Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/sunosi.jpg

البُعْد الفني لأساليب النداء  في قصيدة الهمزية للبوصيري

 (دراسة بلاغية تحليلية)

د. سنوسي أُبا شريف*

sunusiubasharif@gmail.com

+2348036322209

ملخص الدراسة

إن إبانة المعاني وظهورها لدى السامع على أوفق مرماها هو الغرض الأقصى من الدراسة البلاغية, وكثيراما يستعمل المخاطِب البليغ ألفاظاً وأساليباً متشعَّبَة الأغراض الحقيقية والبلاغية والدرسة البلاغية هي التي تجردها عن خلعة الغموض كما تظهر بُعْدَها أَلْيَق, ومرماها أَوْفَق, كانت الأساليب الندائية أنموزجا من تلك الأساليب. وقصيدة الهمزية للإمام البوصيري التي بلغت شهرتها عنان السماء من الأشعار التي لاحت فيها الأشعة البلاغية وأنفق فيها الشاعر الأساليب العِدّة للبَثّ عمّا في ضميره, ومن بين هذه الأساليب يأتي الأسلوب الندائي. هدفت الدراسة إلى تحديد الأبيات التي استخدم فيها الشاعر أساليب النداء, وإبراز البعد الفني لاستخدامها, وخبايها البلاغية وجدارتها السياقية والتنظيمية. اتَّبعتِ الدِّراسةُ المنهجَ الاستقرائيَّ التحليلي والوصفي, توصَّلتِ الدراسةُ إلى نتائج عدَّة، منها: أن البوصيري يتمتع بالثقافة الأدبية الفائقة أهّلَتْه لتنزيل الأسالب في أماكنها أَجْدَر وسلكها أَنْظَم, أن الأساليب الندائية جاءت في هذه القصيد في أغراضها المختلفة متعددة الوظائف والمرامي, أن هذه الأساليب لها ما لها من تأثير في جلب الانتباه والإلْفات بالأنظار, كما تلعب دورا هاما في رصد المعاني وفرشها لدى السامع, وأنها ترسم له وللقارئ صورة كاملة لعين المقصود.

مدخل:

الإمام البوصيري وقصيدته الهمزية

البوصيري (608 - 696 هـ = 1212 - 1296 م), محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد الله: شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون. ومولده في بهشيم من أعما البهنساوية. ووفاته بالاسكندرية.[1] "كان أحد أبويه من بوصير والآخر من دلاص فركب له نسبة منهما وقال: الدلاصيري ولكن اشتهر بالبوصيري"[2]

اشتهر البوصيري بمدائحه النبوية، التي ذاعت شهرتها في الآفاق، وتميزت بروحها العذبة وعاطفتها الصادقة، وروعة معانيها، وجمال تصويرها، ودقة ألفاظها، وحسن سبكها، وبراعة نظمها؛ فكانت بحق مدرسة لشعراء المدائح النبوية من بعده، ومثالا يحتذيه الشعراء لينسجوا على منواله، ويسيروا على نهجه؛ فظهرت قصائد عديدة في فن المدائح النبوية، أمتعت عقل ووجدان ملايين المسلمين على مرّ العصور، ولكنها كانت دائما تشهد بريادة الإمام البوصيري وأستاذيته لهذا الفن بلا منازع.

نشأ البوصيري نشأة قرآنية وأدبية وصوفية، تعلم في القاهرة بساحة مسجد عمرو بن العاص، علوم اللغة والأدب وأصول البلاغة وقواعد العروض والقوافي، مع إتقان حفظه للقرآن الكريم وأصول قراءاته مع حفظ الحديث، وعمل بأحد الدواوين بمديرية الشرقية في بلبيس. ثم اتصل بأبي العباس المرسي[3] إمام الصوفية بالإسكندرية، وقد انتفع البوصيري بصحبته ثم تنسك وتصوف، "وقد ابتلاه الله بمرض الفالج الشلل فتقرب إلى الله تعالي ونظم قصيدة البردة في مدح الرسول صلي الله عليه وسلم وما إن كتبها حتى رأي في نومه النبي صلي الله عليه وسلم يقرأها أمامه ومسح بيده عليه، وخلع عليه بردته فاستيقظ من النوم وقد شفاه الله، وتلك نعمة وكرامة من عند الله عز وجل."[4]

"ترك البوصيري عددًا كبيرًا من القصائد والأشعار ضمّها ديوانه الشعري الذي حققه "محمد سيد كيلاني"، وطُبع بالقاهرة سنة (1374 هـ= 1955 م)، وقصيدته الشهيرة البردة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية"، والقصيدة "المضرية في مدح خير البرية"، وقصيدة "ذخر المعاد"، ولامية في الرد على اليهود والنصارى بعنوان: "المخرج والمردود على النصارى واليهود"، وقد نشرها الشيخ "أحمد فهمي محمد" بالقاهرة سنة (1372 هـ= 1953 م)، وله أيضا "تهذيب الألفاظ العامية"، وقد طبع كذلك بالقاهرة."[5]

بين يدي القصيدة

حاول البوصيري في هذه القصيدة أن ينقل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ ولادته وكثير من غزواته من الحقل العلمي إلى الحقل الأدبي في هذه القصيدة التي هي من أشهر قصائده، وله غيرها من القصائد التي مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم .

جاءت القصيدة بعنوان: "أم القرى في مدح خير الورى"، كما اعتاد البوصيري على تقييد قصائده بأسماء معينة.[6] واشتهرت القصيدة باسم "المهزية" كما تسمى "المهموزة" لما أن حرف الهمزة هو الروي فيها.

تدور حول فكرة واحدة رئيسية وهي: (المدح) يمدح خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وما يتحلى به من المعاني الإنسانية العظمى، كذكر معجزاته، وغزواته، وغير ذلك مما استغرق جميع أبياتها: (457). واتخذت القصيدة البحر الخفيف مطيتة لها إلى النهاية.

النداء وأساليبه في القصيدة

مفهوم النداء:

النداء في لغة: تأتي لفظة النداء في اللغة على معان عدة منها ما يلي:

·      "النداء: الصوت مثل الدعاء والرغاء وقد ناداه ونادى به وناداه مناداة ونداء أي صاح به وأندى الرجل إذا حسن صوته.

·      والنداء ممدود: الدعاء بأرفع الصوت وقد ناديته نداء وفلان أندى صوتا من فلان أي أبعد مذهبا وأرفع صوتا."[7]

 وفي الاصطلاح: هو دعوة المخاطب إلى الإقبال بحرف ينوب مناب الفعل (أدعو) أو: هو طلب المتكلم إقبال المخاطب عليه بحرف نائب مناب أنادي المقول من الخبر إلى الإنشاء.

وله ثمانية أدوات: (الهمزة، وأي، ويا، وآ، وآي، وآيا، وهيا، ووا) وهي في الاستعمال نوعان:

1.              الهمزة وأي – لنداء القريب.

2.              وباقي الأدوات – لنداء البعيد.

وقد ينزل البعيد منزلة القريب فينادي بالهمزة وأي، إشارة إلى أنه لشدة استحضاره في ذهن المتكلم صار كالحاضر معه، لا يغيب عن القلب، كقول شاعر:

أَسُكّانَ نَعمانِ الأَراكِ تَيَقَّنوا       بِأَنَّكُمُ في رَبعِ قَلبِيَ سُكّانُ [8]

وقد تخرج ألفاظ النداء عن معناها الأصلي إلى معان أخرى تفهم من السياق بمعونة القرائن؛ ومن أهم ذلك:

-                  التحسر والتوجع: كقوله تعالى: ﮞ  ﮟ          ﮠ  [9]. وكقول الشاعر :

ويا قَبْرَ مَعَنٍ كيفَ وَارَيْتَ جُودَهُ       وقد كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعا [10]

-                  الإغراء: نحو قولك لمن أقبل يتظلم : يا مظلوم.

-                  الإستغاثة: نحو: يا لله للمؤمين.

-                  الندبة: نحو قول الشاعر:

فوا عَجَبا كم يدّعي الفضْل ناقصٌ       ووا أسَفا كم يُظْهِرُ النّقصَ فاضل [11]

-                  التعجب: نحو قول الشاعر:

يــــــــــا لك مــــن قـــبــره بــــمــعـمـر   خلا لك الجو فبيضي واصفري[12]

-                  الزجر: كقول الشاعر:

أَمَنزِلَتَي مِيِّ سَلامٌ عَلَيكُما       هَلِ الأَزمُنُ اللائي مَضَينَ رَواجِعُ [13]

-                  التحيير والتضجرك نحو قول الشاعر:

أيا منازل سلمى أين سلماك              من أجل هذا بكينا ها بكيناك[14]

ويكثر هذا في نداء الاطلال والمطايا ونحوها.

-                  الاختصاص: وهو ذكر اسم ظاهر بعد ضمير لبيانه، نحو قوله تعالى: ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪﭫ  ﭬ    ﭭ  ﭮ  [15] ونحو أيضا "العلماء ورثة الأنبياء".

ويكون الاختصاص كالآتي:

-                  إما للتفاخر نحو: أنا أكرم الضيف أيها الرجل.

-                  وإما للتواضع: نحو: .أنا الفقير المسكين أيها الرجل. وكذلك نحو: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.

أساليب النداء في القصيدة:

كما سبقت الإشارة إلى أن النداء له حروف مختصبة به, وله أغراض الحقيقية كما أنه يخرج منه إلى أغراض بلاغية أخرى تفهم من حيث السياق, والباحث (إن شاء الله) في هذا الموضع يقوم بتتبع الأبيات التي أتى فيها أساليب النداء لتحليلها وإدراك مراميها البلاغية وأبعادها البديعية. ومن بين هذه الأبيات ما يأتي:

قوله:

كيف ترقَى رُقِيَّك الأَنبياءُ       يا سماءً ما طاوَلَتْها سماءُ

يمدح الشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البيت, عن طريق ذكر درجته ومنزلته التي لم يساويه فيها أحد, فاستعمل أسلوب بلاغي حيث افتتح باستفهام يوحي به التعجب من هذه المنزلة السامية كما ينكر به إدراكها أو دنوها من جميع الأنبياء فضلا عن سائر الخلق, ثم شبه هذه المنزلة والعلوية النبوية عن طريق الاستعارة, فتسمى النبي صلى الله عليه وسلم بالسماء, في هذه الاستعارة ما لا يخفى من الأسرار البلاغية فكل يعرف أن السماء تختص بالجهة الفوقية والعلوية, وبما أن السماوات متعددة وطبقات؛ فاتصف سماءه بأنها هي الآخير من جهة الارتفاء ليس فوقها سماء.

وأما عن أسلوب النداء في هذا البيت فقد استعمل حرف "الياء" الذي من دأبه أن ينادى به البعيد, استخدمه هنا ليدل على البون الشاسع بين ممدوحه وسائر الخلق.

       ومن صيغ النداء في هذه القصيدة قوله:

يا لَها مِنَّةً لقدْ ضُوعِفَ الأَجْ       رُ عليها من جِنْسِها والجزَاءُ

شاعرنا في هذا البيت يعظم البركة التي أصابت السيدة حليمة السعدية التي نالتها من إرضاعها النبيَ صلى الله عليه وسلم حيث أخصب عيشها وانجاب عن جانبها كل مدلهمة[16] وبلية, فيقول أنها ضُعِف لها الأجر أضعاف ما أجر به صاحباتها اللواتي أخذن الغلمان أُخَر وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ليُتْمِه.

ولإبراز ظاهرة التعجب من هذه المنة والبركة والدرجة استعمل الشاعر حرف "الياء" للنداء, والغرض من إتيانه هنا هو التعجب من عظم هذه الدرجة.

       ومن الأبيات التي جاءت على هذا المنوال الندائي قوله:

يَا لأَمر أَتاهُ بعدَ هِشامٍ       زَمْعَةٌ إنه الفتَى الأَتَّاءُ [17]

في هذا البيت يذكر الشاعر خمسة أشخاص قاموا بإمزاق الصحيفة التي تواعد فيها القريش على مقاطعة[18] بني هاشم بطن الذي تخرج منه النبي صلى الله عليه وسلم والذين يقومون بحمايته والذَّود عنه, من أجل هذا قامت القريش بهذه المقاطعة. فثار على قرش خمسة من كبارهم وهم هشام بن لؤي ومطعم بن عدي وزهير بن أمية وأبو البحتري بن هشام وزمعة بن الأسود.

       ولبيان عظم الأمر أنفق في ذلك شاعرنا الأساليب البلاغية يُلَفِّت بها الأنظار والأبصار السامعين والقارئين لانتباه بما قام به هؤلاء الخمسة, ومن الأساليب التي استعان بها: تنزيل غير العاقل منزلة العاقل, حيث أضاف إلى لفظة "الأمر" حرف "الياء" التي في حقيقتها تنادى بها العقلاء. والنداء هنا للتعجب. وأعقبها بلام الابتداء لتوكيد عظمة التعجب.

       واستمر الشاعر في بيت آخر يقول:

قومَ عيسى عاملْتم قومَ موسى       بالذي عامَلَتْكُم الحُنفاءُ [19]

تطرق الشاعر في شعره على الأديان وأهل الكتاب من اليهود والنصارى وأخذ يحلل آررءهم عن طريقة منطقية فلسفية, وهذا البيت من بين ما قاله على هذا المنوال, يشير إلى أن عملية التي عملتها قوم عيسى لقوم موسى هي نفس عملية التي بينهم وبين المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذه عملية تتمثل في أن قوم موسى آمنوا بالنبي عيسى عليه والكتاب المنزل عليه لكن قوم عيسى لم يؤمنوا بالنبي موسى وكتابه, وهكذا قوم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا بالنبي عيسى عليه والكتاب المنزل عليه لكنهم لم يؤمنوا بنينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا القرآن الذي أنزل عليه. ويبرز هذه المعنى البيت الذي يلي هذا حين قال:

صَدَّقوا كُتْبَكُمُ وكذَبْتُمْ       كُتبَهُمُ إنّ ذا لَبِئْسَ البَواءُ

       لجأ الشاعر في إبرازه لهذه الحقيقة إلى تناول أسلوب النداء, وذلك حين قال: "قومَ عيسى" بفتح الميم في "قوم" مما يشير إلى أن هناك ياء مضمرة منع من ظهورها مراعاة القالب الشعري الذي يلزم إلتزام الأوزان. والنداء هنا يحتمل أغراض بلاغية عدّة, منها: أنه أراد تذكرهم[20] بما غفلوا عنه من هذه العملية. وكما يحتمل أنه ناداهم للتوجع أو للتنبه إلى غير ذلك.

       تابع الشاعر يخاطب أهل الكتاب قائلا

مَا لَكُم إِخْوَةَ الكِتابِ أُناساً       ليس يُرْعَى للحقِّ منكم إخاءُ

استعمل الشاعر هنا الاستفهام أراد به إنكار سوء عمل أهل الكتاب ويعتبهم عليه, مع أنهم إخوة من حيث الكتاب, يعلمون أن مصدر الكتب واحد وأن مراميها وعقائدها واحدة لهنم لا ترعوا هذه الأخوة ويؤمنوا بها كلها ويحترومون آراءها, بل يكذب بعضهم بعضا ويؤمنون ببعضها كما يكفرون ببعض.

       ولإظهار هذه الحقيقة استعمل من الأساليب أسلوب الناداء كي يساعده على أداء معناً كاملاً, واستنجد من بين أدواته بحرف "الياء" الذي منع ظهوره الضرورة الشعرية؛ إذ قوله "إخوةَ الكتاب" هنا يكون بالفتحة الظاهرة على لفظة "إخوة" االأمر الذي أوحى تقدير الياء عليها, وجاء النداء هنا إشارة إلى شُرود ذهنهم في أمر أقرب إليهم لكنهم لا يعقلونه.

       واصل الشاعر يخاطب أهل الكتاب من اليهود والنصاري عن طريق استخدام الاستفهام أرادبه الإنكار والتعجيز معا. ثم اسعمل الياء من بين أدواة النداء التي أتت قبل لفظة أهل, أُضْمِرتْ للقالب البيتي, استُعْملتْ لاستحضاره ذهنهم وكما جرت في وظيفتها الاختصاصية يختص القول لهم. قائلا:

خَبِّرونَا أهلَ الكِتَابَيْنِ من أَيْ       نَ أَتَاكُم تَثْليثكم والبَداءُ [21]

"قال خبرونا أن هاتين القضيتين وهما حكمهم بأن الله ثالث ثلاثة, والبداء هو إنكارهم للنسخ في حقه سبحانه وتعالى كيف ينسخ الأحكام بعد وقوعها وتقريرها...."[22]

       ير الباحث أنه أن الشاعر هنا استمعل لفظة "البداء" يريد بها النسخ للضرورة الشعرية وملازمة الروي؛ إذ من اللغويين من يفرقون بين البداء والنسخ, على حسب ما أورده ابن فارس يفرق بين اللفظتين ويشرح كل من الجواز وعدمه من إضافتهما للحضرة الإلهية قائلا: " أن النسخ رفع حكم تقدم بحكم ثان أوجبه كتاب أو سنة؛ ولهذا يقال إن تحريم الخمر وغيرها مما كان مطلقا في العقل نسخ لاباحة ذلك؛ لان إباحته عقلية ولا يستعمل النسخ في العقليات.

والبداء أصله الظهور. تقول: بدا لي الشئ إذا ظهر. وتقول: بدا لي في الشئ, إذا ظهر لك فيه رأي لم يكن ظاهرا لك فتركته لاجل ذلك.

ولا يجوز على الله البداء؛ لكونه عالما لنفسه، وما ينسخه من الاحكام ويثبته إنما هو على قدر المصالح, لا أنه يبدو له من الاحوال ما لم يكن باديا، والبداء هو أن تأمر المكلف الواحد بنفس ما تنهاه عنه على الوجه الذي تنهاه عنه والوقت الذي تنهاه فيه عنه, وهذا لا يجوز على الله لأنه يدل على التردد في الرأي".[23]

ومن الأبابيات التي أتى فيها أسلوب النداء بيت يقول فيه الشاعر:

يا أبا القاسمِ الذي ضِمنَ إِقسا       مِي عليه مَدْحٌ لهُ وَثَنَاءُ

افتتح البيت بحرف النداء الذي أتى يأدي وظفته الاستغاثية حيث يستغيث بالرسول محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم, ويذكر أن إقسامه على حصول الأمور فتحصل لم يتضمن هذا القسم إلا مدحه والثناء عليه.

تطرق شاعرنا إلى مدح أهل بيت النبوة ويذكر ما حل عليهم من الجور والعدوان, ومن خلال هذا المدح والرثاء أتى ببيتين يشتملان صيغ النداء وهما قوله:

آلَ بَيــــــــْتِ النبيِّ إِنَّ فُــــــــــــؤادِي       ليسَ يُسْلِيهِ عَنْكم التَّأْسَاءُ [24]

آلَ بيتِ النبيِّ طبتُم فطابَ الْ       مَدْحُ لِي فيكُمُ وَطابَ الرّثاءُ

       في البيت الأول يشير إلى أن العدوان الذي أنزل بساحة أهل البيت أوقعه في الهموم والكروب التي لا تسلي نفسه كل التعزية وجميع التصبّر, وهو دائما في تذكاره لا يفارقه همه.

وفي البيت الثاني الإشارة إلى طهارة أهل البيت التي تتسرب إلى كل من دناهم, ومن أجل هذا الطهر الطيب طابَ وطَهُر المدح لهم والثناء عليهم.

وفي كلا البيتين اسخدم آلية النداء التي هي الياء والتي يرمز عليها ظهور النصب على حرف "الام" من لفظة "آل", والغرض البلاغي منها في البيت الأول هو التذكر والتوجع, وفي البيت الثاني يرمي إلى علو مرتبتهم والتعجب من طهرهم الذي يتسرب إلى من جاوره.

       نختم دراسة النداء وأسالبه في هذه القصيدة المباركة بأبيات ثلالثة كانت في أواخر القصيدة استخدم فيها الشاعر حرف الياء ينادي بها النبي صلى الله عليه وسلم مستغيثا به قائلا:

يـــــــــا رحيماً بالمؤمنين إذا ما       ذَهِلَت[25] عن أبنائها الرُّحَماءُ  

يا شفيعاً في المُذنبين إذا أش       فقَ مِنْ خَوفِ ذَنْبِهِ البُرَآءُ [26]

يا نبيَّ الهُدَى اسْتِغَاثَةَ مَلْـــــــهو       فٍ[27] أَضَرَّتْ بحالِه الحوْبَاءُ  [28]

       في اليبت الأول يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصفه بما وصفه القرآن عند قوله تعالى: ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ    ﯙ  ﯚ  [29] ويشير إلى ما يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم          ﯼ  ﯽ  ﯾ   *      *        [30]  يوم الذي يستغاث الناس بالأنبياء والرسل كلهم يعتذرون, إلا سيد الرحماء النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول أنا لها.

       وفي البيت الثاني يمدحه بهذه المزية التي خصه الله بها من الشفاعة للمذنبين, يوم الذي يعجز الأنبياء المعصمون البرءاء عن القيام أمام الله لأجل الاستشفاع.

       وفي البيت الثالث يستغيث ويلحّ في الاستغاثة ويتضرع فيه حيث يخبره عن الحالة التي وجد نفسه فيها من شدة لهفه واضطراره الذي كاد أن يحمل نفسه على المهالك. والغرض من هذا الإخبار هو التحسر والتوجع وإظهار الضعف أمامه, ومن أجل هذا استفتح بالنداء يرمي به إلى الاستغاث والاستنجاد.

       وبهذه الأبيات تمت الأبيات التي تشمل أسلوب النداء من هذه القصيدة المباركة.

اللهم إنا نسألك شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم


 

المصادر والمراجع

·      القرآن الكريم

-      البوصيري: (محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله): ديوان البوصيري, بدون معلومات مطبعية.

-      التبريزي, (يحيى بن علي بن محمد الشيبانيّ): شرح ديوان الحماسة, دار القلم – بيروت, دت.

-      التجاني, أبو العباس أحمد: الارشادات الربانية بالفتوحات الإلهية, الالمكتبة الشعبية –بيروت, د.ت.

-      ابن حجر الهيثمي، الشرح على متن الهمزية، الخيرية، مصر، الطبعة الأولى، سنة: 1307ه.

-      ابن حَيّوس , (محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس) ديوان ابن حيوس, تحقيق لاخليل مراد بك, دار الصادر –بيروت, 1984م.

-      ذو الرُمَّة, (غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي)، ديوان ذو الرمة, تحقيق عبد الرحمن المصطفاوي, دار المعرفة –بيروت.

-      الزَّبيدي, (محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني): تاج العروس من جواهر القاموس, تحقيق مجموعة من المحققين, دار الهداية, د.ت.

-      الزركلي, (خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس): الأعلام, دار العلم للملايين ط: الخامسة عشر - 2002 م.

-      الشيزري, (أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ): المنازل والديار, تحقيق مصطفى حجازي, الطبعة الأولى, 2006م.

-      الصفدي صلاح الدين, (, خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي): الوافي بالوفيات, المطبعة الهاشمية، دمشق، سنة: 1903م.

-      طرفة بن عبد, ديوا طرفة بن عبد, تحقيق حمدو طماس, دار المعرفة –بيروت, الطبعة الأولى, 2003م,

-      العسكري (الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد): الفروق اللغوية, تحقيق: محمد إبراهيم سليم, دار العلم والثقافة –القاهرة, د. ت.

-      القالي, (أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي):الأمالي في لغة العرب, دار الكتب العلمية -بيروت, 1398هـ/1978م.

-      القنطري الجزائري (عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن محمد السلطاني): في سبيل العقيدة الإسلامية, دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة – الجزائر, ط: الأولى، 1402 هـ1982 م.

-      مخبر صالح، المدائح النبوية بين الصرصري والبوصيري،.

-      مصطفى إبراهيم والآخرون: المعجم الوسيط, تحقيق: مجمع اللغة العربية, دار الدعوة, دت.

-      المعري, (أَبو العَلاء, أحمد بن عبد الله بن سليمان) ديوان أبي العلاء, بدون معلومات مطبعية.

-      المقريوى المققى: مخطوط مصور, دار الكتب المصرية د.ت.

-      ابن منظور, (محمد بن مكرم بن منظور): لسان العرب, دار صادر – بيروت, الطبعة الأولى, د.ت.

 

 



[1] الزركلي, (خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس): الأعلام, دار العلم للملايين ط: 15, 2002 م, ج6 ص139.

[2]- الصفدي صلاح الدين, (, خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي): الوافي بالوفيات, المطبعة الهاشمية، دمشق، سنة: 1903م، ج3 ص105.

[3] المرسي, (أحمد بن عمر المرسي، أبو العباس، شهاب الدين. 00 - 686 هـ = 000 - 1287 م). : فقيه متصوف، من أهل الاسكندرية، لاهلها فيه اعتقاد كبير، إلى اليوم. أصله من مرسية في الأندلس. (الزركلي: الأعلام, ج1 ص 186)

[4] الصفدي: الوافي بالوفيات, ج1, ص344 بتصرف.

[5] البوصيري: (محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله): ديوان البوصيري, مقدمة الكتاب. بدون معلومات مطبعية.

[6]- محمد كيلاني، ديوان البوصيري، المصدر السابق، ص 27.

[7] ابن منظور, (محمد بن مكرم بن منظور): لسان العرب, دار صادر – بيروت, الطبعة الأولى, د.ت, ج15 ص 313.

[8] ابنِ حَيّوس , (محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس) ديوان ابن حيوس, تحقيق لاخليل مراد بك, دار الصادر –بيروت, 1984م, ج1 ص145.

[9] - الآية 40 من سورة النبإ.

[10] البيت للحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي, ينظر التبريزي, (يحيى بن علي بن محمد الشيبانيّ): شرح ديوان الحماسة, دار القلم – بيروت, دت, ج1 ص388.

[11] المعري, أَبو العَلاء, أحمد بن عبد الله بن سليمان، ديوان أبي العلاء, بدون معلومات مطبعية, ص319

[12] طرفة بن عبد, ديوا طرفة بن عبد, تحقيق حمدو طماس, دار المعرفة –بيروت, الطبعة الأولى, 2003م, ص22

[13] ذو الرُمَّة, (غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي)، ديوان ذو الرمة, تحقيق عبد الرحمن المصطفاوي, دار المعرفة –بيروت ص78.

[14] البيت للشريف الرضا, ينظر: الشيزري, (أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ): المنازل والديار, تحقيق مصطفى حجازي, الطبعة الأولى, 2006م, ص9.

[15]- سورة هود, الآية 73.

[16] المدلهم: الأسود. وليلة مدلهمة أي مظلمة. وفلاة مدلهمة لا أعلام فيها. (لسان العرب, ج12 ص 206)

[17] الأتَاء: مبالغة على وزن فعّال. أي كثير الاتيان.

[18] بأن لا يتعاملوا معهم كما أجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يتزاوجوا معهم حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، وكتبوا بهذا صحيفة ذكروا في صلبها هذا وأكدوا ذلك بالعهود والمواثيق، على أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم فيهم رأفة حتى يسلموا لهم رسول الله للقتل. (القنطري الجزائري (عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن محمد السلطاني): في سبيل العقيدة الإسلامية, دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة – الجزائر, الطبعة: الأولى، 1402 هـ - 1982 م ص84.)

[19] الحنفاء: جمع الحنيف, وهو "المائل من شر إلى خير, والصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه والناسك وكل من حج. ( وفي الكليات لأبي البقاء ) إذا ذكر الحنيف مع المسلم فهو الحاج كقوله تعالى: ولكن كان حنيفا مسلما. وإذا ذكر وحده فهو المسلم كقوله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا. و( الحنفاء ) فريق من العرب قبل الإسلام كانوا ينكرون الوثنية منهم أمية بن أبي الصلت ومن كان على دين إبراهيم عليه السلام في الجاهلية ( في الحج والختان واعتزال الأصنام ) و الدين الحنيف المستقيم الذي لا عوج فيه وهو الإسلام." (مصطفى إبراهيم والآخرون: المعجم الوسيط, تحقيق: مجمع اللغة العربية, دار الدعوة, دت, ج1 ص203).

[20] ذلك أن من أغراض النداء والتَّذكرعلى نحو قول شاعر:

أيا منزلي سلمى سلامٌ عليكما *** هل الأزمٌن اللاتي مضينَ رواجع

[21] البداء: ظهور الرأي بعد أن لم يكن واستصواب شيء علم بعد أن لم يعلم ويقال بدا لي في هذا الأمر بداء أي ظهر لي فيه رأي آخر. (مصطفى إبراهيم والآخرون: المعجم الوسيط, ج1 ص45)

[22] التجاني, أبو العباس أحمد: الارشادات الربانية بالفتوحات الإلهية, الالمكتبة الشعبية –بيروت, د.ت, ص91

[23] العسكري (الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد): الفروق اللغوية, تحقيق: محمد إبراهيم سليم, دار العلم والثقافة –القاهرة, د. ت, ص537.

[24] التأساء: التعزية والحلم والصبر. على حد ما قال أعرابي وقد قتل أخوه أبنه فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وهو يقول: 

أقـــــــــــول للنـــفس تأساء وتعزية % إحـــــــــدى يدي أصــــــابتني ولم ترد

كلاهما خلف من فقد صاحبه % هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي

(القالي, (أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي):الأمالي في لغة العرب, دار الكتب العلمية -بيروت, 1398هـ/1978م, ج1 ص266).

[25] الذهل: تركك الشيء تناساه على عمد، أو يشغلك عنه شغل. (الزَّبيدي, (محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني): تاج العروس من جواهر القاموس, تحقيق مجموعة من المحققين, دار الهداية, د.ت, ج29 ص18).

[26] البُرّاء: جمع برئ

[27] الملهوف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر ورجل لهيف القلب محترفه. (مصظفى إبراهيم: المعجم الوسيط, ج2 ص842).

[28] الحوباء: النفس, (مصظفى إبراهيم: المعجم الوسيط, ج1 ص204).

[29] التوبة: ١٢٨

[30] عبس: ٣٤ - ٣٦

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو