين العفاني .

رأى أنور الجندي في طه حسين " عميد الظلال الاستعماري " . برز طه حسين إلى الناس  في ثوب من    الضجيج الشديد عندما نشر كتابه ( في الشعر الجاهلي ) و كشف عن تلك الفكرة التي قدمها و التي كانت  موضع   ( أخذ  ورد ) شديدين و التي أعطت طه حسين ذلك الموقف  الذي تردد فيه المثقفون و الباحثون بين الحملة العاصفة على النحو الذى كتب به مصطفي صادق الرافعي ، و النقد الهادئ الذى كتب به محمد فريد وجدي .

كان أخطر ما قاله طه حسين :

" للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم و إسماعيل و للقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ... و لكن ورود هذين الإسمين في التوراة   و القرآن لا يكفي  لإثبات و جودها التاريخي قضلاً عن  إثبات  هذه  القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة  و نشأة العرب المستعربة  و   نحن  مضطرون  أن  نرى   في  هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود و العرب من جهة و بين الإسلام و اليهود و القرآن و التوراة من جهة أخري " .

العاصفة قامت ، غادر المفكر البلاد حتي تهدأ . لم تكد تمر شهور حتي كان حديث طه حسين عن تأثير الوثنية و اليهودية و النصرانية في الشعر العربي و ادعاؤه أن لليهود أثراً في الأدب العربي ، و هي محاولة خطيـرة لها  دلالتها متصلة بإنكار إبراهيم و إسماعيل – عليهما السلام – و لم يمض طويل وقت حتي كتب مقالة عن الدين و العلم: " عام أو بعض عام " قال : ظهر تناقض كبير بين نصوص الكتب الدينية و بين ما  وصل إليه  العلم  ...،  و   قال : الدين لم ينزل من السماء و إنما خرج من الأرض  كما خرجت الجماعة نفسها . ثم كان   في نفس العام  بحثه  عن الضمائر في القرآن الذى ألقاه في مؤتمر المستشرقين و فيه حاول تفسير القرآن تفسيراً خاطئاً . و في نفس الوقت دراساته في كلية  الآداب عن القرآن و استقدام المستشرق كازنوفا ليحدث شباب مصر المسلم عن القرآن و يثير الشبهات   حول    العهد  مكي   و  المدني   و    أثر  نصرانية  في مكة و أثر اليهودية في المدينة إلى آخر هذه الشبهات العاصفة .

و لم تمر إلا سنوات قليلة حتي أثار طه حسين شبهة تحريق العرب لمكتبة الإسكندرية و نشر  بحث  المستشرقين في اتهام المسلمين بإحراقها و حمل على " احمد ذكى باشا " عندما حاول الدفاع عن المسلمين . و في هذه السنوات كانت   محاولة   اتهام   القرآن  الثاني   الهجري  بأنه  عصر  ( شك و مجون )  من خلال دراسته لعدد من الشعراء الماجنين أمثال بشار و أبي نواس و محاولة تصوير العصر كله  من خلال قلة   الزنادقة  مغضياً  عن  أثر عشرات العلماء و الفقهاء و الدعاة و المصلحين . و هكذا امتد الطريق بالدكتور طه حسين دون أن يجد حرجا من معارضة الفكر اللإسلامي لآرائه ، و عندما أحس طه حسين أنه  أصبح  في   موقف لا يحسد    عليه   كتب  ( على هامش السيرة ) و انتقل إلى معسكر الوفد ، و حاول بذلك خداع البسطاء بأنه يكتب عن  سيرة  الرسول   -  صلى الله عليه و سلم – و أذيع أنه قد عاد إلى الإسلام مع أن كتاب ( على هامش السيرة ) تهكم صريح و قد كشف أمره صديقه و زميله في مدرسة التجديد " الدكتور محمد حسين هيكل " الذى قال  أن  اتجاه  طه حسين  هذا شديد الخطر ليس على الأدب وحده ، و لكن على الفكر الإسلامي كله لأنه يعيد  غرس  الأساطير و   الوثنيات  في   سيرة النبي – صلى الله عليه و سلم –مرة أخرى بعد أن نقاها العلماء المسلمون و حرورها من آثارها .

لم يلبث طه حسين أن دعا إلى الفرعونية و دعا إلى الاخذ بالحضارة  الغربية حلوها  و  مرها ، ما يحمد منها و ما يعاب  ، في كتابه " مستقبل الثقافة " الذى كان منهجا لتغريب التعليم مصري . و قد تولى على أثر ذلك مناصب كبرى في وزارة المعارف : المستشار و مراقب الثقافة و الوزير بعد ذلك  و استطاع خلال  ذلك  أن  يبث  آراءه   و مخططاته في التعليم كله ، ثم كانت سيطرته بعد الجامعة و وزارة المعارف على مراقبة الثقافة باجامعة العربية و رئاسة مجمع اللغة العربية .

اليقظة الإسلامية ظلت قائمة غلى الحق منذ اليوم الاول تكشف زيفة و ترد خطأه و تبين اتجاه و تدحض دعواه. و قد جاءت هذه الأجيال الجديدة فلم تر هذه المعارك و لكنها  رأت  رجلا  يوصف  بأنه  عميد  الأدب  تحاط  آراؤه بهالة من التبريز و الدوي ، قد عاش بعد أن توفي مصطفي صادق الرافعي و المازني و زكي مبارك و هيكل و الزيات، فإستطاع بهذا الامتداد في العمر أن يكسب نوعا من التقدير الذى يشبه  القداسة . و  الواقع أن  الأمر كان  غير ذلك  تماما و ان هذه الكوكبة التي عاشت حول طه حسين لم تستطع ان تحول دون كشف زيفة و دعواه  و باطله ، ذلك لأن أغلب من سار معه على الطريق في أول الأمر لم يلبث أن عرف حقيقته و دخيلته فانصرف عنه. و في مقدمة هؤلاء أعلام الفكر الإسلامي و الثقافة العربية في عصره ، و ما بالك بالعقاد و المازني و هيكل  و  ز كي مبارك و نجيب البهبيتي و فؤاد حسنين و إسماعيل مظهر و توفيق الحكيم و كلهم أصدقاء عصره و أحباب عهده و أولياء جيله ، قد كشفوا هذا الزيف .

طه حسين واحد من أهم من أرسوا أسس النقد تاحديث في فضاء الثقافة العربية ، فهو أحد رموز هذا النقد  في القرن العشرين ممن لهم فضلهم على من جاءؤا من بعدهم .  و  قد فهم النقد  بعدّ أدوات  فحص و تقويم و منهج رؤية للنص الأدبي الفكري ، و اهذا كان أديباً  و مفكراً  في  الوقت  عينه، استوعب مناهج الأقدمين و المحدثين على الرغم من أن الدارسين يضعونه في خانة الادب قبل أي شيئ، فألبرت حوراني ، في سبيل المثال ، في كتابه الذي يؤرخ فيه للفكر النهضة العربية (  الفكر العربي  في عصر النهضة  1789 – 1939 ) يرى فيه أديباً أكثر من كونه مفكراً . كان اهتمامه  بالتاريخ و  المجتمع   و السياسة  يجعله ينظر إلى النص الأدبي في سياقه التاريخي / الإجتماعي فيراه إنعكاساً للبيئة التي ولد فيها فيما كانت ذائقته الجمالية و معرفته بقوانين إنتاج الخطاب الأدبي تدفعه لرؤية هذا النص من الداخل أي في بيئه اللغوية و أسلوبه و صوره . أما المنهج الذى رمى إلى إبداعه في حقل النقد الأدبي فمتعدد  المرجعيات سواء تلك التي تشربها من خلال تماسه مع فكر و أدب الغرب الحديث ، أو تلك التي نهلها من  الأدب العربي في مراحله التاريخية ، و لا سيما القديمة منها ... يقول غالي شكري أن طه حسين " تمكن... باقتدار من أن يمزج هذين العنصرين المنهجيين المتنافرين ، و لعل هذا يمنح منهجه معنى الأصالة لا بالعودة إلى القديم ، و لكن بتلبية الإحتياجات الموضوعية للواقع في اتجاه التقدم . إن هذا المزج في ذاته قد تم على ضوء استكشاف عميق لتاريخنا الأدبي جنباً إلى جنب مع إدراك عميق لحاضرنا الذى ينشد النهضة .

مما لا يقبل الجدل أن التقدم و النهضة و احتياجات الواقع كان صلب تفكير طه حسين ، فهو لم يكن منعزلاً عن مشاكل مجتمعه و عصره ، و كان يريد للأديب دوراً يؤديه و ةظيفة يضطلع بها ، لكنه في نهاية المطاف كان مقتنعا أن النص الأدبي يجب أن يبقي خارج قيود الزمان و المكان ، و ان يبقي هو المعيار الوحيد للتقويم الصحيح ، و كما يقول ؛ " إن الفن يبقي الحقيقة الضائعة بين يديه ( الناقد ) إذ لم يتخذ من النص دليله الوحيد لمعرفة هذه الحقيقة الأشمل من التاريخ و الأغني من الجغرافيا و الأعمق من المجتمع و الأخصب من المفرد " .

و طه حسين عموما ينتمي إلى المرحلة التوفيقية / التلفيقية من تاريخ فكر النهضة العربية             التي كانت ( و ما تزال ) ثنائيات ( القديم – الحديث ) ، ( الأصالة – المعاصرة ) ، ( التراث العربي القديم – الحضارة الغربية الحديثة ) الخ تهيمن على ، و تشغل ، الفضاء الثقافي العربي .

و بذلك  لا يتحول طه حسين إلى حلقة ساقطة بين السلف و الخلف، و إنما يمثل الحياة التى يتلاحم فيها الحاضر بالغابر، و تنعدم إثنينية طوباوية رجعية، و يمثل المنطق التوافقي فى الحقل الأدبي دينامية  الكلمة بتناغم مع حركية الفكر و الواقع المعاش.

المراجع  و المصادر

1.       طه حسين : في الشعر الجاهلي تقديم د / عبدالمنعم تليمة / دار النهر للنشر 1997 .

2.       طه حسين : في الشعر الجاهلي / اتصالات سبو ( الطبعة المغربية  2006 )

3.       مصطفي نصر المسلاتي : الإستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين ط 1   1986 )

4.       يحي وهيب الجبوري : المستشرقون و الشعر الجاهلي / ط 1   1997 )

5.       عباس محمود العقاد : مطلع النور .

6.       ناصر الدين الأسد : مصادر الشعر الجاهلي و قيمتها التاريخية ط السادسة 1982 .

7.       شوقي ضيف : تاريخ الأدب العربي – العصر الجاهلي – دار المعاريف الطبعة الثامنة .

8.       محمد نجيب البيهبتي : تاريخ الشعر العربي حتي آخر القرن الثالث الهجري الدار البيضاء 2001 .

9.       جابر عصفور : المرايا المتجاورة : دراسة في نقد طه حسين .

10.    غالي شكري : ماذا يبقي من طه حسين .

11.    غالي شكري : تانهضة و السقوط في الفكر مصري الحديث .

12.    ألبرت حوراني : الفكر العربي في عصر النهضة 1798- 1939 .



 الأستاذة المساعدة  بكلية الحكومية للنساء ، بارهمولة كشمير [1]

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو