Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/999405_1389003504658147_727854998_n.jpg

نشـأة علم البلاغة وتطـوره عبر العصور

الدكتور شمس كمال انجم[1]

إن البلاغة من العلوم العربيـة التي خدمت القرآن الكريم خدمة عظيمة جليـلة، ولكنها ليست مقصـورة على العرب فقط، بل هناك سمـة عظيمة القـدر في اللغـات التي بلغت درجة كبيرة من التطور والارتقاء. و البلاغة في العـرب لم تكن مقصورة على فـئة خاصة منها، بل كانت البلاغة طبع العرب كافة، ثم طبيعة الحياة العربية قبل الإسلام كانت ذات صلة خاصة باللـغة وبلاغتها وفصاحتها، لأنها كانت حياة قائمة على  التفاخر والتكاثر بالأنسـاب والمآثر والأيام، والشعر هو الديوان الذي كانوا يفزعون إليه ليسجلوا فيه كل تلك المفاخـر، وكذلك كانت لهم أسواقهم الأدبية التي يقيمونها في مواسم معينة يستعدون لها ويتوافـدون إليها من كل حدب وصوب، وأسواق العرب تلك أشبه بمؤتمرات أدبية أو معارض لسانية تخرج القبيلة فيها عن عزلتها، ويسود فيها جو من فصاحة اللسان ونصاعة البيان، وسنعـرض نشأة هذا الفن الشـريف الجليل وتطوره عبر التاريخ والقرون وذلك من خلال جهود العلماء والنقاد وإليكم تفصيله كما يأتي:

العصـر الجاهلي

لقد وصل الأدباء والبلغاء في العصر الجاهـلي مرتبة رفيعة من البلاغة والبـيان، كما صور ذلك القرآن في غير ما موضع، فقد وصفهم قبل نزوله بأنهم أصحاب بيان، فقال سبحانه وتعالى: "الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان" ([2]) وقال عن شدة أسره و تأييـده في النفوس وحسن كلامهم: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة  الدنيا"([3]) ووصـف الوليد بن المغيرة القرآن فقال: "والله لقد سمعت من محمد كلامـا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجـن وأن له لحلاوة وأن عليه لطـلاوة وأن أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق"([4]) وقال القرآن الكـريم عنهم: "فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد"([5]) وقال: "ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون"([6]) وأكـبر الدلالة وأعظمها على بلاغتهم هي دعوتهم القـرآن أقصاهم وأدناهـم إلى معارضته في بلاغـته الباهرة.

يقول الدكتور شوقي ضيف: "وهي دعوة تدل على ما أوتوه من اللسـن والفصاحة على حوك الكلام، كما تدل علـى بصرهم بتميز أقدار الألفاظ والمعاني، وتبيين ما يجري فيها من جود الإفهام وبلاغة التعبير وكان بعض الشعراء في الجاهلية يعنون بأشعارهم وينقحونها قبل أن يذيعونها بين الناس فقد اشتهر زهير بن أبي سلمة بالحوليات وتنقيـح الشعر، وتنقيح الشاعر للشعر وإعادة  النظر في قصيدته تدل على الروح النقدية التي كان الشاعر نفسه يمارسها قبل أن ينقد السامعون"([7]).

وهناك روايات عدة تجعلنا نقول بأنهم في جاهليتـهم كانوا ببلاغة تامة، ومن تلك ما روي لنا عن طرفة بن العبد البكري، الشاعر الجاهلي المعروف أنه استمع وهو صغير إذ كان يلعـب مع الصبيان قول المسيّب بن علس في أثناء مروره بمجلـس قيس بن ثعلبة وقد ألم فيها بوصف بعيره:

 وقد أتناسى الهم عند احتضاره

 

بنـاج عليه الصيـعرية مكدم

وإذا بطرفة يصرخ قائلا: "استنوق الجمل" إذ الصيعرية سمة خاصة بالنوق لا بالجمال([8]). ويوضح كذلك ما ذهبـنا إليه ما جاء في شعر النابغة من إقواء([9])، وكذلك لقبوا شعرائهم ألقابا تدل على مدى إحسـانهم في رأيهم مثل المهلـهل والمرقش والمثقب والمنخل والمتنخـل والأفوه، فكأنما كان هناك ذوق عـام دفع الشعـراء ومن وراءهم من الخطباء إلى تحبير كلامهم وتجويده، ومما لا شك فيه أن أسواقهم الكبـيرة هي التي عملت على نشأة هذا الذوق([10])، وإن شك بعض الباحثين في هذه الروايات([11]) لكننا مع هذا الشك نقرر أن هذه الروايات تعكس جانبـا من فهم العرب للنقد في مرحلة التدوين الأولى.

العصـر الإسلامي

إذا انتقلنا إلى العصر الإسلامي نجد أن هذه الفكرة البلاغـية والعناية بها أخذت تنمو وتزدهر بعد ظهور الإسلام في ضلال القـرآن، وبفضل ما نهج القرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم من طرق الفصاحة والبلاغة، أما القرآن فقد كانت آياتـه تتلى آناء الليل وآناء النهار والرسول صلى الله عليه وسلم كان يبلغ على كل لسان([12])، وكان عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم خطباء مفوهين، فكانوا يستضيئون خطبهم بالقرآن الكريم وخطب الرسول الحكيم، ويروي لنا الجاحظ تلك المقولة المشهورة التي جـرت على لسان أبي بكر رضي الله عنه ودارت على ألسنة علماء البـلاغة حتى جعلوا لها فصلا خاصا في علم المعاني يسمى "الفصل والوصل" حين عرض الرجل بعض ثوبه فقال له أتبيـع الثوب؟ فأجابه "لا عافاك الله" وظاهر اللفظ يوهم أنه دعاء علـى أبي بكر وليس دعاء له، فنادى أبو بكر لرهافة شعوره ودقة حسـه فقال له قل" لا وعافـاك الله"([13]) وعلم الرجل بذلك الأماكن التي يجب فـيها وصل الكلام وفصله، ومعرفة مقـاطع  الكلام  وتميـز فقره([14])، وقد جاء عن عمر أنه قال عن زهير بن أبي سلمى أنه لا يتبع حوشي الكلام وأنه كان لا يعاظـل في الكلام([15]).

العصر الأمـوي

إذا انتقلنا إلى العصر الأموي نجد أن البـلاغة بدأت بجميع ألوانها، وأخذت الفكرة البلاغية والأدبية تزدهـر وتنمو، وكان الخلفاء يعقدون المجالس ويستمعون إلى الشعراء، ويعلقون على بعض ما يسمونه، وكان المؤدبون يقومون أيضا بدورهم الواضـح في تعليم اللغة وآدابها، ورسم القواعد العـامة التي تساعد على إتقان اللغة وتذوقـها، وقد يشهد ازدهار البلاغة في ذلك العصر ما روي عن الخليفة الأموي عبد المـلك بن مروان للشعراء حيث قال شبهتـموني مرة بالأسد ومرة بالبازي، ومرة بالصقر ألا قلتم كما قال:

ملـوك ينزلـون بـكل ثغر

 

إذا ما الهـام يوم الـروع طارا

رزان  في الأمور ترى عليهـم

 

من الشيم الشمائل والنجــارا

نجوم يهتـدي بهم إذا مــا

 

أخوا الظلمات في القمرات حارا

وهذا يصور لنا التصور البلاغي لدى هـذا الخليفة في توجيه كلام للشعراء، إذ يلتزمون في شعرهم صورا لا تحديد فيها ولا تنوّع وتلك دعوة إلى بنـاء الشعر على وجهات أخرى تتمثل فيها البلاغة في غير جحـود أو توقف([16]).

وقد كثـرت الملاحـظات البيانية في العصر العباسي حيث تحضر العرب في المدن والأمصار، ورقيت حياتهم العقلـية وكثرت الملاحظات البلاغية والمصطلحات البيانية، وازدهرت الخطابة بجميع أنواعها ازدهارا عظيما لبواعث كثيرة منها: المجادلة السياسيـة والعقدية، فكان هناك فـرق مختلفة من مثل الجبرية والمرجئة والقدرية والمعتزلة والخوارج والشيعة والزبيريون، فكثرت الملاحظات في المجال البياني وكذلك كان هنـاك تنافس شديد بين الشعراء لأجل فتح الخلـفاء أبوابا لهم، فوفدوا إليهم من كل فج لحصـول الجوائز وأقاموا أسواق المربد والكنانة مقام عكاظ في الجاهلية، حتى استطاع جرير والفرزدق أن يتطور في سوق المربد بالهجاء القديم([17]).

أثر الدراسات اللغوية والنحوية في تطور فن البلاغة:

لقد شارك اللغويون في العصر العباسي الأول في الملاحظات البلاغية في ثنايا تعليقاتهم على النصوص الشعرية وآي الذكر الحكـيم وظل دورهم دورا مشهودا منذ عهد التدوين واستطاعوا أن يسيطروا على مناهج الدروس ويرفعوا لواء المحافظة على اللغة وكان أبو عبيدة صاحب مجاز القرآن أشهر أولئك الذين وضعوا الأسس الأولي للبلاغة ويقف إلى جانب ذلك الأصمعي صحب فحولة الشعراء، وابن قتيبة، والمبرد، وثعلب، وأحمد بن فارس صاحب كتاب الصاحبي.

أما ابن قتيبة فإنه نثر جملة ملاحظاته في كتابه "تأويل مشكل القـرآن" وقد صنفه للرد على الملاحدة وأشباههم الذين يطعنون في القرآن الكريم ويقولون إن به تناقضـا وفسادا في النظم واضطرابا في الإعراب، وهو طعن مرده إلى الجهل بأساليب اللغة العربية، ومن ثم ألف ابن قتيبة كتابه ليبطل الباطل، وعرض فيه بعض آي الذكـر الحكيم مستشهدا لها بنصوص الشعر ليقيـم الدليل على ما يقولونه ويسقط دعوة الطاعنـين ويمحوها([18]).

نجد في كتابه "تأويل مشكل القرآن" أنه تناول فيه ألوانا بلاغيـة عـديدة كالحذف والزيادة والتقديم والتأخير والاستفهام وخروجه من أصل وصفه والفصل والوصل و المجـاز العقلي والتكرار والقلب والتشبيه والمجاز المرسل والكنـاية والتعريض والتوجيه والمشاكلة والفواصل القرآنية([19]). ومن النحاة الذين أثروا الدرس البلاغي وكانت لهم يد طولى في دور النشأة الأولى إمام النحاة سيبويه(ت 180هـ)  وقد تحدثنا في كتابه الشهـير "الكتاب" سيبويه تحدثنا في صدر كتـابه عن التقديم والتأخير بكلام يعتـبر هو العمدة وصاحب  الريادة فيه، وربما كان أول من عرف سرّ هذا اللون البلاغي من العلماء، والعلماء قبله كانوا يعرفون التقـديم والتأخير ولكن لم يقفوا على أسراره البلاغية.

وكذلك زاد في حديثه عن الاستفهـام فقال يستحسن أن يلي المسؤول عنه الهمزة، فيقدم على الفعل، ولا يجعله فاسدا إذ لم يل الهمزة، بل يجوز له أن يتقدم أو يتأخر وإن كان التقـديم عنده أفضل، وقد اعتنى البلاغيون بأدوات الاستفـهام اهتماما بالغا واعتبروها أساسا من أسس علم المعاني، وسيبويه اهتم بها كذلك وتحدث عنها في مواضع كثيرة من كتابه وألم بها إلماما كبيرا ليسجل له بالفخر ما وصل إليه في هذا الصـدد. فهو يفرق أولا بين أدوات الاستفهام جميعا وبين الهمزة، فأدوات الاستفهام يقبح دخولها على الاسم إذا كان بعده فعل، إلا عند الضرورة، ولكن الهمزة يصح أن تدخل على الاسم بدون قبح، وإن كان بعده فعل بعده فعل(3).

كما تحدث سيبويه عن الفصل والوصل وشبه كمال الاتصـال، لكنه لم يذكر هذا المصطـلح لأنه لم يعهد في زمانه ولم يقتـصر كلامه على علم المعـاني، بل تكلم عن البيان والتشـبيه والاستعـارة والمجاز والكـناية والتنويع وغير ذلك.   

أما المبـرد (ت 285هـ) ([20]) فنجد له أيضا ملاحظات بيانيـة خلال كتابه الكامل، من حين إلى حين، يعرض فيه نماذج أدبيـة وشعرية أو نثرية كثيرة، متبعا لها بالشرح اللغوي ومشيرا أحيانا إلى ما في الكلام من استعارة أو إيجاز أو إطناب أو تقديم و تأخير، ويذكر أحـيانا كلمة المجاز ولكن بالمعنى اللغوي، وقد وقف عند الكناية وجعلـها على ثلاثة أوجه، فهي إما للتعمية والتغطية أو للرغبة عن اللفظ، أو للتضخيم والتعظيم، وفصل الحديث في التشبـيه تفصيلا لعله لم يسبق إليه، وساق فيه أمثلة كثيرة، وقد وزعه على أربعة أنواع: تشبيه مفرط وتشبيه مقارب وتشبيه بعيد وربما كان ما خلفه البلاغيون من بعده ملاحظة تنوع أضرب الخبر والمعنى، وأخذ ذلك أن الكندي الفيلسوف قال له يوما: إني أجد في كلام العرب حشوا يقولون عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم ،وإن عبد الله لقائم، والمعنى واحد، فأجابه قائلا: لا بل له معاني مختلـفة، فعبد الله قائم إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وأن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر([21]).

وقد فتح البلاغيون لهذه الإجابة فصلا خاصا في علم المعاني فسموه "أضرب الخبر" وسموا الخبر الأول في سؤال الكندي وإجـابة المبرد ابتدائيا،والثـاني طلبيا، والثالث إنكاريا، وقد تناول المبرد الإيجاز والمساواة والإطناب، فتحدث عن الاختصار المفهم والإطناب المفخم([22])، وعما ساعدت ألفاظه معـانيه([23]). كما تعرض المبرد للكناية فقال: والكلام يجري على ضروب، منه ما يكون في الأصل لنفسه، ومنه ما يكنى عنه لغيره ومنه ما لا يقع مثالا فيكون أبلغ في الوصف([24])، وقد تحدث عن أضرب الكناية مستشهدا بكل ضرب منها ما يوضحه من شواهد قرآنية أو شـعرية وهي عنده للتعمية والتغطية وإما للرغبة عن اللفظ أو للتضخيم ومن هذا الضرب اشتقت الكناية.

ثعلب(ت391هـ) ([25]): يقول المبرد هو أعلم الكوفيين، وقال الفراء هو أصدق أهل العربية لسانا، وأعظمهم شأنا وأبعدهم ذكرا وأرفعـهم قدرا وأوضحهم علما وأثبتهم حفظا، وقد انتهى علم الكوفيين إلى ابن السكيت وثعلب. وله كتب كثـيرة في النحو والصرف،وله كتيب صغير أسماه "قواعد الشعر"، هذا الكتاب له أهمية قصوى نظرا لما يحـويه من بلاغة وشعر ونقد وصـغره لم يقلل من شـأنه في تاريخ البلاغـة العربية، حيث إنه يعتبر من أقرب المنابع التي اغـترف منها ابن المعتز أدبه، وتأثر به في كتابه "البديع" الذي طارت شهرته بين الأقـدمين والمحـدثين([26]). وقد تحدث ثعلب في كتـابه هذا عن قواعـد الشعر وهي عنــده أربعـة: أمر ونهي وخبر واستخـبار، ويذكـر مثالا شعـريا لكل واحد منها، ثم تـفرع هـذه القواعـد الأربعـة إلى مدح وهجـاء ومراث واعتـذار وتشبيب وتشبـيه وأخبار([27])، ويرد بعض الأمثلة كشـواهد على هذه التعريفات دون بذل محاولة لتفسيرها أو تحليلها، ويعرض المبالغـة باسم الإفراط في الإغراق([28])، والكنـاية باسم "لطافة المعنى" ويذكر الاستعارة ويعرفها بقوله: "وهو أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه"([29]) ثم تحـدث عن جزالة اللفـظ([30])، والمطابقة([31]) وهو تكرير اللفظة بمعنيين مختلفين، وقد ورد ذكر ألوان من البيان في كتـابه "قواعد الشعر" وأخرى من البديع، بعضـها كان معروفا من قبل، وبعضها لم يكن معـروفا، وقد ذكر التشبيه والمبالغة والكنـاية والتعريض  والاستعارة كما ذكر الطباق والجنـاس والإيجاز، ولم تكن آرائه البلاغيـة مقصورة في  هذا الكتاب بل كانت مبسوطة في كتب أخرى، منها ما صنفه بنفسه منها ما صنفه غيره، وأورد فيه آراء العلماء كأمثال ثعلب عن البلاغة والبيان.

هذه هي بعض الملاحظات التي سجـلت على أيدي علماء هذه الطائفة من اللغويين والنحاة وهي ملاحظات كانت لها أكبر الدلالة في وضع الدراسات المنهجية في البلاغة العربية.

المتكلمون والبلاغـة:

من أعلام هذه الطائفة واصـل بن عطا، الذي استطاع انتزاع عمرو بن عبيد من أستاذه الحسن البصري، ومنهم أبو شـمر، وأبو إسحاق النظام وهو لا يبارى في  المناظرة في إيراد الحجج، وتفريع المعاني، ومنهم: ثمامـة بن أشرس.

ومن أبرز هذه الطائفة: أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ([32])، وقد كان موسوعي الثقافة، كثير المحفوظ، كما كان أديبا بصيرا بأدوات الأدب وما يقوم به من لغة وفكر وحسن تصوير، وكانت له معرفة جيد الكـلام وبليغه، وتمييز طبقات الكلام خبرة، لم تكن لأحد غيره([33])، فاستطاع أن يسهم في ميدان البـلاغة بما لم يسبقه إليه أحد، وله كتاب نظم القرآن وكتاب صياغـة الكلام([34])، وكذلك البيان والتبيين، تناول فيها موضوعات البيان والفصـاحة، وجمع فيه ملاحظات العرب البيانيـة وبعض ملاحظات الأجانب وسجل كثيرا من ملاحظات المعاصرين وخاصة المتكلمين، وقد أكثر من الحديث في كتابـه عن حسن الصوغ، وكمال التركيب ودقة تأليـف اللفظ، وجمال نظمه ولم يكن لكل من هذه الألفاظ مدلولا خاصا متميزا عن الأمم السابقة والمختلفة من فرس ويونان وروم وهنود، كما نقل الجاحظ أقوالا كثيرة في البلاغة([35]).

كما تعرض الجاحظ لكثير من الفنون البلاغية، فعرضــها عرضا يمتاز بالجمع بين الحديث النظري والنـموذج التطبـيقي، ففي البيـان والتبـيين نماذج رائعة وكثيرة لكل ما عرض له الجـاحظ من فنـون البلاغـة، وأساليب البيان، لقد عرض للبـديع فذكر أصـحابه وعدد شعـرائه([36])، كما عرض الإيجــاز وبين فضـله وأتى بنمـاذج منه([37])، وتحـدث عن الإطـناب، فـذمـه وذم التكلف فيه([38])،وذكر الازدواج ومثـل له([39])، وتحدث عن المجاز والتشبيه وذكرهما في كثير من المناسبات الرائعة([40])، وفي كتاب الحيوان وقفـات موفقة ولفتات ذكية تدل على إدراك الجاحظ لحقيقة المجاز ولأركان التشبيـه، وقد كانت هذه الملاحظات البلاغية التي أوردها الجاحظ هي السبب الذي جعل بعض الباحثين يعتقـدون أن الجاحظ ومعاصريه قد فهموا الصفة بين المشبه والمشبه به فهما صحيحا ([41]).

والجـاحظ رغم إيراده لكثير من الشواهد البلاغيـة لم يكن يعـني بوضع  مصطلحات أو صياغة والتعريفات والحدود، وهو غير منازع مؤسس البلاغة العربية، كما الدكتور شوقي ضيف، والدكتور سيد نوفل([42]).

أثر الكتّاب والنـقاد في ازدهـار البلاغـة:

لقد كان للكتّاب أثر واضح في البلاغة العربيـة لما امتازوا به من أدب رفيع، وذوق سليم، وقد بدأت هذه المرحلة بعبد الله بن المعتـز حين وضع كتابه "البديع"  فكان أول كتاب ألف في البلاغة ويجمع فنونها، ثم تتابعت بعده مؤلفـات وكان من أشهر ما ظهر منها في القرن الرابع كتب امتزجت البلاغة فيها بالنقد اتخـذت كثيرا من الأمور البلاغية فيها مقاييس للنقد الأدبي على أساس الجودة والرداءة وذلك في كتاب "نقـد الشعر" لقدامة بن جعفر (ت 337هـ) وكتاب "الموازنة بين الطائيين" للآمدي (ت371هـ) وكتاب "الوساطـة بين المتنبي وخصومه" للقاضي الجر جاني (ت392هـ) وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري _ت395هـ).

ومن أهم العوامل التي عملت على ظهور هذه الفئة من أنصار الشعر فئة  محافظة ترى الجمال والبلاغة في الشعر القديم، وفئة تأثرت بثقافات وافدة كالفلسفة والمنطق ترى البلاغة والجمال فيما أنشأ المؤلدون والمحدثون كأمثال بشار بن برد (ت167هـ) وأبي نواس (ت198هـ) ومسلم بن الوليد الأنصاري (ت208هـ) وأبي تمام (ت231هـ)  وسأتعـرض لبعض اشهر الكتب النقدية لهؤلاء النقاد لنتبين خلالها أثرهم في تاريخ البلاغة ونشأتها.

قدامــة بن جعفر([43])

 هو الأديب الذي عاشر الخليفـة العباسي المكتفي بالله (ت263ـ295هـ)  وأخذ العربيـة عن المبرد وثعلب وغيرهما، وبرع بالكتـابة والمنطق والحساب والبلاغة ونقد الشـعر.

وقد ألف قدامة كتابا  أسماه "نقد الشعر" وأول ما رأينا في هذا الكتاب منهجا يعتمد على المنطق ويقـدم على الحدود والتعـريفات، ويولي عناية خاصة للتقسيم، والتحليل، فللشـعر حده، ولكل صفـة من صفاته موضع في الكتاب مرسـوم له منذ البداية لا يتقدم عنه ولا يتأخر، والذي يعنينا هنا ونحن بصد التاريخ للعمـل البلاغي أنه كان يتناول كثيرا من المباحث البلاغية ووقف عندها يعرف ويمثل، وقال الدكتـور مازن بأنه لم يتناولها على أنها أبحاث في البلاغـة وإنما تناولها على أنها شروط تصل بالأسـلوب إذا توفـرت فيه إلى الجودة والجمال وعلى أساس من هذا الفهم تناول أبحاثا أصبحت فيما بعد فنونا بلاغـية توزعتها علوم المعاني والبيان والبديع، وذلك كالتعميـم والإيغال والمساواة والتشبيه والاستعارة والتمثيل والتصـريع والسجع والجناس([44])، وقد بلغت فنون البديع عنده التي ذكرها عشرين فنا اتفق مع ابن المعتز في سـبعة منها.

2ـ ابن طبـاطبـا([45])

يعد ابن طباطبا من النقاد الذين اعتمدوا في نقدهم وعرض آرائهم فيها على كثير من الفنون البلاغية في كتابه "عيار الشعر" وكان ابن طباطبا من شعراء عصره ونقاده، وله مصنفات مختلفة في الشعر  ومن أهمها "عيار الشعر" وهو كتاب ألفه في صناعـة الشعر والميزان الذي يقاس عليه الشعر وبلاغته([46])، وكيف يبلغ الشـاعر منه ما يريد، ولعـل من أبرز ما تناوله في الصنـعة الشعرية ومعيارها موضوع التشبـيه فهو عنده  موضوع مفصـل وبحث مسهوب يعرض فيه لأنواع التشبيـهات المختلفة وما يتصل بـها([47]).

3ـ الآمــدي([48])

الآمدي له مصنفات مختلفة في اللغة والشعر منها: "كتاب الموازنة بين أبي تمـام والبحتري" وهو من أهم كتبه، وهو فيه يحاول محاولة تقـديم البحتري على أبي تمام، ونراه يستهل الكتاب ببيان أن في الشـعر مذهبين متقـابلين يختلفان من حيث الصنعة والنقد، وقد عرض فيه الآمدي الجدال الواقع بين الطـرفين، ثم بعد ذلك يتطرق إلى بيان أن كل شاعر لم يسلم من الطعن على شعره حتى شعراء الجاهلـية الممتازين من أمثال امريء القيس وزهير، ثم تحدث عن السرقات عند أبي تمام وتعرض لبعض الجناسـات لأبي تمام التـي فاته التوفيق فيها، كما يتحـدث عن سـوء نظم أبي تمام ويعقد ألفاظـه وما يجري في شعره من غريب.

4ـ القاضي الجـرجاني([49])

كان القاضي الجر جـاني يتولى القضاء للبويهيين في إيران وقد ألف كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وقد أراد منه الفصل بين المتنبي وخصومه كما هو واضح من اسم الكتاب، وقد قـدم فيه حديثا طويلا فيه الكثير من الفنون البديعية، وفنون البـديع في عصره كانت تشتمل على كثير مما خرج فيما بعد نطاق البـديع كالاستعارة والتشبيه والتمثيل، وكذلك كان حديثه عن شعر أبي الطيب المتنبي حديث امتزج النـقد فيه بالبلاغة وقد كانت البلاغة فيه عنصرا أساسيا من عناصر النقد([50]).

5 ـ أبو هلال العسكري([51])

 لقد وضع أبو هلال العسـكري كتابا سماه "الصناعتين" أي صناعتي  الكتابة والشعر، وقدم له مقدمة ذكر فيها السبب الذي دفعه وحفزه إلى وضع كتاب في علم البلاغة ومعرفة الفصاحة، وقال إنه ضروري لفهـم إعجاز القرآن الكريم وللتميز بين جيد الكلام ورديئه ولوقوف الكتاب والشاعر على ما ينبـغي استخدامه من أساليب اللغة الجيدة والبليغة([52])، وهو يستهدف بوضع الكتـاب الإبانة عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة.

ويتألف الكتاب من عشرة أبواب يشتمـل على ثلاثة وخمسين فصلا: تناول فيه الموضوعات البلاغية المختلفة من تحديد موضوع البلاغـة لغة واصطلاحا إلى تميز جيد الكلام من رديئه،  ومعرفة صنعته وحسن الأخذ وقبحه إلى ذكر الإيجاز والإطناب والتشبـيه وما يستحسن فيه وما يستقبح وذكر السجـع والازدواج والقول في البديع ووجود حصر أبوابه وفنونه([53]).

6ـ ابن رشيـق القيرواني([54]):

  ألف القيرواني كتابا سمـاه "العمدة في صناعة الشعر ونقده" وتحدث في الكتاب عن ما يتعـلق بالبلاغة، والكتاب يتألف من جزأين يشـتملان على نيف ومائة باب، عالج فيه كثيرا من الموضوعات الأدبية والنقـدية، كبيانه فضل الشعر والرد على من يكرهـه وشرح موقف الإسلام منه وبين منافعـه ومضاره، ووقف عند البلاغة وتعرض لكل ما كان معروقا من فنـون البلاغة حتى عصره، فجعل لكل من تلك الفنـون بابا خاصا، وكذلك وضع باب المخترع والبـديع ويكون عنده باب المجاز والاستعارة والتمثيل والتشبيه والإشارة والتجنيس، وهو آخر أبواب الجـزء الأول، وباب الترديد وباب المطابقة وباب المقـابلة، وباب الالتفات وغير ذلك من أبواب الفنون البلاغية والقضـايا النقدية.

7ـ ابن سنان الخفاجي([55])

 ألف ابن سنان كتابه وذكر فيه أن معرفة الفصـاحة واجبة لمعرفة بلاغة القرآن ولمعرفة نظم الكلام ونقده، ولكنه من الذي لم يفرق بين الفصاحة والبلاغة وتعـرض لأول مرة في الدراسات البلاغية لموضوع الأصـوات وتعرض في كتابه لكثير من القضايا النقدية وآراء النقاد والشعراء كما عرض في أثنـاء ذلك لكثير من الفنون البلاغية.

عصــر النضــج والازدهـار:

الإمام عبد القاهـر الجرجاني ووضعه لنظريتي المعـاني والبيان

 لقد بلغ التأليف البلاغي غاية بليغة من الإحكام والنضج في القرن الخامس الهجري وذلك على يد الإمام الشيخ عبد القاهر الجر جـاني صاحب كتابي "دلائل الإعجاز" و "أسرار البلاغة" ولعبد القاهر مكانة كبيرة في تاريخ البلاغة حيث أنه استطاع أن يضع نظريتي علمي المعاني والبيان وضعا دقيقا، وتحدث عن الصور البيانيـة في أثناء حديثه عن الأسلوب لأنها جزء من الألفـاظ أو التراكيب أو الصياغة، لذلك فكثيرا ما نراه في الـدلائل يتعرض لبعض المباحث البيانية لم تكن البلاغة في عصره قد عرفت هذا التقسيم الثـلاثي الذي عرفته على يد السكاكي فيما بعد، فتحدث عن الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز بكثـير من الدقة والتعمـق وهو في كل هذا لا ينسى أن ينبـه على أن البيان في هذه التراكيب والصور إنما يعود إلى المعـاني النحوية التي اقتضت وضعها هذا الوضع([56]).

وقد شرح الإمام الجـرجاني مزايا النظم مبينا أنها ترجع إلى المعاني والأغـراض لأن سياق الألفاظ وترتيبها إنما يكون بحسب ترتيب معانيها وأوضاعـها في العقل، ويثبت أن إعجاز القرآن ليس في ألفاظه، فاللفظ المفرد لا قيمة له في ميزان البلاغة و إنما البلاغة في الأسلوب والصياغة والنظم([57]).

لقد تابع الشيخ عبد القـاهر رحلته وعمله البلاغي الـرائع في كتابه "أسرار البلاغة" فبـين في أوله فضل الكلام ومزية البيان، ثم ينطلق ليؤكد مما سبق في الدلائل من أن ما يوصف به الكلام ليس حقيقـته وصفا للألفاظ المفردة فقال: كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصـا من التأليف ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، قد تحدث في كتابه أسرار البلاغـة عن الجناس والسجـع محاولا أن يثبت أن الجمال فيهما لا يرجع إلى جرس الحـروف، في ظاهر الوضع اللغوي وإنما يرجع إلى المسـائل المعنوية، من شأنها أن ترض العقل، وبمقـدار هذا الرضى يكون جمال الجناس، والأساس في كل ذلك إنما هو أمر المعاني كيف تختلف وتتفق ومن أين تجتمع وتفترق([58])، ثم عاد بعد ذلك ليبين قيمة المعـاني وترفع معناها، وبعد ذلك عقد فصولا يتحدث فيها عن التشبيه والاستعارة والتخيل فيحـلل جمال التشبيهات المختلفة وما يتصل من ذلك بطرفي التشبيه أو وجه الشبه، أو طرافة الصورة كما يحلل جمال الاستـعارة، ويبين الفرق بينها وبين التمثيل وهو في كل ذلك إنما يستعين بالشواهد والأمثلة ويعـلق عليها بما يدل على نفاذ فكره وإقامته في النقد والبلاغة وحسن التذوق.

كما أرسى الشيخ عبد القاهر أركان علم المعـاني في كتابه "دلائل الإعجاز" كذلك أوضح في أسرار البلاغة كثيرا من أسرار الجـمال في الصورة الأدبيـة وبين معالم التشبيه والاستعارة، وكان له فضل كبـير في تحديد معالم الفن الذي عرف فيما بعد بالبيان، وهو كما يعتقد علماء البلاغة من أكثر العلماء توفيـقا في هذا المجال ويعد من أحسن من استعان على التذوق وتحليل أسرار الجمال بالعقل والعلم والمنطق. لقد تبوأ  الجر جاني هذه المنزلة الرفيعة في تاريخ البلاغة العربية بأمرين:

أولهما: أنه اتجه بالبـلاغة نحو التـفنن وتحديد المعـالم فكانت له في الـدلائل نظرة كاملة في المعاني وكان له في أسرار البلاغة نظرة كاملة تقريبا في علم البيان.

ثانيهما: أنه ألف بين العـلم والذوق واستعان بأحدهما على الآخر، فهو في تحليله للشواهد والأمثـلة إنما يأخذ بأيدينا ليوقفـنا على الجمال بشعورنا وإحساسنا ثم يأخذ بأيدينـا ثانية ليقنعنا بصدق شعورنا وإحساسنا بالجمـال إقناع العقل والمنطق بعد إقناع الشعور والإحساس واطمئنان النفس والقلب([59]).

يقول الدكتور شوقي ضيف" ولعبد القاهر مكانة في تاريخ البلاغة إذ استطاع أن يضع نظريتي علمي المعـاني والبيان وضعا دقيـقا في كتابيه "دلائل الإعجاز" و أسرار البلاغة([60]). ويضيف قائلا: على نحو ما وضع عبد القاهر نظرية المعاني، وضع أيضا نظرية  البيان لأول مرة في تاريخ البلاغـة العربية، وحقا أن كل النصوص التي بحثها سبقه إليها البلاغيون بالبحث، ولكنهم لم يحرروها ولم يبحثوا دقائقـها على نحو ما بحثها وحررها عبد القاهر في كتابه "أسـرار البلاغة" فقد ميز أقسامها وفروعها وحلل أمثلتها تحليلا بارعا([61]). والباحث المدقق يحس ويعتقد أن الاتجـاه الذي اتجه إليه عبـد القاهر بألوان البلاغة كان أمثل اتجاه وأحسنـه وأجله وأعوده على هذا العلم.

الزمخـشري([62])

لقد ألف الزمخشري كتبا كثيرة من مثل "الكشاف، ومعجم أساس البلاغة، وكتاب المفصل والمشهور في النحو" وقد تسلم الزمخشري إرث الجر جاني وما اشتمل عليه من آراء بلاغية التي شرح الجـر جاني بها وجوه الإعجاز في كل ذلك ما يرضي نزعته العقلية.

وكان الزمخشـري امتدادا لعبد القاهر في منهجه وطريقته بكل ما جاء في كتابيه الدلائل والأسرار، فقد طبق الزمخشري كل ما فيهما من قواعد مستشهدا بما فيهما من صور بلاغية من آيات القرآن الكريم، وهو أول من قسم البلاغـة إلى معاني وبيان، فيسمي كلا منهما علما([63])، وعلى هديه سار العلماء من بعده فاستعمـلوهما (أي المعاني والبيان) بعد أن كان السابقون يستعملون البلاغة والفصاحة والبيـان على أنها ألفاظ مترادفة كما هو الأمر عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، وسار الزمخشري على منهجـه في تحليلاته العقلية وتطبيقـاته حتى قيل إن الزمخشري متمم لعمل الجرجاني في البلاغة، والحق أن بينهما صلة واضحة وشبها يتجلى في ثلاثة أمور ذكرها الدكتور مازن([64]):

أولا: إن كلا من الزمخشـري والجرجاني ذو نزعـة عقلية وتفكير لفظي وأسلوب منهجي،

ثانيا: إن كلا منهمـا أديب يتذوق الجمال ويحسه ويحاول عن طـريق العقلوالمنطق أن يجد المسوغ المعقول لجمـال ما يستحسن وقبح ما يستهجن.

ثالثا: إن البلاغة عند كل منهما لم تكن بلاغة جافـة قائمة على الحدود والتعريفات، وإنما كانت بلاغة تطبيـقية تحيا في النماذج البليـغة وتلتصق بالنصوص الأدبيـة، وإن كلا منهما حاول أن يأخذ بيدك لتفتح قلبك وعينيك على الجمال ويثير فيك الرغبة في تذوقه تذوقا تطمئن إليه النفوس.

قال الدكتور شوقي ضيف: إن الزمخشري استوعب كل ما كتبه عبد القاهر في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، ومضى يطبـقه تطبيقا على آي الذكر الحكيم وكأنه لم يترك صغـيرة ولا كبيرة من آراء عبد القـاهر إلا ساق عليها الأمثلة من القرآن، ولم يقف عند ذلك فقد مضى يتم هذه الآراء، خاصة ما يتعلق بمباحث علـم المعاني والبيان، التـي أكمل كثيرا من شعبها ودقائقها إكمالا سديدا([65]).

عصر الجمـود:

لقد تبين مما سبق أن البلاغـة ازدهرت عند عبد القاهر الجر جاني والزمخشـري، والذين جاؤا بعدهما كان عملهم مقتصرا على فكرتهما، وكان عمل المتأخرين في أكثر الأحيـان تلخيصا وشرحا ومن الذين عمدوا إلى هذا التلخيص والاختصـار الفخر الرازي([66]) الذي ألف كتابه "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" وهو تنظيـم وتبويب لما كتبه عبد القاهـر في صورة تنضبط فيها القواعد البلاغية، وتحصر فروعها وأقسامهـا حصرا دقيقا ثم جاء بعده السكاكي([67])، وهو إمام في العربيـة والمعاني والبيان والأدب والعروض والشعـر متكلم فقيه متفنن في علوم شتى، فألف مؤلفات كثيرة من أهمها: "المفتاح" وهو غرة مصنفاته، وقد قسمه إلى ثلاثـة أقسام:

الأول للصرف والثاني للنحو  والثالث للبلاغة وما تحتوي عليه من علوم المعاني والبيان والبديع وما يلحق بهذه العلوم من قافية وعروض، وألحق بهما نظرة في الفصاحة والبلاغة ودراسة المحسنات البديعية واللفظية والمعنوية وشهرته إنما طارت بالقسم الثالث من الكتاب الخاص بعلمي المعاني والبيان ولواحقهما من الفصاحة والبلاغة والمحسنات البديعية اللفظـية والمعنوية، كما قال الدكتور شوقي ضيف: "الـذي وصفه السكاكي من تقسيم للعلوم البلاغية هو الذي أخذ به علماء البلاغة من بعده وهو الذي استقرت عليه هذه العلوم إلى يومنـا الحاضر، ولكن العلماء بادروا إلى شرح وتوضيح ما ذهب إليـه السكاكي من تعقـيد وعملوا على تنقيتها من الشـوائب المنطقية والفلسفيـة ولكن كلهم كانوا متأثرين بأصل الكتـاب ومنهج السكاكي، فلذلك بقـي كتابه مفتاح العلوم محورا للتأليف وظهر حوله عدد كبير من المؤلفات والكتب من الشرح والإيضاح والتلخيص والتهذيب([68]).

 وقد رأى القزويني([69]) فائدة في تلخيص هذا الكتاب فوضع له ملخصا كما قال: وكان القسم الثالث من مفتاح العلوم الذي صنفه العلامة أبو يعقوب السكاكي أعظم ما صنف فيه الكتب المشهورة لكونه أحسنها ترتيبا وأتمها تحريرا وأكثرها للأصول جميعا، ولكنه كان غير مصون عن الحشو والتطويل والتعقـيد، قابلا للاختصـار ومنتظرا على الإيضاح والتجريد، ألفت مختصرا ما فيه من القواعد ويشتمل على ما يحـتاج إليه من الأمثلة والشواهد، وسميـته تلخيص المفتاح([70])، ولكنه لما رأى أن هذا التلخيـص لا يفيء بالغرض فعـاد ليضع كتابا آخر وسماه الإيضاح وإن كان هذا الإيضاح لم يخل من بعض العسر والأسلوب الفلسـفي لكن هذا التهذيب آخر ما عرفناه من الثـمرات المتصلة بكتاب المفتاح وأحسنها ترتيبا وأكثرها وضوحا.

هكذا صارت البلاغـة متطورة عبر قرون وتاريخ طـويل حيث إنها كانت صفة الكلام الجيد والقول المبين إلى أن أصبحت علما ذا قواعـد وأحكام وفروع وأقسام وقد نشأت وترعرعت في مواكب علوم القـرآن واللغة والأدب والنقد وكانت موضوعاته بين الدراسات القرآنية والأدبية والنقدية.

*******************

المراجع والمصادر

·        القرآن الكريم

·        أثر النحاة في البحث البـلاغي، للدكتور عبد القادر، دار نهضـة مصر للطبع والنشر بالفجاله، القاهرة

·        الأعلام قاموس تارجم لأشهر الرجال والنساء منالعرب والمستعربين والمستشرقين لخـير الدين الزركلي الطبعة الثالثة.

·        إنباء الرواة على أنباء النـحاة، لجمال الدين البياتي، تحقيق محمد أبو الفضل، دار الكتب المصرية القاهرة، 1396هـ

·        بغية الوعاة في طبقـات اللغـويين والنحاة، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ) مطبعة السعادة، القاهـرة

·        البلاغـة تطور وتاريخ، للدكتور شوقي ضيف، الطبعة الثالثة دار المعارف مصر.

·        البلاغة العـربية، للدكتور أحمد مطلوب، المكتبة الوطنية بغداد، 1980م

·        البلاغة العربية ليسد نوفل، مطبعة السعادة 1948م

·        البلاغة عرض وتوجيـه وتفسير، لمحمد بركات حمدي أبو علي، دار الفكر عمان.

·        البيان والتبيـين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ) تحقيق عبد السلام هارون، 1388م

·        تاريخ بغـداد أو مدينة السلام، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463هـ) دار الكتاب العربي.

·        دلائل الإعجـاز لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجر جاني (ت392هـ) القاهرة 1339هـ

·        شذرات الـذهب في أخبار من ذهب، لابن العمـاد البكري الحنبلي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار ابن كثير دمشق، 1406هـ

·      الصناعتـين، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (ت395هـ) تحقيـق محمد علي البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، 1371هـ

·        طبقات فحـول الشعراء، لأبي عبد الله محمد بن سلام الجمحي، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.

·        فوات الوفيـات والذيل عليها، لمحمد بن شاكر الكتـبي (ت764هـ) تحقيق احسان عباس، دار صادر بيروت، 1974م

·        الفهرست، لمحمد بن اسحاق بن النديم، تحقيق الدكتورة ناهد عباس عثمان دار قطري بن الفجاءة الطبعة الأولى، 1985م

·        الكافي في العروض للخطيـب التبريزي(ت 502هـ) تحقيق عبد الله الحساني، دار الكتاب العربي القاهرة، 1969م

·        الكامل في اللغة والأدب لأبي العبـاس محمد بن يزيد المبرد (285هـ) الطبعة الأولى، مطبعة التقدم العلمية، 1323هـ

·      معاهد التنصـيص على شواهد التلخيص، لعبد الرحمن بن أحمد (ت 963هـ) تحقيق محمد محي الدين عبد الحمـيد،القاهرة، مطبعة السعادة، 1367هـ

·      معجم الأدباء (إرشاد الأديب إلى معرفة الأديب) لأبي عبد الله شـهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي (ت626هـ) دار إحياء التراث العربي، 1355هـ/1357م

·        الملل والنحل للشهرستاني،دار الكتب العربية

·        المزهر للعلامة عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت. 1986م

·        المؤجز في تاريخ البلاغة للدكتور مازن مبارك، دار الفكر

·        الموشح في مآخذ العلـماء على الشعراء لأبي عبد الله محمد بن عمران بن موسى، نشر الكتب العربية، 1343هـ القاهرة

                ·    النجوم الزاهرة في ملـوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبي المحـاسن الأتابكي، دار الكتب القاهرة.

                ·    نزهة الألباء لأبي بركات كمال الدين أحمد الأنباري، دار نهضـة مصر للطبع والنشر تحقـيق محمد أبي الفضل إبراهيم.

·        الوافي بالوفيـات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفـدي (ت764هـ) بإعتناء رمزي بعلبكي ألمانيا الاتحادية، 1404هـ

·        وفيات الأعيـان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين ابن خلكان (ت 608هـ) تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت.

 



[1] رئيس قسم اللغة العربية بجامعة راجوري جامو وكشمير

([2]) سورة الرحمن الآية 1ــــــــ4

([3]) سورة البقرة: 204

([4]) سيرة ابن هشام: 1/270

([5]) سورة الأحزاب: 19

([6]) سورة الزخرف: 58

([7]) البلاغة تطور وتاريخ: 12

([8]) الموشح للمرزباني: 107ـ 108، الصناعتين:1/91ـ92

([9]) الإقواء عيب من عيوب الشعر وهو اختلاف حركة الروي في قصيدة واحدة وهو أن يـجيء بيت مرفوعا وآخر مجرورا، انظر: الكافي في العـروض للخطيب التبريزي (ت 502هـ) 160 تحقيق عبـد الله الحساني

([10]) البلاغة تطور وتاريخ ص 12

([11]) دروس في البلاغة وتطورها ص 10

([12]) البلاغة تطور وتاريخ ص 12

([13]) البيان والتبيين 1/261

([14]) اثر النحاة في البحث البلاغي ص14

([15]) طبقات فحول الشعراء 1/63

([16]) البلاغة عرض وتوجيه ص 18

([17]) البلاغة تطور وتاريخ ص 18 وما بعدها

([18]) البلاغة تطور وتاريخ ص 58

([19]) أثر النحاة في البحث البلاغي ص 176

([20]) هو محمد بن يزيد الأزدي، زعيم المدرسة النحوية البصرية، وإمام النحاة في عصره، وكان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه، (انظر مقدمة تهـذيب اللغة) وقد أجمـع أصحاب التراجم على زعامة المبرد للنحو، انظر ترجمته في الوفيات 3/441، تاريخ بغداد 3/380

([21]) دلائل الإعجاز ص 221 مطبعة السعادة

([22]) انظر: الكامل 1/27

([23]) المرجع نفسه 1/24

([24]) المرجع نفسه 1/183ـ184

([25]) هو أبو العباس أحمد بن يحي ثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، انظر: ترجمته في نزهة الألباء ص157، المزهر 2/412

([26]) أثر النحاة في البحث البلاغي ص 221

([27]) انظر قواعد الشعر ص 37

([28]) المرجع نفسه ص 57

([29]) المرجع نفسه ص 67

([30]) المرجع نفسه ص 66

([31]) المرجع نفسه ص 64

([32]) انظر تاريخ بغـداد 12/214، معجم الأدباء 16/74، نزهة الألباء ص 254، الملل والنحل ص 52،

([33]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 12

([34]) معجم الأدباء  16/74

([35]) البيان والتبيين 1/81،92،96

([36]) المرجع نفسه: 1/51،4/55،56

([37]) المرجع نفسه: 1/197،149، 155، 2/278

([38]) المرجع نفسه:1/195، 196، 2/210

([39]) المرجع نفسه  2/16

([40])المرجع نفسه  1/222، 225

([41]) البلاغة العربية ليسد نوفل ص 139

([42]) البلاغة تطور وتاريخ ص 56،57، البلاغة العربية ص 170

([43]) انظر ترجمته في  النجوم الزاهرة  3/197، معجم الأدباء  6/203، الفهرست ص198

([44]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 77

([45]) هو محمد بن أحمد بن طباطبا العـلوي، توفي سنة اثنين وعشرين ومائتين من الهجرة. انظر ترجمته في معجم الأدباء  6/284، معاهد التنصيص ص 2/29

([46]) البلاغة تطـور وتاريخ ص 123

([47]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 81

([48]) هو أبو القـاسم الحسن بن بشر الآمدي، توفي سنة واحد وسبعين وثلاث مائة من الهجرة، انظر ترجمته في معجم الأدباء  8/275، روضات الجنات ص 219، إنباء الرواة 1/285.

([49]) هو علي بن عبد العزيز الجـرجاني توفي سنة اثنـين وتسعين وثلاث مائة من الهـجرة، انطر ترجمته في  معجم الأدباء: 12/14، وفيات الأعيان  1/324، إنباء الرواة 1/285

([50]) انظر المؤجز في تاريخ البلاغة: 81

([51]) هو الحسن بن عبسد الله أبي هلال العسكري، انظر ترجمته في معجم الأدباء 3/135، بغية الوعاة ص221،

([52]) انظر البلاغة تطور وتاريخ ص 40

([53]) الصناعتين ص 8

([54]) هو الحسن بن رشيق القيرواني، توفي سنة ثلاث وستين وأربع مائة، انظر ترجمته في شذرات الذهب 3/297، فوات الوفيات 2/255، إنباء الرواة 1/298

([55]) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي شاعر وأديب. انظر ترجمته في فوات الوفيات 1/233، النجوم الزاهرة 5/96

([56]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 94

([57]) دلائل الإعجاز ص 48ـ49

([58])دلائل الإعجاز ص 48ـ49

([59]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 102

([60]) البلاغة تطور وتاريخ ص 16

([61]) البلاغة تطور وتاريخ ص 16

([62]) هو أبو القاسم جار الله محمـد بن عمر، ولد بزمخشر، وتوفي سنـة سبع وستين وأربع مائة من الهجرة، انظر ترجمته في: معجم الأدباء:7/247، بغية الـوعاة ص 388، إنباء الـرواة 3/265، البلاغة نشأتها وتطورها ص 332، البلاغة تطور وتاريخ ص221

([63]) المؤجز في تاريخ البلاغة ص 106

([64]) المرجع نفسه ص 107

([65]) انظر البلاغة تطور وتاريخ ص 143

([66]) هو فخـر الدين محمد بن عمر الرازي، توفي سنة أربع وأربعـين وخمسمائة من الهجرة، انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات4/248، شذرات الذهب 5/21، وفيات الأعيان 5/33

([67]) هو سراج الدين أبو يعقوب محمد بن علي السكاكي، ولد في خوارزم توفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة من الهجرة، انظر ترجمته في: معجم الأدباء:20/59، شذرات الذهب:5/122،

([68]) البلاغة تطور وتاريخ ص 335،

([69]) هو جلال الدين محمـد القاضي سعد الدين عبد الـرحمن القز ويني  الشافعي ولد بالموصل وتوفي سنة ست وستين وست مائة من الهجرة.

([70]) انظر تلخيص المفتاح:2/3

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو