Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/New Doc 2017-04-30_20 (1).jpg

واقع اللغة العربية في ضوء كتاب "رحلة القسطنطينية ومصر والشام"

 للعلامة شبلي النعماني

                                               أ. د. محمود حافظ عبد الرب مرزا*

لا مِراء في أن للرحلات عظيم الأثر في تكوين شخصية السائح من حيث تزويده بمعلومات قيّمة عن تاريخ وحضارة وثقافة الوجهة التي يرغب في زيارتها، والتعرف على سكانها ومعالمها والاطلاع على ثقافاتها وتقاليدها وطقوسها، فضلاً عن الرغبة الملحة لديه في مقارنة أوضاع تلك البلاد الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وما إلى ذلك بالأوضاع السائدة في بلاده حتى يتسنى له وضع السبل المثلى في تحسين وضعه من جهة وأوضاع بلاده من جهة أخرى، ناهيك عن مدى إفادة الرحلات في توسيع آفاق الفكر ودائرة الاطلاع لدى السائح نفسه، بفضل اجتماع ثروة كبيرة من المعلومات والمعارف لديه خلال جولاته وصولاته. فالإنسان ومنذ أن دبّ على وجه الأرض يسعى إلى اكتشاف ما يحيط به من أسرارها بهدف التعرف على ما يكتنفه من الحياة، فالرحلات ليست إلا مظهراً من تلك المظاهر، وهي بمثابة منابع ثرّة لمختلف العلوم، وسجل حقيقي لمختلف مظاهر الحياة ومفاهيم أهلها على مر العصور والأزمنة. ومن الملاحظ أن أدب الرحلات هو مجموعة الآثار الأدبيَّة التي تتناول انطباعات المؤلِّف عن رحلاته في بلاد مختلفة، وقد يتعرَّض فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوك وأخلاق[1].

أما من الناحية الدينية، فإن من أحد مقاصد الرحلات في الإسلام الاعتبار والادّكار، فقد جاء في القرآن الكريم الأمر بالسير في  الأرض في عدة مَواطن، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[2]، وقال عز مِن قائل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾[3]

و يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ                         وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفســـــــــــــــــدهُ                        إِنْ سَـــــــــــاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

ومما يجدر الإشارة إليه هنا أن كبار الأدباء والمؤرخين والجغرافيين والرّحالين في تاريخ العالم سعوا إلى معرفة لغات الجهات التي اتجهوا إليها للتعرف وبكل دقة على كل ما يرغبون في معرفته عن سكانها وأنماط عيشهم وعاداتهم وتفكيرهم وأوضاع بلدانهم المختلفة. فمن هذا المنطلق، رأينا أن العالم الإسلامي والفيلسوف الكبيـر أبو الريحان محمد بن أحمد البَيروني (973م- 1048م) قد تعلم اللغتين اليونانية والسنسكرتية وألف كتاباً عن الهند، اشتهر باسم "تاريخ الهند"، والذي يُعتبـر مصدراً هاماً ورئيسياً وموثوقاً به في حد ذاته.

وعلى هذا المِنوال، نجد أن العديد من الأدباء والكتاب والمؤرخين الذين زاروا بلداناً مختلفة في أصقاع العالم سعوا إلى سرد كل ما لاقوه خلال سفرهم وما شاهدوه في رحلاتهم فتناولوا مختلف القضايا نحو القضايا الإنسانية والمظاهر الاجتماعية السائدة في المجتمعات البشرية في بلدان العالم المختلفة تفصيلاً وإجمالاً، وسعوا إلى أن لا تفوتهم شاردة ولا واردة إلا ودونوها خلال رحلاتهم. ولكن لا ننكر وقوع بعض الأخطاء منهم في التعرف على الواقع الحقيقي في البلدان التي قاموا بزيارتها، لأن السائح يهدف إلى الحصول على المعلومات بشتى السبل والوسائل ويسعى إلى مشاهدة الأوضاع بعينيه وتحليلها وفق خبراته وتجاربه بدون التحقق من مدى انطباقها على عامة الشعب، وبالتالي، قد لا يستطيع عرض صورة واضحة أو صحيحة عن تلك البلدان وأوضاعها المختلفة، إلا أننا نعتبر تلك المحاولات بمثابة معلومات أولية عن تلك البلدان وشعوبها.

ومن أكبــر الأخطاء الشائعة التي يقع فيها مؤلفو كتب الرحلات استنباط واستقراء الأصول الكلية من المسائل الفرعية، حيث يسعى السائح إلى تكوين آراء عامة عن الشعب بمجرد مقابلته لشخص أو فرقة أو مجموعة معينة، وذلك بناء على أخلاقهم وسلوكهم وطبيعتهم، مع أن هناك إمكانية كبيرة أن تكون تلك العادات والأطوار خاصة بأولئك الرجال وحدهم ولا تمت إلى الشعب بأسره بأية صلة.

وفي بعض الأحيان، نجد أن لدى السائح معلومات مسبقة عن الدول التي يقوم بزيارتها فلا يستطيع أن يخرج من فخ تلك الأفكار وقيودها أو يتخلص منها فيسرد أشياء لا تكفي للتوصل إلى نتيجة معينة وما إلى ذلك[4]....

ومن البديهي أن نرى ونشاهد في محيطنا الحالي هذه الأيام آلاف الكتب التي ألفت في هذا المضمار والتي تدخل في إطار "أدب الرحلات"، لأنها ليست إلا عبارة عن سرد للانطباعات الشخصية وتصوير لمظاهر الحياة في البلدان التي يزورها الأديب أو الرّحالة ويذكر عنها في مؤلفه. ولكن من الصعب في هذه العُجالة إلقاء ضوء كاشف على مختلف جوانب الأعمال الأدبية التي تم إعدادها تحت هذا الإطار، وعليه سنكتفي بإلقاء نظرة خاطفة على رحلة قام بها الشيخ/ شبلي النعماني (1857- 1914م) طيب الله ثراه لبعض البلدان العربية وكيف وجد حال اللغة العربية فيها آنذاك، حيث نجده يقدم معلومات أولية عن اللهجات العامية والدّارجة لدى العرب آنذاك، فضلاً عن سعيه إلى توضيح معانيها وإعادتها إلى أصلها الفصحى حتى يتسنى لغير الناطقين بها الإلمام بها على أتم وجه، وعليه فإنه رحمه الله من أوائل العلماء الهنود الذين عرّفوا المجتمع الهندي بهذه اللهجات.

ومما لا ريب فيه أن علماء الهند وأدباءها لا زالوا يضطلعون بأدوار مثالية في تعلم وتدريس علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب ومعان وبيان. فضلاً عن الدور الملموس في نشر العلوم الإسلامية في مختلف أصقاع العالم، مما ساهم في ذيوع صيتهم وانتشار علمهم، لأنهم قد بلغوا بالفعل شأوا كبيراً في هذا الصدد،

ولكن مع كل هذا وذاك، فإنهم كانوا يواجهون– بل لا يزالون إلى الآن- صعوبة بالغة في التحدث مع أبناء العرب وخاصة أثناء لجوء الأخير إلى التحدث بالعامية أو الدارجة لعدم إلمامهم بها وحتى في العصر الحاضر رغم كثرة الاحتكاك بأبناء العرب هذه الأيام وانتشار ظاهرة العولمة والإقبال الشديد الذي تشهده مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك، والتويتر، والإنستغرام، وغيرها مما سهل في معرفة أو على الأقل الإلمام ببعض مفراداتها.

ومما يثيـر العجب أن الشيخ شبلي النعماني، ورغم قلة احتكاكه بالعرب استطاع خلال جولة واحدة لبعض الدول العربية قبل أكثر من قرن ونصف الإلمام باللهجات العربية المختلفة والأساليب المستخدمة في التحدث والإحاطة بالاختلافات البسيطة في لهجاتهم إدراكاً منه بأنها هي – في أصلها – لغية عربية فصيحة، أصابتها مصائب مختلفة، ومن المستحيل ردها إلى أصلها بدون التعرف على تلك الأمراض والأدواء التي أصابتها.

فبعد عودته من جولة للقسطنطينية وعدد من الدول العربية، ألف رحمه الله، كتاباً عن هذه الرحلة أسماه "سفر نامہ روم ومصر وشام"، (رحلة القسنطينية ومصر والشام)، تطرق فيه إلى العديد من اللهجات العربية التي كانت شائعة آنذاك، رغم أن هذا العمل يستحق جهداً كبيراً جداً لأن شيخنا لم يقض في البلدان العربية إلا فترة بسيطة ولم يكن له عهد بتلك اللهجات من قبل، فقد قضى حوالي ستة أشهر في جولته التي ضمت القسطنطينية ومصر والشام، فضلاً عن أن هدفه الرئيسي من هذه الزيارة كان يشمل جمع المصادر اللازمة لإعداد مؤلفات عن حياة أبطال الإسلام، وإزالة الاعتراضات والافتراءات التي كان المستشرقون يوجهونها ضد الإسلام وأبطاله من حين لآخر، فضلاً عن انتهازه هذه الفرصة الثمينة لتغيير الأجواء لكثرة إصابته بالأمراض خلال إقامته في مدينة علي غراه وذلك أثناء توليه مهام التدريس في الكلية المحمدية الشرقية - الإنجليزية. ومع ذلك، استطاع رحمه الله بكل جدارة أن يلم باللهجات العربية الدّارجة هناك، ويُعرّف الأوساط العلمية الهندية بها، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على إلمامه الكامل باللغة العربية الفصحى وسرعة استيعابه لها ومدى ذكائه وفطانته.

وفي بداية المؤلف يذكر صاحبنا أنه كان يتألم ويسوءه صنع مسيحي أسباني كان يكره تعلم المستشرق البريطاني توماس أرنولد (1864- 1930م) العربية، فكان يرٍد إليه من حين لآخر ويقول له في لهجة مليئة بالازدراء والاستخفاف إنها أي (اللغة العربية) "لغة الإبل"، فكان هذا التألم والانزعاج خير دليل على مدى حب الشيخ للعرب والعربية[5].

ويشير صاحبنا إلى أنه قام بتأليف مؤلف بالعربية في عُنفوان شبابه باسم: "إسكات المعتدي على إنصات المقتدي" عام 1880م، حيث كان ذلك الكتاب عاملاً مهماً في الإشادة بجهوده ومساعيه من قبل أحد كبار الشيوخ في دمشق قائلاً: "شكر الله مساعيه"، فجلب هذا التقدير والإشادة بالغ السعادة والسرور له لأنه وجد أن مؤلفه قد لقي قبولاً واسعاً لدى الأوساط العلمية والدينية في  البلدان العربية أيضاً[6].

كما أشاد صاحبنا في هذا المؤلف بأخلاق العرب وكرمهم وحسن تعاملهم وضيافتهم أيضاً، فضلاً عن إشادته بجهود المسيحيين العرب في نشر وطباعة كتب الأدب العربي في بيروت، وإبّان سعيه لمعرفة سبب هذا الشغف والحب والاهتمام الكبير بالأدب العربي لدى المسيحيين تبين له أنهم يفتخرون بكونهم من أصول عربية[7].

وفيما يخص واقع اللغة العربية في البلدان العربية آنذاك، ذكر الشيخ في مؤلفه قائلاً:

"بما أن من موجبات السفر التطرق إلى لغة البلدان التي يتم زيارتها فضلاً عن أوضاعها المختلفة، فإنني سأتحدث عن وضع اللغة العربية في مختلف مناطق مصر والشام، لأن أبناء البلاد الذين يحبون قراءة الصحف والجرائد الصادرة من مصر والشام ولكن يحيل عليهم الاستمتاع بها على أتم وجه لعدم إلمامهم بالعربية الرائجة حالياً سيعود عليهم بالنفع والفائدة أيضاً"[8].

وألقى الشيخ شبلي النعماني الضوء على واقع العربية آنذاك وأفاد بأن العربية الحديثة مختلفة عن العربية الكلاسيكية نظراً لتغير اللهجات وكثرة استخدام أبناء العرب للهجات الدارجة بدلاً من التحدث بالعربية الفصحى وحتى مع غير الناطقين بها، حيث يقول:

"إن العربية الحديثة مختلفة عن العربية القديمة تماماً، ولذلك، سيواجه علماء بلادنا إبّان زيارتهم لمصر والشام صعوبة بالغة في فهم تلك اللغة أسوة بغيرهم"[9].

وبالتالي، قام صاحبنا بإلقاء الضوء على خصائص اللهجات العربية الدّارجة في العالم العربي آنذاك، ومن خلال هذه السطور سنقوم باستعراض تلك الخصائص ومن ثم التعليق عليها تدريجياً، وهي كما يلي:

أولاً:        اختصار العديد من الكلمات حتى أصبح من المستحيل معرفة أصلها ما لم يتم توضيحها. ومن بعض الأمثلة على ذلك ما يلي:

-                       شو         : أصله أي شيء، يستخدم للاستفهام.

-                       موش      : أصله ما هو شيء، يستخدم في معنى حرف النفي.

-                       معليش   : أصله ما عليه شيء: ومعناه لا بأس، لا حرج وهكذا.

-                       بلاش       : أصله بلا شيء: يستخدم في معنى مجاناً أو لا بأس.

-                       هيك       : أصله هكذا،

-                       هادول    : أصله: هذه هؤلاء.

-                       قديش    : أصله: قدر أي شيء[10].

التعليق:

·     تستخدم كلمة "هادول" بدلاً من "هؤلاء" فقط ولا حاجة لذكر "هذه"، لأنه يتم استخدام "هادا" محل "هذا" أو "هادي" محل "هذه" حالياً ... والله أعلم. 

·     فيما يخص كلمة "معليش" فأصلها كما ذكر صاحبنا "ما عليه شيء" ولكن تم تحريفها لـ "معلش" وقيل: إن  أصل استخدامها كان للقاضي وذلك إبّان تبرئته لشخص ما فيقول: (ما عليه شيء). وقيل أيضاً: إنها كانت تقال للمجنون أو السفيه (ما عليه شيء)، ولكن للأسف الشديد، ومع مرور الوقت فقدت معناها الأصلي وأصبحت تعبر عن  الأسف. والله أعلم.

ثانياً:       نجد أنه وفي بداية كل كلمة أو في آخرها يتم إضافة بعض الحروف، مما يؤدي إلى تغير الكلمة تماماً، حيث يقوم أهل الشام بإضافة حرف "ب"، قبل أفعال المضارع، مثل ما بقول، وما بعرف بدلاً من ما أقول وما أعرف، وفي مصر، يضيفون في آخرها حرف "ش" مثل ياخذش بدلاً من يأخذ[11].

التعليق:

·     يتم إضافة حرف "ب" قبل الفعل المضارع في كلتا الحالتين سواء سبقه ما النافية أم لا في معظم البلدان العربية. أما في مصر فإنهم لا يضيفون حرف "ش" في آخر الكلمة إلا إذا سبقها ما النافية مثل ما ياخدهاش، ما ياكلهاش، ما بيصرفهاش وهكذا، والله أعلم بالصواب.

ثالثاً:       أصبح نطق الحروف سيئاً للغاية، بل ينبغي أن نقول بأن طريقة أداء حروف العربية قد فقدت خصائصها، حيث يتم استبدال حرف "ق" بـالهمزة، وحرف "ج" بـ "گ" وحرف "ذ" بـ "د"، وحرف "ع" بـالهمزة أيضاً. وهذا لا ينطبق على غير المثقفين فحسب بل على المثقفين أيضاً ناهيك عن العلماء والأدباء. ففي ذات يوم من الأيام في مصر سألت أحد الطلاب قائلاً: من أين أنت قادم؟ فرد علي "گائی من تگئہ" (جاء من الجمعة)، أي قادم من المسجد بعد أداء صلاة الجمعة[12].

التعليق:

·     إن نطق الأحرف عن طريق استبدالها بأحرف أخرى يؤدي إلى اختلاط الحابل بالنابل وإثارة التباسات أثناء التخاطب، مما يستوجب مراعاة ذلك، مع أن الناطقين بالعربية بإمكانهم تفادي ذلك، حيث نجد أن أهالي مصر مع استبدالهم حرف (أ) بـحرف (ق) لا يلجأون إليه أثناء نطق كلمتي: القاهرة أو القرآن وهكذا. وأما فيما يخص " گائی من تگئہ " فإنه قد وقع خطأ مطبعي لأنه من المفروض أن يكون وفق القاعدة المشار إليها والمعمول بها أيضاً " گائی من گمئہ".

رابعاً:      تغيّر استخدام العديد من الكلمات القديمة نحو "أستغفر الله"، لأننا إذا قمنا بالإشادة بشخص ما أو الثناء عليه، فإنه يرد قائلاً: "أستغفر الله"، ويعني ذلك أنه لا يستحق كل هذا الثناء والتقدير، وإذا ما وقع أمر عجيب فإنهم يقولون: "أمان". وأما إذا كان عليهم أن يستفسروا قائلين: ماذا تريد؟ فيستخدمون بدلاً منه: شو بدك؟ شو مخففة من أي شيء، و"بد" هي نفس الكلمة التي نستخدمها مع كلمة لا بد[13].

التعليق:

·     أرى أن بدِّي الشامية (بكسر الباء)، مشتقة من الفصحى "بوِدِّي" مع إسقاط حرف الواو. حيث نجد استعمالاً لـ "وِدِّي" في الدول الخليجية أيضاً، مما يؤكد على أن الأصل الفصيح للكلمة هي (بِوِدِّي)، بيد أن الخليجيين يستخدمون "أبغى" أو "أبي" بدلاً من كلمة "أريد" في محادثاتهم العامية بشكل عام. في حين نجد أن أهالي مصر يستعملون كلمة "عايز" لأجل ذلك، وهذه الكلمة هي من العَوٍز وهو افتقار الشيء، مما يُفضي إلى الرغبة به، وهو المتحصل في الكلمة المصرية للفصحى "أريد". والله أعلم.

·     يقول الدكتور/ محمد رضوان الداية، في كتابه معجم الكنايات العامية الشامية، وذلك خلال الحديث عن الكناية العامية الآتية: بدّك زلغوطة!: "بدّك: تحتاج إلى، تستحق، وأصلها "بودّي" للمتكلم، ثم خاطبوها بها فقالوا "بودّك"، وحرّفوها فقالوا: "بدّك": وحملوها المعاني القريبة"[14]. كما نجده يقول في عبارة: "بدّه يغطي السماوات بالقباوات": "وبده أي يريد (بودّه)"[15].

خامساً: كثرة استخدام الكلمات الأوروبية ببعض التغييرات البسيطة مما يجعلها غير مفهومة حتى لمن له علم ودراية تامة باللغة العربية أو الإنجليزية إلا بشق الأنفس. وعقبها قام بإدراج أمثلة على ذلك، مثل تلغراف، بروجرام، قوماندان وغير ذلك.

التعليق:

·     شهدت هذه الظاهرة تزايداً حاداً هذه الأيام، مما يلقي بظلالها على العربية في حد ذاتها، فالواجب الحفاظ على اللغة العربية بواسطة التعبير بها في جميع الحالات لأن اللجوء إلى اصطلاحات وكلمات غير عربية يثبت مدى رعب أبناء العرب من تقدم الدول الغربية في مختلف مجالات الحياة... فالأحرى الاقتداء بالغرب لتحقيق التقدم والازدهار فقط والتشبث بالقيم الإنسانية والدينية وعدم التخلي عن العربية مهما كان الثمن.

سادساً: وفي نهاية المؤلَّف، قام صاحبنا بوضع قاموس بسيط للكلمات الدّارجة علّها تنفع كل من يرغب في معرفتها أو إتقانها.

ومما لا شك فيه، فإن الشيخ شبلي النعماني، استفاد من رحلته هذه حق الاستفادة من حيث جمع المواد اللازمة لإعداد كتب عن سير أبطال المسلمين والترفيه عن نفسه، والتعرف على أنظمة التعليم والثقافة في تلك البلدان ولا سيّما وضع الأدب العربي الحديث، كما استطاع بفضل تفاعله في هذه الفترة البسيطة مع أبناء العرب مباشرة أن يُلم بالعديد من اللهجات العربية الدّارجة، والتي لم يكن للهنود عهد بها من قبل، ولم يكن يعرفها كبار أساتذة اللغة العربية في الهند، فأوردها رحمه الله بشيء من التفصيل، وبالتالي، لا يزال هذا المؤلف وبالأخص الجزء الخاص بالعربية الدارجة منه يحظى بأهمية قصوى لدى أساتذة اللغة العربية وطلابها إلى يومنا هذا[16].

ولا مراء أن الهدف الأسمى من تطرق صاحبنا إلى تعريف اللهجات الدارجة لدى أبناء البلاد هو عسى أن تنفع كل من يسعى إلى معرفتها وإتقانها وبالتالي التفاعل مع أبناء العرب بسهولة أو على الأقل الاستجابة لما يقولون. فكان رحمه الله حقاً من رواد الهنود الذين سعوا إلى تعريف أبناء البلاد باللهجات العربية الدارجة، وتوكيد تبعيتها للفصحى، وضرورة نفض غبار الزمن عنها وردها إلى أسرتها.

وخلاصة القول هو أنه مهما ازداد حرصنا على تعلم العامية، فإنه يعاب علينا استخدام اللهجات العامية أو الدارجة أو العربية المحكية اليومية أثناء التحدث. ولكن في ظل العولمة الراهنة والمصالح المشتركة بين الأمم ونظراً لكثرة استخدامها أثناء التحدث والكتابة وخاصة بعد ثورة مواقع التواصل الاجتماعية وجدت الضرورة لتعلمها... ولكن طوبى لمن يستخدم الفصحى ويظل متمسكاً بها إيماناً منه بكونها لغة القرآن الكريم وأن الحفاظ عليها ونهضتها وإحياءها واجب ديني، مع أن الله سبحانه وتعالى قد أكرمها وفضلها وتكفل بالحفاظ عليها قائلاً: "إنا نحن نزلنا لاذكر وإنا له لحافظون"، فهي بإذن الله قائمة ودائمة تعم الفائدة وتعود بالنفع على كل من يتعلمها ويتكفل بتعليمها وتدريسها.

ومع ذلك، فإن الجهد الكبير الذي بذله رحمه الله لأجل الإلمام بهذه الكلمات الحديثة ونقلها لأبناء الهند يعتبر خدمة فريدة جداً لأنه استطاع من خلالها أن يحثهم على ضرورة إتقان العربية الدارجة أو على الأقل فهمها واستيعابها حتى لا يقعوا في المتاهات ويتعرضوا للمشاكل خلال زيارتهم للبلدان العربية. فجزاه الله عنا خير الجزاء وتقبل جهوده بقبول حسن. والله على ما نقول وكيل،،،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،

المصادر والمراجع

1-    النعماني، شبلي، سفر نامه روم ومصر وشام، علامة شبلي النعماني، مجمع دار المصنفين، أكاديمية شبلي، مديرية أعظم جراه، 2015م.

2-    الداية، د. محمد رضوان، معجم الكنايات العامية الشامية، دار الفكر، دمشق، سوريا، ط1، رجب 1423هـ الموافق أكتوبر 2002م.

3-      الندوي، سيد سليمان، حيات شبلي، مجمع دار المصنفين، أعظم غراه، 1988م.

4-      الندوي، محمد أكرم، شبلي النعماني، علامة الهند الأديب والمؤرخ الناقد الأريب، ط1، دار القلم، دمشق، 2001م.

5-    الندوي، د. عظمت الله، الشيخ شبلي النعماني وإسهاماته في ترويج اللغة العربية وثقافتها، عرشيه ببليكيشن، دلهي، 2015م.

6-      مرزا، د. محمود حافظ عبد الرب، الشيخ شبلي النعماني حياته وأفكاره، عرشيه ببليكيشن، دلهي، 2015م.

7-    مجلة الدارسات العربية والفارسية، المجلد الأول، العدد الأول، يناير 2015م، قسم اللغة العربية والفارسية، جامعة إله آباد، إله آباد.

 



* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية والفارسية، جامعة إله آباد.

[1] موقع المعاني: (http://www.almaany.com).

[2] سورة الأنعام، آية رقم: 11.

[3] سورة النمل، آية رقم: 69.

[4] الشيخ شبلي النعماني، سفر نامه روم ومصر وشام، دار المصنفين، شبلي أكاديمي، أعظم غراه، عام 2015م، ص: 17.

[5] المصدر السابق، ص: 22-23.

[6] المصدر السابق، ص 40.

[7] المصدر السابق، ص 135.

[8] المصدر السابق، ص 203.

[9] المصدر السابق، ص 203.

[10] المصدر السابق، ص 203-204.

[11] المصدر السابق، ص 204.

[12] المصدر السابق، ص 204.

[13] المصدر السابق، ص 204.

[14] د. محمد رضوان الداية، معجم الكنايات العامية الشامية، دار الفكر، دمشق، سوريا، ط1، رجب 1423هـ الموافق أكتوبر 2002م، ص: 70.

[15] المصدر السابق، ص: 70.

[16] د. عظمت الله الندوي، الشيخ شبلي النعماني وإسهاماته في ترويج اللغة العربية وثقافتها، عرشيه ببليكيشن، دلهي، 2015م، ط1، ص: 121. 

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو